بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 3 يناير 2017

دحّان.. توترات الموريتاني وصدمات الواقع




هيثم حسين

يعالج الموريتاني محمد ولد محمد سالم في روايته "دحّان" مفارقات من العلاقة الشائكة بين الشرق والغرب، من مقاربة محطات من الزمن الراهن فيموريتانيا، وبالعودة إلى التاريخ الحديث للنبش فيه والوقوف على بعض النقاط التي ساهمت في بلورة صورة ضبابية قوامها سوء الفهم، وغلبة النظرة الأحادية وسيادة الأحكام المسبقة

يرمز محمد سالم في روايته (دار روايات، الشارقة 2016)، من خلال شخصية بطله عبد الرحمن ولد الغوث الملقب بدحّان، إلى الاغتراب الذي يعانيه عدد من الشباب الموريتاني في بلدهم، وتأثير الفوضى والفساد على مختلف مناحي الحياة، وبشكل خاص في مجالات التعليم والعمل، ونتيجة لذلك يفقد عبد الرحمن حقه في منحة دراسية جراء هذه الظاهرة التي تغرق الجامعة ومجال التعليم، ثم يفقد حقه في العمل لأنه لا يواكب موجة الفساد ولا ينساق وراء الفاسدين.

دائرة ضياع

يمر بطل الرواية بتوترات تلقي بظلالها على حياته ودراسته وعمله، فتراه ينتقل من جانب الصدمة ومعاداة الآخر إلى التعلق به، يحضر دورة لتعلم اللغة الإنجليزية، يصطدم مع معلمة اللغة هيلين، ثم يقع تاليًا في حبها، أثناء المرحلتين يصرح بأفكار عن صراع متجدد مستعر بين الشرق والغرب، وخيبة الأفكار والأحلام في الوقت نفسه، يتأثر حين تشبهه بكاسترو، ويبدأ سرد سلسلة من الأفكار والأقوال المناهضة للإمبريالية والرأسمالية، محييًا الزعيم الكوبي فيديل كاسترو، ومناهضته المفترضة لأميركا.

وهناك أخته سكينة التي تعكس قوة المرأة الموريتانية وصلابتها في مواجهة الأحداث التي تلم بأسرتها وأهلها، وتحاول أن تكون السند لهم في الملمات والمحن، وتكابر على جراحها، وتأكيدها لأخيها ألا يفقد الأمل في غد أفضل، وألا يرتكن لسطوة اليأس ويبتعد عن مساره الحياتي المأمول.

يدور نقاش سجالي بين عبد الرحمن والأميركي اغزافييه العامل في شركة أميركية تهيمن على اقتصاد البلاد، وذلك تحت قناع اتفاقيات مع الحكومة. يرفض اغزافييه طلب عبد الرحمن للعمل، ويخبره بأنهم لا يزالون بحاجة إلى مساعدتهم وأموالهم وخبرتهم، وأنهم ما زالوا في قبضتهم وتحت تصرفهم. يطرده من موقع العمل، ويتوعده بأنه لن يجد شركة واحدة للتنقيب تقبله بعد ذلك اليوم، فيتوعده عبد الرحمن بدوره بأنه سيأتي اليوم الذي يطرده فيه ذليلاً، ويؤمم شركته التي تستنزف خيرات بلاده.

تحت النار

تكون أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 المحطة التاريخية الحديثة التي تلقي بظلالها على البلد، بحيث يخرج معظم الأميركيين بطريقة مختلفة، وينعكس ذلك بشكل ما على الناس هناك، من ذلك مثلاً الانكسار الذي تركته المعلمة هيلين بذهابها الذي كان أشبه بهروب طارئ، وتركها عبد الرحمن هناك يعاني مراراته وحيدا، ويقاسي عذابات تحطم أحلامه ببناء أسرة والانتقال إلى أميركا لتحقيق أحلامه بالدراسة والتفوق.

في فصل "أميركا تحت النار" ينشد الراوي أصداء الأخبار بحثا عن خبر لا تنقله الوكالات، مخمنا أن الأمور لن تصل إلى درجة من السوء تحجب معها أية محاولة للمحاورة والتقارب، ويكون طلبه المرسل من قبل المنظمة إلى الجامعات طي الإهمال، ومتأثرا بالمستجدات التي دفع الإعلام المناهض للشرق والعرب والمسلمين بتأجيجها، وإلصاق صفة الإرهاب بكثير من الناس في الشرق والغرب بشكل مسيء.


من الجانب الفني، يعتمد محمد سالم على صوت الراوي العليم الغائب بالموازاة مع صوت بطل الرواية الحاضر، مع التنويع في استخدام التراث الشفاهي والذاكرة الحكائية الموريتانية، بالإضافة إلى التقاط رؤوس خيوط اللعبة الحياتية والسياسية والاقتصادية التي تحكم موازين العلاقات بين الناس من جهة، وبين الأنظمة والحكومات من جهة أخرى، وكيف يتم تقنيع تلك العلاقات بأقنعة معينة تربكها وتبقيها عالقة في بؤرة سوء الفهم المتسعة.

يرمز محمد سالم إلى أن الخلاص لا يأتي من الآخر، ولا من الخارج، بل ينبع من الداخل، ويكون بالتمسّك بالجذور والعودة إلى الأصول بعيدا عن أية ثرثرة غير مجدية. ويكون بطله دحّان الذي يصاب بلوثة الجنون، ويهيم على وجهه، معاندا مصيره، مختارا درب الصحراء ليعبر عن سخطه وغضبه من واقعه.

يفرض الراوي على نفسه ضرورة إعادة محاولته ترويض الصحراء، تراه ينتقل بين نواكشوط ومدن قريبة منها، ساعيًا إلى صحرائه، مخاطبًا نفسه بأن الصحراء التي لا يرد جماحها سوى لحون كلمات تسري في عروقها فتهدئ من شرودها، روضها آباؤه منذ أزمنة غابرة، وعليه أن يروضها ليعيش على بساطها ملكا منفردا.

الرواية أدب وجودي في عالم متقلب


*هيثم حسين

حفل الحقل الروائيّ سنة 2016 بعدد من الأحداث والمفارقات والظواهر التي باتت تحتلّ حيّزاً من الاهتمام والمتابعة، وترسم خيوط خريطة روائية للسنوات القادمة، ذلك أنّ أيّ حدث متعلّق بهذا الفنّ لا يجري بمعزل عن امتداداته الزمنية السابقة واللاحقة، ويساهم في توسيع رقعة انتشار هذا الفنّ الذي يتبدّى في مرحلة مميّزة من الانتعاش والانتشار والجماهيريّة.

جوائز روائية

تظلّ جائزتا “البوكر العربية” و”كتارا” حاضرتين في رسم المشهد الروائيّ العربيّ طيلة العام، ولا تقف الأصداء عند نقطة بعينها، بل تظلّ تتردّد من دورة إلى أخرى، وككلّ دورة لم تخل دورات هذه السنة من سجالات وتجاذبات وأخذ وردّ. وقد توّج بالبوكر العربية “مصائر.. كونشرتو الهولوكوست والنكبة” للفلسطيني ربعي المدهون، كما اختيرت خمس روايات للتتويج بـ”كتارا” عن فئة الروايات المنشورة وهي: “أولاد الغيتو.. اسمي آدم” لإلياس خوري، و”أرواح كليمنجارو” لإبراهيم نصرالله، و”خمسون غراماً من الجنّة” لإيمان حميدان، و”راكب الريح” ليحيى يخلف، “والأزبكية” لناصر عراق التي اختيرت أيضاً كأفضل رواية منشورة يجري تحويلها إلى عمل درامي.

أما الروايات التي اختيرت للفوز في فئة الروايات غير المنشورة، فهي: “الألسنة الزرقاء” لسالمي الناصر، و”ظلال جسد” لسعد محمد رحيل، و”ظلّ الأميرة” لمصطفى الحمداوي، و”جينات عائلة ميرو” لعلي أحمد الرفاعي التي اختيرت كأفضل رواية غير منشورة ليجري تحويلها إلى عمل درامي. وذهبت الجائزة عن فئة الدراسات “البحث والتقييم والنقد الروائي”، إلى كلّ من إبراهيم الحجري، وحسن المودن، وحسام سفان، وزهور ضرغام، ومحمد بوعزة.

شهدت القائمة الطويلة للبوكر العربية إبعاداً لرواية “في الهنا” للكويتي طالب الرفاعي من القائمة الطويلة نظراً لأنها كانت منشورة في العام السابق، ولم يكن يحق لها الترشح للدورة الحالية، برغم الإشارة إلى أن الطبعة المقدمة كانت مناسبة من حيث تاريخ النشر، لكن الأمر لم يقف عند تاريخ النشر، بل كان في غفلة المحكّمين أو تغافلهم وتناسيهم أمر النشر، برغم أنّه يفترض بهم كمتابعين للمشهد الروائيّ ومنغمسين فيه التحقّق منه، والتركيز عليه، وعدم انتظار تمريره أو السهو عنه. وبعد البيان الذي صدر عن إدارة الجائزة وقرار استبعاد رواية الرفاعي لم يتمّ إكمال القائمة الطويلة برواية أخرى، بل ظلّت مقتصرة على خمس عشرة رواية، لا ست عشرة بحسب ما ينص عليه قانون الجائزة للائحة الطويلة، وربما لم يكن هناك أي قرار مسنون بهذا الخصوص، أو ربّما يتمّ سنّ قرار لحالات مثل هذه مستقبلاً.

وقد تكرّر أمر الإبعاد بصيغة أخرى في جائزة “كتارا” وذلك حين اكتشاف نشر اليمني محمد الغربي عمران روايته “ملكة الجبال العالية” التي اختيرت لتفوز ضمن فئة الروايات غير المنشورة بعنوان مختلف في القاهرة، وعدم تصريحه بالأمر الذي يخالف قوانين الجائزة، وانطلاء ما يمكن توصيفه بالتضليل على اللجان التي يفترض بها أيضاً أن تكون متابعة للمشهد الروائيّ ومنغمسة فيه لا مكتفية بقراءة أو تصدير أو تزكية ما يعرض عليها. وقد حجبت لجنة “جائزة كتارا” الجائزة عن عمران بعد أن اتضح لها أنه قد نشر محتوى روايته تحت عنوان مختلف “مسامرة الموتى” عن دار الهلال في القاهرة. بالنسبة إلى جائزة الطيب صالح العالمية فاز في مجال الرواية كل من السوري سومر شحادة عن روايته “حقول الذرة” والمصري عمار علي حسن عن روايته “بيت السناري”، والسوداني محمد المصطفي الطيب بشار عن روايته “تجليات يعقوب الفينيق”. أما بخصوص جائزة نجيب محفوظ في الرواية فقد فاز المصري عادل عصمت عن روايته “حكايات يوسف تادرس”.

تضييق وخسائر

هناك استمرار وتصعيد في التضييق على الروائيّين في أكثر من بلد عربيّ، وبغضّ النظر عن الاتّفاق أو الاختلاف مع مواقف الروائيّين أو القيمة الفنّيّة لأعمالهم، فإنّ محاولات كبح الحرّيّة والكتابة والتعبير تسعى لسحق روح الإبداع لدى الإنسان، من بعض مظاهر التضييق استمرار اعتقال الروائيّ المصريّ الشابّ أحمد ناجي على خلفية اتّهامه بخدش الحياء العام إثر نشره روايته “استخدام الحياة”، والتضييق على الروائي الأردني أيمن العتوم بعد كسب دائرة المطبوعات والنشر قضيةً رفعتها عليه بصفته كاتب رواية “حديث الجنود”، والتضييق على الناشر ماهر الكيالي (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، بعد قرابة عامين على نشر الرواية، وتخييره بين دفع غرامة مالية أو الحبس.

نكبت الساحة الروائيّة العالمية بخسارات كبرى برحيل عدد من أبرز الروائيّين العالميّين، منهم: الروائي الإيطالي داريو فو (1926 – 2016) الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1997، والإيطالي أمبرتو إيكو (1932 – 2016)، والفرنسي ميشال بوتور (1926 – 2016)، والفرنسية فرانسواز ماليه جوريس (1930 – 2016)، والبيروفي ميكل كوتييريث (1940 – 2016)، والنيجيري إيلشي أمادي (1934 – 2016)، والسوري ياسين رفاعية (1934 – 2016)، والروائيّ والمترجم العراقيّ حسين الموزاني (1954 – 2016).

انتعاش أدبي

وقد لوحظ انتعاش ترجمة روايات من آداب عالمية، والانكباب على نشر روايات مختارة، وحرص العديد من دور النشر العربية على متابعة الجديد في الأدب العالمي ونقله للقارئ العربي، من ذلك مثلاً منشورات كلمة، التنوير، مسكيلياني، الربيع العربي، العربي، الجمل، الساقي، الآداب، الشروق، ضفاف والاختلاف وغيرها.

كما لوحظ انتشار أكثر لظاهرة الورشات الروائية في أكثر من بلد عربي، منها ما يقتصر على أبناء البلد نفسه، ومنها ما يفتح المجال أمام مشاركات عربية، ولا يخفى أنّ لهذه الورشات تأثيرات معينة، منها ما قد يصنّف في خانة الإيجابيّ الذي يؤمل منه أن يكون مثمراً ومزهراً خلال سنوات قادمة من خلال الأخذ بيد تجارب معيّنة وتصديرها، كما قد يكون له تأثير معاكس سلبيّ من حيث مضاعفة الشلليّة والتكتّلات الثقافيّة التي تروّج لبعضها البعض، والتي قد توحي بأنّ المشرف على الورشة يمتلك مفاتيح الإبداع الروائيّ، مع العلم أنّ أعماله الروائيّة قد تكون خالية من أيّ لمسة إبداعيّة أو بصمة مميّزة.

استمرّت كذلك حركة النشر الروائيّة في تصاعد وانتعاش، وقد ظهرت أعمال هامّة في الرواية العربية في مختلف الدول، منها: رواية “ابنة بونابرت المصرية” للبناني شربل داغر، “جيش الماء” للتونسي جمال العريضي، “عربة الأموات” للسوداني منصور الصويم، “مولى الحيرة” للجزائري إسماعيل يبرير، “عشاق وفونوغراف وأزمنة” للعراقية لطفية الدليمي، “دحان” للموريتاني محمد ولد محمد سالم، “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” للجزائري سعيد خطيبي، و”حذاء فيلليني” للمصري وحيد الطويلة.

وكانت الرواية السوريّة، التي لا نصيب لها حتّى الآن في حصد الجوائز الكبرى سوى حضور لبعض الأسماء في قوائم طويلة، حاضرة بقوّة في عالم النشر، وقد صدرت روايات هامة منها: “رقصة القبور” لمصطفى خليفة، “عين الشرق” لإبراهيم الجبين، “الشاعر وجامع الهوامش” لفواز حداد، “سبايا سنجار” لسليم بركات، “الذين مسّهم السحر” لروزا ياسين حسن، “مترو حلب” لمها حسن.. وكان الملف الذي نشرته مجلة “بانيبال” اللندنيّة عن الأدب السوري لافتاً للنظر ومقدّماً لعدد من الروائيّين عبر فصول مترجمة من رواياتهم وتعريف مختصر بهم وببعض أعمالهم.
___
*العرب

http://thaqafat.com/2016/12/70770/

السبت، 22 أكتوبر 2016

حكاية الرواية الأولى: انتزاعُ الأملِ من براثن الإحباط



محمد ولد محمد سالم

لم يكن البحث عن خصوصية وحده هو الباعث لي على هذا القرار، فقد كان هوى القصة رسخ في وجداني من خلال قراءاتي على مدى السنوات السابقة ومنذ المرحلة الابتدائية من خلال قصص الأطفال، مثل سلسلة “المغامرون الثلاثة”، و”كليلة ودمنة”، وقصص أغاتا كريستي، وقد اكتشفت في جوار مدرستي الإعدادية مكتبة المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وكانت تحتوي على كتب أدبية قيمة، ومجموعات من القصص القصيرة من ضمنها مجموعة “حبّ تحت المطر” لنجيب محفوظ، ومجموعات من مسرحيات توفيق الحكيم، ومن خلال هذه المكتبة توطدت علاقتي بالقصة، وبالمطالعة بشكل عام، وهي العلاقة التي ستتوسّع بعد ذلك لتشمل كلّ المكتبات العامة والمراكز الثقافية في نواكشوط، كالمركز الثقافي السوري، والمكتبة الوطنية، والمركز الثقافي العراقي، والمركز الثقافي الليبي، والمركز الثقافي المغربي، ثم المركز الثقافي المصري بعد إعادة فتحه، ومكتبة جامعة نواكشوط، فقد كانت تلك المكتبات سنداً لي في تكوين ثقافتي بشكل حرّ يتجاوز قاعات الدرس.
منذ لحظة القرار تلك، بدأت أكتب القصة القصيرة، وأذكر أنّ أول قصة كانت بعنوان “الدرس المفهوم” وكتبتها في بداية السنة الدراسية، وكانت حول تلميذ تتملّكه الدهشة والإعجاب من أول درس أدبيّ يقدّمه لهم أستاذ اللغة العربية، ثمّ واظبت على الكتابة، ومكثت مرحلة الثانوية متردّداً بين المسرح والقصة، فقد كان المسرح رائجاً في تلك الأيام، وكانت خشبة دار الثقافة في نواكشوط مسرحاً لكثير من المسرحيات والاستكتشات التي يقدّمها شبّان مفعمون بالحماس للفنّ، ولتغيير أوضاع المجتمع والسياسة، وكنت على صلة ببعض أولئك الشباب، لكنني لاحظت أن المسرح لا يُقرأ، ونصوصه لا قيمة لها ما لم تمثّل على الخشبة، فاخترت الانصراف إلى القصّة القصيرة التي لا تنتظر من يمثّلها، ومكثت سنوات الجامعة أتدرّب على كتابة القصة القصيرة، وأعمل على تطوير قدراتي الذاتية.
عندما تخرّجت بدأت التطلّع إلى كتابة رواية، واعتبرت أنّ كتابة القصة كانت تمهيداً للرواية، ومرحلة تدريب ضروريّة لها، وبرغم أنّ دراستي الجامعية هي دراسة أدبية، وأنّني كنت أتمتّع بأساس نظريّ جيّد عن الرواية، وقد قرأت كثيراً من الروايات إلا أنّ عملية كتابة الرواية كانت لا تزال شيئاً غامضا بالنسبة لي، ولم أكن أعرف بالضبط ما الذي ينبغي عليّ القيام به لكي أكتب رواية، ولكنّني تسلّحت بالحلم وبدأت أضع الخطط لكتابة رواية، وكنت حينها قد انتقلت للتدريس في إحدى المدن الداخلية، وبعد عدد من المحاولات نجحت أخيراً في كتابة رواية “قرية الطيحة”، حاولت فيها رصد واقع المجتمع متناولاً أشكالاً من الممارسات والاستغلال كانت سائدة، ثم واصلت محاولاتي في كتابة الرواية، فكنت تارة أكتب فصولاً من رواية ثم لا أعجب بها، فأهجرها قبل أن أكملها، وتارة أخرى أكمل رواية، وكانت فترة التدريس بالنسبة لي فترة فتور انخفض فيها حماسي، بسبب انسداد الأجواء الأدبية آنذاك، فقد اصطدمت بواقع غياب النشر في موريتانيا، وعدم وجود أية إمكانية للنشر في الخارج، ما يجعل كتابة الرواية نوعاً من العبث الذي لا طائل من ورائه، ورغم هذا الجو فإنّني لم أتخلَّ عن الكتابة، فكنت دائما أمتلك مخططاً لمشروع رواية، أعمل على كتابته، ولو بتراخٍ شديد قد يدوم شهوراً بل سنوات.. كانت إحدى عشرة سنة من الإحباط، لكنني ظللت متشبّثاً بالأمل.. وواظبت حتى كتبت سنة 1997 رواية قصيرة بعنوان “أشياء من عالم قديم” اعتبرتها البداية الفعلية لمسيرتي الروائية الحقيقية، التي تضعني على طريق الاحتراف، وأحسب أنّ عناصر السرد مكتملة فيها، وأنّها قدمت رؤية متكاملة واتّسمت بطابع إدهاش وتشويق، هذا رغم أنّها قصيرة، لم تتجاوز عند طباعتها لاحقا ثمانين صفحة.
حكاية “أشياء من عالم قديم” بسيطة، وهي في الأصل حكاية رواها لي صديق عن رجل يعرفه، قضى ربع قرن يبيع الفحم في سوق شعبيّ مبنيّ من أكواخ الخشب، واستطاع بعمله المتواضع تربية أولاده، وتدريسهم حتّى حصلوا على شهادات عليا، وعندما توظّفوا وظائف مرموقة أصبح عمل والدهم معرّة بالنسبة لهم، فراودوه لكي يترك ذلك العمل، وافتتحوا له محلّ بقالة على أحدث نمط، لكنّه لم يستطع التكيّف مع طريقة البيع في المحلّ وظروف الشارع الذي يقع فيه فتركه.
عندما سمعت هذه الحكاية لأوّل وهلة قدرت أنها تصلح للبناء عليها كرواية، ووجدت فيها عمقاً يكشف عن أبعاد اجتماعية وإنسانية عميقة، وعنصر إدهاش جاذب، فبدأت بوضع تصوّر لبنيتها، وتخيّلت تفاصيلها، بطريقة تجعل أزمة ذلك الرجل مظهرا لأزمة مجتمع قديم، بدأت قيمه تتداعى تحت غزو الحداثة، لكنّني ظللت حريصاً على أن أعطي الأولوية لقصة الرجل كشخصية حقيقية تعيش واقعها بكل تشابكاته، فلا يظهر المجتمع وتجلياته إلا من خلال حياة الرجل، وما زلت أعتقد أنه في كتابة الرواية ينبغي أن تعطى الأولوية للشخصية حتى تأخذ أبعادها الإنسانية بكل توافقاتها وتمايزاتها وانسجامها وتناقضها.
كانت الانطباعات التي عبّر عنها بعض الأصدقاء والزملاء الذين قرؤوا مخطوطة الرواية مشجعة، فقد كانت في المجمل تميل إلى الإعجاب بها، ما شجعني على مواصلة المحاولة وأعطاني دفعاً جديداً في وقت كنت في أمسّ الحاجة إليه، فاستمررت في المحاولات، وفي عام 2002 كتبت رواية جديدة قصيرة هي الأخرى، لكنها سوف تبقى إحدى أهم النصوص التي كتبتها، وهي “دروب عبد البركة”، وقد استوحيتها هي الأخرى من قصة سمعتها عن شاب تركه والده في بطن أمه، ولم يره، حتى شبّ الولد واشتدّ عوده، فبدأ رحلة البحث عن والده، من أقصى الشرق الموريتانيّ حتّى أقصى الغرب حيث عثر عليه في قرية غافية على دلتا النهر.
طيلة تلك الفترة لم أنشر شيئاً، غير قصّتين قصيرتين أو ثلاث نشرت في بعض الصحف الموريتانية، ولم أكن في البداية مشغولاً بالنشر، لأنّني أعطيت الأولوية للتدريب وتطوير قدراتي، وكنت أعتبر ما أكتبه مجرد محاولات، كما أنّ النشر كما ذكرت آنفاً كان شبه معدوم، وما هو موجود منه رديء ومكلف، ولم أكن – وأنا مدرّس تعليم ثانوي أتقاضى راتباً زهيداً جدا، لا يكفي لسد أبسط ضروريات حياتي – أستطيع أن أفكّر في النشر، فحتّى شراء كتاب كنت عاجزاً عنه، فكيف بنشر كتاب، لكنّ الأمل سوف يتجدّد عندما حظيت بفرصة للإقامة في الإمارات، والعمل فيها، ما أتاح لي فرصة مواصلة الكتابة بوتيرة أحسن وأسرع، فكتبت عدة روايات، ونشرت حتى الآن أربعاً منها..
حين أتأمّل الآن تلك المسيرة أجد أنّني استطعت في النهاية أن أتغلّب على كلّ تلك الإحباطات، وأن أنتزع أملاً عزيز المنال من براثن كلّ المثبطات التي اكتنفت بداياتي الأدبية، والتي كانت ستجعهلها – لولا الإصرار الذي تحلّيت به – حلماً عابراً لا أمل في عودته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحافي وروائيّ موريتانيّ مقيم في الإمارات. صدر له: أشياء من عالم قديم 2007 وذاكرة الرمل 2008 ودروب عبد البركة 2010. “دحّان” 2016
الرواية نت

"دحّان" محمد ولد سالم: حكاية موريتانية

نواكشوط ــ العربي الجديد
12 يونيو 2016





حوار أفكار كبرى في متن سيرة الريف في "بلاد شنقيط" البعيدة، تنْظمه أحداث رواية "دحّان" التي استلهمها الكاتب الموريتاني محمد ولد محمد سالم (1969) من واقع الحياة في بلاده خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، بحسب تصريحاته لـ "العربي الجديد".
يوضّح صاحب "ذاكرة الرمل" بأنه حاول في عمله الجديد أن يقدّم صورة متكاملة، ربما يكون الجديد فيها بالنسبة إلى القارئ العربي، بأنها عن القرى الموريتانية، وما يحكمها من عادات وعلاقات اجتماعية، خصوصاً تلك القرى التي تتألف في الأساس حول "محضرة"، والمحضرة هي المدرسة التقليدية التي ميّزت بلاده وأعطتها طابعها العلمي، ففيها يمرّ الطالب بكل مراحل التعليم من بداياتها حتى يستكمل الكتب في كل مجالات العلوم التقليدية الدينية واللغوية والمنطقية، ويقوم التعليم فيها على الحفظ والاستظهار.
"ربما جلس الطالب فيها من عمر الطفولة إلى الأربعين أو ما فوقها حتى يحفظ كل المتون، ويأخذ عن شيخها جميع معارفه، فيكتب له الإجازة، ويأمره بالذهاب للتدريس"، بحسب ولد سالم، مضيفاً: "في تلك القرى يتمتع شيوخ العلم بسلطة أبوية حانية، وهم لا يتقاضون أي تعويض عن عملهم، بل في بعض الأحيان يتولون الإنفاق على الطلاب إذا كان للشيخ سعة".
صدرت رواية "دحّان"، مؤخراً عن "دار روايات" التابعة لـ "مجموعة كلمات" في الإمارات، وهي تجسّد كيف تنقلب حياة عبد الرحمن أو "دحّان" كما يُلقّب، فجأة، عندما يلتقي هيلين مُدرّسة الإنجليزية في دورة للّغة الإنجليزية نظّمتها إحدى المنظمات الدولية العاملة في موريتانيا، حيث تكتشف هيلين الذكاء الحاد لطالبها، فتوليه اهتماماً خاصاً، وتشجّعه، وتعده بأن تحصل له على منحة دراسية في أميركا، فيتأثر بمعاملتها، ويقع في حبها، ويبني أحلامه على منحة دراسية سينالها في أمريكا حيث يأمل أن يتزوج هناك هيلين، ما ينسيه صدمة الظلم الذي وقع عليه من أستاذه بالجامعة الذي حرمه منحة سابقة كان يستحقها، وينسى أيام البطالة والجوع، لكنّ رحيل هيلين المفاجئ بسبب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 يصيبه بصدمة عنيفة، أدت إلى تقلّبات غريبة في حياته.
توّظف الرواية تقنيات السرد، وتقوم على التناوب بين صوت السارد العليم وصوت المتكلم (البطل)، وتتخللها ضمائر أخرى وحوارات وسرد أحلام وتداعٍ حر واسترجاعات، وغير ذلك من التقنيات الحكائية.
يرى ولد سالم في حديثه لـ "العربي الجديد" أن روايته تمنح القارئ العربي فكرة عن طبيعة المجتمع الموريتاني التقليدي ويساعده على فهم راهنه وواقعه التعليمي، مشيراً إلى أن موريتانيا لم تشهد موجات التشدّد والتكفير التي عرفتها أغلب الدول العربية.
ويُنبّه بأن هذا السرد المتعلق بمجتمع بلاده هو مجرّد جانب من جوانب الرواية، دعا إليه سياق الأحداث، ولم يكتب الرواية من أجله، إذ لا تُملي عليه المواضيع والأفكار ثيمة أعماله، إنما ينطلق من "الحكاية"، وهنا تدخل الأفكار وظواهر الحياة الاجتماعية وطوابع المكان والزمان، لكن بالمقدار الذي يدعم الرؤية التي تجلّت له عندما استوقفته حكاية معينة، أي بالمقدار الذي لا يلغي أصلها.
يذكر أن "دحّان" رابعةُ روايات ولد سالم بعد "أشياء من عالم قديم" (دار الحكمة – موريتانيا، 2007)، و"ذاكرة الرمل" (دار الأمان – الرباط، 2008)، و"دروب عبد البركة" (دائرة الثقافة والإعلام- الشارقة، 2010)، ولديه عملان روائيان قيد النشر، هما: "قرية الضريح" و"بوالصويقات".


https://www.alaraby.co.uk/culture/2016/6/12/%D8%AF%D8%AD%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%88%D9%84%D8%AF-%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

رواية "دحّان" لمحمد ولد محمد سالم



رواية "دّحان" لمحمد ولد محمد سالم صدرت عن دار روايات التابعة لمجموعة كلمات في دولة الإمارات العربية المتحدة

الاثنين، 1 يونيو 2015

منينه ابلانشيه رواية تتنسم الإبداع



الكتب الأدبية المورتيانية قليلة جدا، والروائية منها أقل، وأسباب ذلك يطول شرحها، ويعتبر صدور أية رواية جديدة لكاتب موريتاني مناسبة جديرة بالاحتفاء بها، في ظل ذلك الجدب المزمن في ساحة أدبية جفاها مطر الإبداع بسبب غياب تام لكل أنواع الدعم التي يمكن أن تشجع الكتاب على الإنتاج، وانسداد أفق النشر، مما يجعل التفكير في الكتابة نفسها هو استدعاء لأسباب الإحباط والنكد، وكأني بذلك الكاتب يناجي نفسه قائلا: "ما دمت لن أجد وسيلة للنشر، فلماذا أضيع وقتي وجهدي في الكتابة؟، إن ذلك لهو العبث عينه"!.
رغم هذا الأفق المسدود فيمكن القول إن الرواية في موريتانيا، على شح المنشور منها وتباعد تواريخ نشره، قطعت شوطا كبيرا في السنوات الأخيرة، وتجاوزت مرحلة التأسيس التي بدأتها مع روايات مثل القبر المجهول والأسماء المتغيرة وأحمد الوادي والحب المستحيل ومدينة الرياح، وغيرها من الروايات التي ظهرت في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ومثلت مرحلة الريادة والتأسيس، واليوم ها هي الرواية تدشن مرحلة الصوت الخصوصي والبحث عن الإبداع عبر تجارب روائية بدأت تلفت الانتباه إليها، وتضع أسسا لتقاليد روائية موريتانية، نأمل أن ترتفع بالسرد الموريتاني إلى المكانة التي تليق به من السرد العربي، فهو سليل تراث أدبي عريق، لم تنقطع سلسلته منذ قرون، وقد ظل على مر الأزمان يرفد الثقافة العربية بالشعراء والمؤلفين والعلماء الأفذاذ الذين كان لهم أثرهم حيثما حلوا.
يمكن تصنيف رواية "منينة بلانشيه" للكاتب محمد ولد أمين أنها واحدة الروايات التي تدشن هذه المرحلة الجديدة، مرحلة البحث عن الخصوصية والارتقاء إلى مرتبة الإبداع، فهذه الرواية رغم أنها الأولى لكاتبها إلا أنها تجاوزت كثيرا من عثرات البدايات، واستفادت من الكتابات الصحفية السابقة لمؤلفها، وهو ناثر متمرس ممتاز، يتمتع بأسلوب عربي سلس أصيل محكم – وهذه إحدى المؤهلات التلقائية لأغلب الكتاب الموريتانيين التي يرفدهم بها ذلك الإرث الأدبي الذي أشرنا إليه -، كما أن البناء الروائي عنده محكم متوازن يسير في خط متصاعد نحو النهاية، وهذه ميزة قلما تتوفر لكثير من الروائيين المعاصرين، فكثيرا ما تأخذهم "بنيات الطريق" في السرد، فتتعرج بهم في مسارات شتى.
يسعى جوزيف ابلانشيه ( أو أحمد ولد خيبوزي) إلى معرفة تفاصيل حياة أمه "منينه بنت المختار الأعيور" التي ماتت هي ووالده القانوني "باتريك بلانشيه" في حادث تحطم طائرة، وتركاه وراءهم، وهو لم يكمل عامه الثالث، في عهدة السالك ولد خيبوزي الذي ادعى أنه هو والده الحقيقي، وأراد الاستحواذ على إرثه من أمه، لولا تدخل السفارة الفرنسية التي اعتبرته مواطنا جوزيف فرنسيا رغم أنها تركته في عهدة ولد خيبوزي، وكان جوزيف منذ صغره يسمع من أهل خيبوزي الكثير من الشتم والقدح في عرض والدته التي يعتبرونها كافرة عاهرة وهبت نفسها لنصراني كافر هو باتريك بلانشيه الذي كان القائد الاستعماري لقلعة نواكشوط قبيل وبعد الحرب العالمية الثانية.
يعيش جوزيف متنازع الانتماء بين مجتمع مورتياني لا يتقبله باعتباره ابنا مطعونا في نسبه، أو على أفضل الحالات، ابنا لنصراني وعاهرة، فلا أحد سيقربه، ولا بنتا من بنات المجتمع ستقبل الزواج منه، وبين وطن فرنسي لا يعرفه، ولا تميل نفسه إليه، وبسبب عقدة الانتماء يفشل في الدراسة، وفي مشاريعه التجارية، ويفقد الطموح فيعيش عاطلا عازبا حتى سن الخمسين، وتتولد لديه نقمة شديدة على ذلك المجتمع الذي لفظه بعيدا، ورغبة شديدة في معرفة حقيقة أمه، وما ألصق بها من تهم اعتقد دائما أنها تهم كاذبة منافقة، لكنه لا يجد أي وسيلة لمعرفة ذلك لأن منينة كانت مقطوعة النسب، فوالدها قاطع طريق مات في سجن الاستعمار، وقبيلته التي كان يتزعمها تشردت ومزقت وطردت بعيدا في بوادي تامشكط، وقد رحلت منينة الفتاة الصغيرة إلى نواكشوط في ذلك الزمن البعيد المعدوم المواصلات، وانقطعت علاقتها بأمها ومن تبقى من أسرتها.
لا يعاني جوزيف من أية مشاكل مادية، فأموال الميراث تكفيه للعيش بترف حتى آخر عمره، لذلك يتنقل سائحا بين فرنسا وبلجيكا وموريتانيا، وفي بلجيكا سوف يقنعه أخصائي نفسي بالخضوع لتجربة صوم علاجية تحت إشرافه، من شأنها أن تجعله يرتحل عبر الزمن ليشاهد مسيرة حياة والدته، فيقبل بالتجربة وتترآى له تفاصيل حياته أمه منذ بداية عملها خادمة في قلعة الإدارة الفرنسية في تامشكط حيث كان أبوها سجينا، مرورا بسفرها إلى نواكشوط وزواجها من قائد قلعته، ثم حملها به من ولد خيبوزي الذي أجره باتريك للقيام بذلك، وأخيرا الانفجار الذي أودى بحياتها.
بالموازاة مع ذلك يروي جوزيف تفاصيل أيامه في العلاج، حيث تنشأ بينه وبين مساعدة طبيبه علاقة حب، وتقبل أن تسافر معه إلى نواكشوط لتعيش معه، وهناك يقرر مقاضاة الحكومة الموريتانية لاسترجاع الممتلكات العقارية لأمه والتي من ضمنها المساحة التي يقوم عليها مبنى رئاسة الجمهورية، ويستفيد من تلك المحاكمة التي اتخذت طابعا سياسيا في لفت الانتباه إليه واكتساب اعتراف اجتماعي ظل طيلة حياته محروما منه.
كما قلنا سابقا فإن البناء الروائي محكم ومسترسل لا تعريجات فيه، وقد أفلح الكاتب في تصوير أزمة الانتماء في ذلك المجمتمع الذي تحكمه أعراف قبلية راسخة، وهذا يعد في حد ذاته نجاحا كبيرا، لكن رغم ذلك فإن هنالك ملاحظات يمكن إبداؤها على هذه الرواية، وأولها وأهمها هي أن منينة الشخصية الرئيسية في الرواية، بدت وكأنها بطلة أسطورية، ولم تأخذ طابع شخصية واقعية كما كان يفترض، فرغم وعورة المسار الذي سلكته في حياتها وخطورته، وما كان يمكن أن يجره عليها من المآسي فإنها لم تصب بأي أذى طيلة الرواية، وظلت كل الظروف تتهيأ لها، وتمهد لها طريق النجاح، كأنها لم تعش بين ضباط استعماريين متغطرسين يمتلكون مطلق السلطة لفعل أي شيء يريدونه، وجنود متوحشين وكانت جميلة بشكل فاتن لا يمكن مقاومته، وكأنها لم تسافر وحيدة سفرا قاسيا عبر فلوات شاسعة، وبين شعوب ومدن لا تعرفها، مما يجعلها عرضة لأبشع أنواع الاستغلال والاعتداء، لكنها نجت من كل ذلك وظلت نقية طاهرة، وانتهت إلى الزواج، وجمعت أموالا طائلة في بشكل أسطوري.
هذا الوضع أفقد منينه الإقناعية اللازمة، وجعلها شخصية روائية سلبية، لا تثير عند القارئ تعاطفا إيجابيا أو سلبيا، ويبدو أن وجهة نظر الكاتب وما يريد أن يقوله هو ما كان يتحكم في شخصية منينة ويحد من قدرتها على أن تأخذ بعدها الإنساني بعمق، فقد أراد ولد أمين أن يقدم منينة على أنها امرأة طاهرة بريئة، لكنّه وضعها في مسار يصعب معه أن تكون كذلك، وأرغمها على اختيار يعتبر انتحارا أخلاقيا بمعيار المجتمع في ذلك الوقت، لذلك أن احتاج إلى أن يمهد لها الظروف بطرق الصدف والمجانية التي لا تستطيع أن تقنع القارئ، ولو أن منينة ظهرت بمظهر الفتاة المتمردة الثائرة على مجتمعها، لأمكن أن نجد لها العذر في الارتماء في أحضان المستعمر والاحتماء به والحياة على طريقته، لكنها لم تبد كذلك، ولم تحمل على طول الرواية أية فكرة عن الخير أوالشر، ويأتي قبول البطلة بتأجير ولد خيبوزي لتحمل منه ليناقض مظهر منينة البريئة المتدينة، ويعصف بوجهة نظر الكاتب التي يسعى لإقرارها، مما يؤكد كونها شخصية هلامية بلا ملامح إنسانية، وقد أضعفت وضع البطلة ذاك الرواية، وقلل من قدرتها الإقناعية، على الأقل في الفصول المكتوبة عنها، بينما بدت معاناة جوزيف وتفاصيل حياته أكثر جاذبية وتأثيرا، لأنه أخذ أبعاده كشخصية واقعية تعيش الحياة بحلوها ومرها، ولم يظلّ فكرة في ذهن الكاتب.
سَعْيُ ولد أمين لإظهار منينة في ثوب الفتاة الطاهرة البريئة انعكس سلبا على صورة المجتمع في الرواية، فمنذ البداية ظهر المجتمع الموريتاني مجموعة من المشردين المنافقين الجبناء الغادرين المتكبرين بشكل فاضح، تماما، كما تصفهم مذكرات ووثائق الضباط والإداريين الاستعماريين العنصريين، ولم يُسْتثن من ذلك أحد من شخصيات الرواية، حتى الشيخ العابد المتبتل الذي نزلت منينه عنده يظهر تواطؤه منذ البداية عندما يقول لها مشيرا إلى الضابط الفرنسي "النصراني": "من كان يريدك فليأت إليك"، وهي جملة شاذة في سياق مجتمع عرف عامته بالبراء من المستعمرين "النصارى"، ومقاطعتهم، وتكفير كل من يتعامل معهم، وشأن خاصته في ذلك أشد، فكيف بهذا الرجل الذي هو من الخواص أن يصدر منه ذلك، وكأنه يتمنى أن يأتي ذلك "النصراني الكافر" طالبا يد منينه، ولن يقف الأمر عند ذلك الحد، بل سوف يسهل ذلك الشيخ التقي لمنينه الزواج بالضابط، ويسخّر خلواته التعبدية للدعاء لهما وتحصينهما من الشرور.
في مقابل صورة المجتمع تلك ظهر الضابط الاستعماري في الرواية بمظهر البطل المنقذ الذي يحمي منينة ويؤويها ويدافع عنها بنخوة وشرف، أو الذي يهيم بجمالها ويتلفظ بالشهادتين لكي يتزوجها، وهذا الوضع غريب ويطرح تساؤلات حول أهداف الكاتب منه، وكيف يقبل على نفسه أن يفضل مستعمرا ظالما سفاكا للدماء على مجتمع مستضعف وجد نفسه فجأة نهبا لنيران أسلحة فتاكة لا يملك لها دفعا، وأصبح يقتاد إلى المقاصل والمشانق والسجون ذليلا، وتغتصب بناته جهارا نهارا، وتسلب ماشيته على أعينه، فمهما يكن سوء المجتمع ونفاقه في إظهار القيم والتحلل منها في الوقت ذاته، فإنه لا يبلغ في سوئه ونفاقه وتكبره ما بلغه المسمتعمر البغيض من ذلك، والمقارنة بينهما بهذه الطريقة مجحفة وجارحة.
تلك الملاحظات لا تغض من قيمة الرواية، فهي رواية تتنسم الإبداع وترقى إليه، في كثير من جوانبها، وتشكل إضافة جديدة إلى السرد في موريتانيا.

 محمد ولد محمد سالم 
الرائد 212 إبريل 2015

جبل الزمرد".. محاولة فلسفية تتوسل بقالب روائي


تعتبر الكاتبة منصورة عز الدين إحدى الروائيين العرب الذين يمتلكون صوتهم الخاص، ويسعون باستمرار إلى تطويره وتأكيد تميزه، من خلال مشروع للكتابة مسكون بهموم الإبداع، ظهر ذلك في روايتها "متاهة مريم" ثم روايتها "وراء الفردوس" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2010، وها هي تؤكده في روايتها الجديدة "جبل الزمرد" التي فازت بجائزة معرض الشارقة للكتاب 2014.
تعي الكاتبة جيدا المهمة التي تقدم عليها في "جبل الزمرد" وهي المحاورة الفنية والفكرية لكتاب ألف ليلة وليلة، ومد خيط التناص لأقصاها سعيا لاجتراح تقنيات فنية جديدة تمزج بين الغرائبي والواقعي، وتستعير من ذلك النص التاريخي الخالد بعض أدواته دون أن تسقط في تقليده، وقد نجحت عز الدين في هذه المهمة بجدارة، وخرجت بنص متميز.
تتأسس الرواية على بحث امرأة تسمى "بستان البحر" عن الصيغة الصحيحة لحكاية "زمردة" أميرةِ جبل قاف وابنةِ ملكه التي عاشت فيه منذ آلاف السنين، وتسببت في إصابته بالزلزلة وتهدمه وتشتت من نجا من سكانه، وتعود أصول "بستان البحر" إلى أحد كهنة جبل قاف الذين كانوا أحياء عندما حدثت الزلزلة وفروا على رأس من فر من سكانه، وقد أقام جدها ذلك هو وطائفة من الناجين على قمة جبل "آلموت" في إيران وهناك خبأ الرقوق التي تحمل شذرات من حكاية "زمردة"، وقد حرص والد بستان البحر، وهو آخر العارفين بقصة جبل قاف، على تعليمها أسرار قومه، ونقل إليها معارفه ومهاراته في السحر، وحثها على البحث عن الصيغة الحقيقية لحكاية زمردة التي شوهها الرواة عبر العصور، وأضافوا إليها ما ليس منها، وأسقطوها من حكايات ألف ليلة وليلة، التي كانت تروى ضمنها، وذلك بسبب اللعنة التي صاحبت تلك الحكاية والتي كانت تصيب كل من يرويها.
يستولي على بستان البحر اعتقاد بأنها منذورة لترميم تلك الحكاية وإرجاعها إلى كتاب ألف ليلة وليلة، لأن في ترميمها خلاصا لزمردة من رماد احتراقها، وعودة لجبل قاف "جبل الزمرد" إلى حياته وازدهاره كما كان، وتجد في نبوءات الكهنة المكتوبة في آثارهم أن وسيطها إلى استعادة الحكاية الحقيقية سيكون فتاة مصرية أضاعت في صغرها فصا من الزمرد من خاتم أمها الجميلة التي تلقب بأنثى المرايا، ولذلك تستقر بستان البحر في القاهرة، وقد جمعت كل المصادر التي تذكر جانبا من حكاية زمردة، كما جمعت كل طبعات كتاب الليالي، وبعد بحث طويل وانتظار تعثر على تلك الفتاة - واسمها هدير- بمساعدة شاب إيراني تاجر مجوهرات، هو الآخر من سلالة قوم جبل قاف، ومن الذين يبحثون عن حقيقة زمردة، وتوهم بستان البحر هدير بأنها تحقق في قصص ألف ليلة وليلة، وتقنعها بأن تعمل معها بوظيفة موثقة وبراتب مغر.
بالتناوب مع حكاية بستان البحر وهدير تروي الكاتبة حكاية قوم جبل قاف واللعنة التي أصابتهم بسبب الأميرة الجميلة "زمردة" ابنة ياقوت ملك جبل قاف، وأمها نورسين ابنة عالم اختطفها الملك ياقوت من بلدتها، وطار بها على ظهر العنقاء إلى جبله الذي يبعد آلاف السنين عن مدينتها، والمحروس بحية عملاقة تمنع الداخلين إليه والخارجين منه، وتختفي نورسين بعد ميلاد زمردة، ولا يعثر لها على أثر، وتتعلم زمردة كل شيء على يد معلمين جلبهم أبوها، ويصل إلى الجبل "بلوقيا" بمعجزة، فلم يستطع قبله أحد أن يصل إلى الجبل، ويتعرف على ابنة الملك الباحثة عن أمها، ويكون بينهما غرام، ويعطيها سرا يمكّنها من التخلص من الحية الحارسة للجبل وقد عرفت أنها قتلت أمها.
مسيرة "زمردة" مع بلوقيا كانت مراقبة من طرف "مروج" حفيدة الكاهن التي تعلمت من الأسرار والحكمة من أمها، وأوصلها توقها للمعرفة عبر سرداب خفي إلى ذلك الطيف العالم بأسرار قاف، وقد أخبرها بالزلزلة التي ستحيق بالجبل بسبب الأميرة التي ستقتل الحية الحارسة للجبل، وكانت مروج تكتب وقائع حياة زمردة أولا بأول.
استطاعت بستان بعد أن أنِست بها هدير أن تقنعها بمساعدة كريم بالخضوع لجسلة أسرار تستخدم فيها بستان البحر معارفها السحرية لتجعل هدير ترتقي عبر الحلم إلى حياة "جبل قاف" وتستعرض حياة الأميرة وأهل الجبل، والوقائع الأخيرة التي سببت الزلزال العظيم الذي شتت شملهم، ورأت كيف أن مروج لما رأت زمردة تقتل الحية، أيقنت أنه ينبغي التخلص من زمردة قبل أن تحيق بأهل الجبل الزلزلة، فسلمت الأوراق التي فيها حياتها إلى الكهنة، ولما اطلعوا على ما فيها من كلام فاضح عن زمردة وعلاقتها بلوقيا، هموا بقتل مروج قناعة منهم أن ذلك افتراء عظيم على أميرتهم الجميلة الطاهرة، وأثناء محاكمتها بدأت علائم الزلزلة تظهر، فاستخدمت مروج أسرارها وأحرقت الأميرة، لعل ذلك يوقف الزلزلة، لكنّ الندم أصابها فقتلت نفسها، وبدأ الجبل يتساقط، فمات من مات وفر من استطاع النجاة.
بتلك النهاية استطاعت بستان البحر أن ترمم الحكاية وتستعيدها على حقيقتها، ولم تنته الجلسة حتى كانت الحكاية قد أخذت مكانها بين صفحات كتاب ألف ليلة وليلة في جميع طبعاته التي بحوزة بستان البحر.
الملاحظة الأولى التي تتبادر إلى الذهن عند قراءة هذه الرواية هي أننا لسنا أمام رواية أدبية عادية تقدم للقارئ حكاية مسترسلة متصاعدة تتآزر عناصرها لتأخذ القارئ نحو النهاية، بل نحن أمام عالم من الحكايات التي تستقل كل منها بذاتها، وإن كانت قد ترتبط بها بسبب ظاهر أو خفي، مما يحتم علينا القول بأننا أمام محاولة في التفلسف تتوسل بقالب الرواية، حيث أن القائد المركزي لعمل عز الدين ليس الحكاية، بل هو فرضية كون: الحَكْيِ (القص) حياةً وتحقّقا لذات الفرد بما هي جوهره الإنساني، فلا معنى لوجود الإنسان من دون الحكاية، التي هي في التأويل النهائي العلم والمعرفة، أي الحقيقة مدسوسة في قالب فني شفّاف، لذلك فمحاولة ترميم حكاية زمردة، ما هي إلا محاولة لفهم الحقيقة، وامتلاكها، تقول الكاتبة: "ذكرت النبوءات المكتوبة على هيئة ألغاز وأشعار غامضة أن الكاهنة المنتظرة ستبعث زمردة من رماد احتراقها، عبر تنقية حكايتها مما أصابها من تحريف، وإعادتها إلى متن "ألف ليلة وليلة"، ولحظتها سوف يتجسد جبل قاف من جديد، وتبطل لعنته فيعود إليه أهله بعد قرون من التيه" ص19، ومصداقا لهذه النبوءة، فقد انتهت الرواية بمجرد تحقق مطلب عودة حكاية زمردة إلى متن ألف ليلة وليلة.
يعتبر حضور حكاية "ألف ليلة وليلة" في الرواية تأكيدا على ذلك الملمح الفلسفي للحكاية الذي تسعى الرواية إلى إثباته، فالحكاية كانت تميمة شهرزاد ضد الموت، وبها امتلكت الحياة ودفعت الموت عنها وعن بنات جنسها، وأصبحت الحكاية أيقونة المرأة وعنوان وجودها ومعيار تحقق كينونتها، وقد جعلت عز الدين الشخصيات الرئيسية في الرواية نساء، وكانت امرأة كل تبحث عن تمام حكاية ستؤدي إلى خلاصها، وانعتاقها من إسار عالمها، تماما مثلما كانت الحكاية خلاص شهرزاد، فنورسين تريد أن طريقا للخلاص من أسرها الذي وضعها فيه الملك ياقوت عندما اختطفها من بلدتها وطار بها على ظهر العنقاء إلى جبل الزمرد المحروس الذي لا يخرج منه أحد ولا يدخله، وسيكون ذلك البحث سببا في اختفائها، وابنتها زمردة تبحث عنها وتريد أن تجد وسيلة لاستعادتها، لذلك كان علاقتها بلوقيا وسيلة لامتلاك جانب من المعرفة استخدمته لقتل الحية العظيمة الحارسة للجبل، ومروج تبحث عن حقيقة النبوءة التي تتحدث عن انفجار مدمر للجبل ستتسبب فيه ابنة الملك، لكنهن يتجاوزن حد البحث عن المعرفة واستكمال الحكاية إلى إرادة استخدام تلك المعرفة في تغيير قوانين الكون، وهنا يكون بحثهن مدمر لهن كلهن، فينتهين نهايات مأساوية، بينما تحقق حلم بستان البحر فاستكملت الحكاية دون انعاكسات مأساوية، وذلك لأنها لم ترد أكثر من ترميم الحكاية، ولم تسع إلى التحكم في قوانين الكون، هل معنى ذلك أن وظيفة المرأة هي وظيفة معرفية جمالية (الحكي معرفة وفن)، وليست وظيفة تحكمية سلطوية؟ ربما.
ذكرنا في ما سبق أن رواية "جبل الزمرد" لا تقرأ بوصفها رواية أدبية عادية، فلن يجد القارئ العادي ما يشوقه للقراءة حتى النهاية، فالأحداث لا تسير في شكل تصاعدي، بل تتوزع أفقيا في شكل حكايات متوازية، وذلك يشتت ذهن القارئ ويصيبه بالملل، فهل يركز على حكاية بستان البحر أو هدير أو نورسين أو زمردة بلوقيا أو العملاق أو مروج، وأين هو الخيط الذي يربط له كل ذلك؟، قد نقبل في مستوى التحليل الفلسفي أن هناك ترابطا دلاليا بين مجموع تلك القصص، لكنّ القارئ العادي ينتظر من الكاتب "حكاية مترابطة" وأحداثا منطقية يسلم بعضها إلى بعض في وتيرة متصاعدة حتى النهاية، فالروية فن الحدث قبل أن تكون فن الفكرة، وهي انتقال من حدث إلى دلالة وليس العكس، وكثيرا ما تقع الرواية في معضلة عندما يصنع الكاتب في ذهنه فكرة فلسفية ويجلس ليفصل لها قالبا حكائيا على قدّها، لأن تدخل المنطق سيفسد الحكاية، ويقلم أجزاءها ويعيد تفصيلها على مقاسات الأفكار التي يحملها المؤلف في ذهنه، فتبدو مشتتة مبعثرة، والعبرة في الرواية ليس ما تقدمه من أفكار فلسفية منطقية، لكنها في المنظور النهائي الذي يقربنا من فهم ذواتنا، وتحقيق إنسانيتنا التي هي في جوهرها انحياز إلى الخير وبعد عن الشر.
من المؤشرات البينة الدلالة على أسبقية الرؤية الفلسفية على الحكاية في هذه الرواية على الحكاية وضع شخصية "هدير"، فقد بدت "سلبية" بشكل كامل، فهي لا تثير أية مشاعر لدى القارئ، لا إيجابية ولا سلبية، وسوف يخرج كل من قرأ الرواية بموقف محايد منها، وهذا يعني أنها لم تأخذ بعدا إنسانيا يثير الحب أو الكراهية أو الشفقة أو التجاذب بين مشاعر متعددة، وإنما ظلت تمثيلا لفكرة "الوسيط" الذي هو أداة لاختراق العوالم، آية ذلك أن الرواية أغفلت ذكرها بعد أن خضعت لجسلة التجلي التي سترحل فيها بتأثير من تعويذات بستان البحر إلى عالم زمردة وتتكشف لها خلال الرحلة تفاصيل حياة تلك الأميرة، فقد غابت هدير تماما كأنها كانت مجرد محطة معراج لبستان البحر إلى الحقيقة، وهذه الهيئة التي بدت بها هدير لم تكن متوقعة، فكل المؤشرات تدل على أنها بطلة رئيسية في القصة، وهي الشخصية البشرية الوحيدة المتحققة في الرواية إذا ما استثنينا الشخصيات الثانوية مثل كريم والجدة شيرويت، واستثنينا بستان البحر التي تمتلك قدرات سحرية فوق قدرات البشر، وهذا الوجود البشري الخالص بضعفه وقواه المحدودة هو في القصص الخرافية والقصص ذات الأبعاد الفنتازية موضع للتعاطف الدائم من طرف القارئ الذي يرى فيه ضعفه الوجودي، ويتمنى أن يراه ينتصر في صراعه مع القوى الخارقة، وقد كانت سلبية هدير في الرواية محبِطة من هذه الناحية، لأنها لم تدخل في صراع مع تلك القوى، وقد كانت مؤهلة لذلك منذ صغرها، لكنّ تفكير الكاتبة كان منصبا على شيء آخر، لذلك أغفلت هذا الجانب.
لقد قدمت منصورة عز الدين طرحا فلسفيا محكما حول موضوع الحكاية والإنسان أو الحكاية والمرأة على الأصح، لكنها حرمت قارئها متعة الحكاية.

 محمد ولد محمد سالم
مجلة الرافد