أفق
هل تستعيد الخطابة مكانتها؟
آخر تحديث:الجمعة ,11/02/2011
محمد ولد محمد سالم
كان من النتائج الثقافية للانتكاسة التي أصابت النهضة العربية، أن أصبحت الخطابة شيئاً مستكرهاً، وأصبحت عبارة “العرب ظاهرة صوتية” وصمة يصفون بها أنفسهم، في إطار أدبيات ما عرف في العقود الأخيرة من القرن الماضي ب “جلد الذات”، حيث انبرى كثير من المثقفين يدينون كل أشكال الثقافة العربية المبنية على الاعتداد بالنفس، ويستهجنون كل مظاهر الفخر والاعتزاز قولاً وفعلاً، باعتبارها هي التي أعمت العرب عن واقع حياتهم وشروط تلك الحياة، وأسلمتهم إلى الحلم ثم إلى هزيمة منكرة، وأضحت الخطابة وكل ما يمت إليها معرّة، وكانت تلك ردة فعل مفهومة على أحداث لم يكونوا يتوقعونها فكانت صدمتهم بها أكبر من التحمل، لكن بعض القوى المستفيدة من هذه الانتكاسة وتراجع النهضة، والتي تعرف خطورة الخطابة في التأثير في العقول، عملت على إقرار تلك النظرة السلبية لها لتزهيد الناس فيها، وإبعادهم عن الاستماع أو الاقتناع بما يقوله الخطباء، وفي ظل أوضاع اتسمت بالانغلاق، ومصادرة الحريات آتت تلك الدعوة أكلها، فمات ذلك الفن الأصيل في الثقافة العربية، وقد يلقي ذلك الضوء على العلاقة الطردية بين الحرية والخطابة .
لقد كانت الخطبة هي أهم ما يعتمد عليه في استنهاض الهمم وتوجيه الرأي وتوصيل رسائل الخاصة إلى العامة، وقد بلغ من جليل قدرها في الجاهلية أن النعمان بن المنذر صرف كسرى عن غزو بلاد العرب بخطب من رجال من فصحاء العرب بعثهم إليه، منهم أكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب العدواني، وعمرو بن معدي كرب، فلما سمعهم أكرمهم وأعظم شأن العرب .
وقصص الخطابة وما تفعله في نفوس السامعين لا تنتهي، وكان من الخطباء المعدودين قس بن ساعدة، وسهيل بن عمرو، والحجاج بن يوسف، وزياد بن أبيه، وعبدالملك بن مروان، وغيرهم كثير، وربما يأتي الرجل وقد هيئ له السيف والنطع ووقف السيّاف على رأسه فيقال له تكلم فيتكلم بما يعتق رقبته من القتل، كما حدث لتميم بن جميل مع الخليفة المعتصم فيما رواه ابن عبدربه في عقده الفريد حقاً .
من الغريب أنه في عصرنا هذا أصبحت الخطابة مدانة لدى العرب، في حين تزايد الاهتمام بها لدى الأمم الأخرى، وأصبحت تدرس في كثير من المجالات التي تحتاج إلى مواجهة مع الجماهير كالسياسة والمحاماة والعلاقات العامة والإعلام، وقطاعات الترويج وبعض مجالات الاقتصاد، وذلك لما لها من بالغ الأثر في التأثير في عقول الناس وميولهم، وهذا يدل على أن هذا الفن حاجة اجتماعية لا غنى لعامة الناس وخاصتهم عنها، وهي لا تموت لكنها تخمد كما تخمد النار، ثم لا تلبث أن ينير ضوؤها الآفاق .
وما نشهده اليوم من منتديات خطابية خلال التحركات الشعبية في بعض البلدان العربية، وقوة تلك الخطب في تجميع الجماهير وتحريكهم، وفي توجيه الرأي، ربما يكون بارقة أمل في استعادة هذا الأدب الرفيع مكانته .
Dah_tah@yahoo.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق