بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 4 مايو 2011

بلطجية الثقافة


أفق
الثقافة والحرية
آخر تحديث:الأحد ,17/04/2011
محمد ولد محمد سالم
تعني “البلطجية” في القاموس السياسي الراهن مجموعات العنف والقتل المدنية أو التي تتخفى في أزياء مدنية وتتخذها الأنظمة القمعية للتصدي الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والمشاركة السياسية، لكن هذا المفهوم لم يعد قاصراً على المفهوم السياسي، بل يمكن اليوم وفي ظل ما يجري من أحداث وما نشاهده على شاشات التلفزيون أو نقرأه من مقالات، سحب مفهوم البلطجية على قطاع كبير من المثقفين العرب الذين انبروا للدفاع عن تلك الأنظمة الاستبدادية، وراهنوا على موالاتها رهاناً خاسراً، ولم يستطيعوا أن يروا الضوء الذي سطع في نهاية النفق، وأعمتهم سنوات من التذلل والخضوع لتلك الأنظمة، وتفصيل أثواب من الثقافة المرقعة الخشنة لها .
ظن أولئك المساكين الذين عاشوا عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة من صناعة خطاب ثقافي مقلوب رأسه إلى الأسفل ورجلاه في الهواء، يعرف القتل والسجن وتكميم الأفواه وعسكرة الإعلام بأنها إجراءات أمنية ضرورية لمسيرة البلاد، ويعد القصيدة التي تتنشق نسيم الحرية، وتختلق لغة طافحة بالجمال وتمجيد الإنسان، خيانة عظمى، وكل رواية تمجد الحرية والعدالة والمساواة وتحمل هم المواطن البسيط، هي معادية لأهداف البناء، وكل كتابة للتاريخ لا توثق لمآثر وعطاءات الحاكم بطل الثورة والوطن والحرب والسلام والزعيم التاريخي الأعظم، هي كتابة منافية للحق وتشوه التاريخ وتسعى لضرب حقائق نضال الأمة، وكل فكر وعلم هو خارج عن السياق إذا لم يتضمن شيئاً عن ذلك النظام القمعي، وينبغي أن يحاكم أصحاب تلك الآداب والعلوم ويزج بهم في السجون أو يقتلوا بتهمة المساس بأمن الدولة .
هذا الواقع جعل المثقف بين موقفين إما أن ينخرط في التشكيلة ويكون عضواً في الأوركسترا، أو أن يهرب بنفسه إلى ركن قصي مظلم ليقبع في زوايا النسيان، حتى يموت غير مأسوف عليه، وانتهى الأمر إلى خطاب واحد منسجم مع الرؤية السائدة، خطاب يخترع طرقاً للتدجين والتخدير لا تنتهي، ولم يعد يسمع لتلك الخطابات الأخرى المغايرة أو الباحثة عن صوت خارج الثكنة أي صوت، واطمأن المطبلون إلى أن العجلة ستظل تسير باستمرار وما عليهم إلا أن يواصلوا إعادة تفصيل تلك المرقعات .
ما حدث في الآونة الأخيرة من حركات تتنسم عبير الحرية في تلك البلدان كشف عن أن أولئك “البلطجية” من بعض المثقفين أخطر من بلطجية الأمن والسياسة لأن لهم القدرة على إنكار الشمس في رابعة النهار وقلب المفاهيم، وغسل الأدمغة بأفكارهم المنمقة، وتوصيل أجزائها حتى تخفي ما وراءها من قبح، وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يكونوا أول من يستشعر ما هو قادم من تغيير ويسمعوا صوت الحق، ويحسوا بما يتشكل في الواقع، في الوقت الذي كان ينتظر أن يستيقظ في هؤلاء الضمير تجدهم يستميتون في دفع الأمواج عن تلك السفينة الغارقة حتى تكل أيديهم فيغرقوا، ومن أين لهم أن تستيقظ ضمائرهم وقد طمروها تحت طبقات وطبقات من النفاق والذل والتملق .
dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق