في مديح الحكي
"دروز بلغراد" وإشكالية التاريخي والروائي آخر تحديث:الاثنين ,16/04/2012
الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
ما يميز عمل ربيع جابر في رواية (دروز بلغراد . . حكاية حنا يعقوب) التي حصل بها على الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الخامسة 2012 هو تصويره لطابع الحياة السائد في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، ووقوفه على التفاصيل الدقيقة في تلك الحياة، ومستوياتها المختلفة خصوصا حياة السجناء والجنود وضباط الجيش العثماني، وأوضاع الأقاليم الأوروبية التابعة للدولة العثمانية، وما تشهده من اضطرابات، فقد أتى الكاتب على كل تلك التفاصيل وهو يتتبع حياة أبطال روايته بين لبنان وبلاد البلقان .
حين ننظر في قائمة المصادر والمراجع التي ذيَّل بها جابر روايته -على غير عادة الروائيين -فإننا سندرك الجهد الذي بذله هذا الكاتب الدؤوب في تأليف روايته، فقد رجع إلى العديد من المؤلفات والوثائق المتعلقة بتلك الحقبة التاريخية عامة وبالواقعة التي بنى عليها روايته خاصة، وهي واقعة نفي مجموعة من الدروز بعد حرب أهلية طاحنة، حيث يخلص جابر للنهج الذي اختطه لنفسه وهو العودة إلى التاريخ لرسم عالمه الروائي مركزاً على حقب وحوادث مفصلية في تاريخ لبنان، مستعيداً إياها في تداعياتها على الناس العاديين الذين لم يكن لهم دور في صناعة حوادثها، ولكنهم تأثروا بتداعياتها، وطحنتهم رحاها .
يكتب ربيع جابر التاريخ الاجتماعي، تاريخ الناس في تقاطعه وتوازيه مع تاريخ الخاصة الذين يصنعون التاريخ ويوجهون دفته، ويحلل التجارب النفسية للبسطاء، في تفاصيلها الدقيقة المشكلة من غلالة من الألم والحزن، ومع ذلك فهم يترصدون كل لحظة أمل أو فرح شاردة فيقتنصونها ويعيشونها بكل جوارحهم .
في “دروز بلغراد” يمثل حنا يعقوب ورفقاؤه من السجناء الدروز أولئك البسطاء، ويستند السرد على حادثة نفي 550 درزياً عقاباً لهم على ما فعلوه بالمسيحيين خلال أحداث فتنة وقعت في عام ،1860 ومن سوء حظ ذلك الشاب المسيحي المسالم المسمى حنا يعقوب الذي يبيع البيض أنه كان يتجول بسلته في الميناء في تلك الساعة التي سينقل فيها أولئك الدروز إلى السفينة التي ستأخذهم من بيروت إلى بلغراد، فالتقطه الجنود العثمانيون بأمر من ضابطهم ليكملوا به عدد السجناء الدروز قبل أن يحضر القنصل الفرنسي الذي سيعدهم، ولن يقبل ترحيلهم ما لم يكن عددهم كاملاً، وكان الضابط قد أطلق سراح أحد أبناء الشيخ غفار الخمسة بعد أن رشاه غفار بكل ما يملك من ذهب، وهكذا يجد حنا نفسه في الأغلال مرغما على أن يقبل أن اسمه سليمان بن الشيخ غفار، وأنه درزي مسجون بين عشرات الدروز المرحلين، وتبدأ تفاصيل حياة السجن التي سيعيشها على مدى اثنتي عشرة سنة متنقلا مع تلك المجموعة بين سجون بلغراد والهرسك وكوسوفو وبرشتينا والجبل الأسود، في رحلة عذاب مزقهم فيها ظلام السجون والبرد والجوع والمرض والعمل الشاق فتساقطوا أفراداً وجماعات حتى قضت هجمات البلغاريين على حصون الأتراك على آخرهم ولم ينج سوى حنا، الذي هرب لكنه يقع من جديد في أيدي الأتراك ويسجن سنوات أخرى، ثم يهرب من جديد بعد أن احترق الحصن الذي سجن فيه، وهام على وجهه في مقدونيا لتنقذه قافلة حج أوهم أهلها أنه مسلم حاج، وحين وصلوا إلى دمشق انفصل عنهم وركب مع القوافل المتجهة إلى بيروت ليجد زوجته هيلانة وابنته بربارة في انتظاره .
مما يحسب لربيع جابر في روايته هذه أنه تجاوز التشتت الحكائي الذي ساد روايته السابقة “أميركا” التي وصلت به إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في عام ،2009 فقد أثقل تلك الرواية بتعدد الحكايات التي لا تؤدي دورا مهما في صلب الحكاية الأصلية، أما هذه الرواية فقد تمكن بنسبة كبيرة من السيطرة على مسار حكائي واحد من البداية إلى النهاية، وهي ميزة من أهم ميزات الكتابة الجيدة، كما تحسب له رشاقة اللغة وسلاسة التعبير والالتزام بالفصحى في الحوار .
نجح الكاتب في رسم التحول النفسي الذي حدث للشخصيات، حيث تقبل حنا في النهاية وبسبب واقع الحال أنه هو سليمان، وتقبل إخوة سليمان أن حنا هو أخوهم وعاملوه على ذلك الأساس، وأنقذوه مرات من الموت المحقق، كما رسم أشكال التضامن بين مجموعة السجناء في مواجهة المصير الأسود، لكن السرد بشكل خطي حسب التسلسل الزمني للأحداث من البداية إلى النهاية أدى إلى انشغال الكاتب بسرد الوقائع الخارجية وتتبع تفاصيلها على حساب العوالم الداخلية للشخصيات التي لم تلق الاهتمام الكافي، حتى الشخصية الرئيسة حنا ظل الكاتب مشغولاً برسم تفاصيل حاضره، ولم يلتفت إلى عالمه الداخلي إلا في لحظات خاطفة يتذكر فيها زوجته وابنته، ويتساءل عن ما إذا كان سيعيش ليراهما مرة ثانية، وكذلك هيلانة التي فقدت فجأة زوجها وهي ابنة سبعة عشر ربيعا وتحمل في يدها بنتا رضيعة، فبقيت نهبا للفزع والوحدة والجوع، هي نموذج لشخصية تمتلك كل مقومات التداعي الحر، والهذيان والتخيل والكوابيس والحلم، ورغم ذلك لم نشهد لها أي حضور نفسي أو تخيلي يذكر، والإخوة الدروز الأربعة ظلوا أيضا على مظاهرهم الخارجية ولم يدخل الكاتب إلى أعماقهم، ولا شك أن لا شعورهم ظل يعمل في صمت، وهم يعانون في المنفى عقابا لهم على ما جنت أيديهم، وكان يمكن للكاتب أن يفعل ذلك لأن السجن والغربة والوحدة كلها دواع لاستجلاء الكوامن النفسية للشخصية، وللحوار مع الذات، وانفتاح الوعي الداخلي على مصراعيه، والتذكار والتخيل، وتلك تقنيات مهمة عدت فتوحا في الكتابة الروائية منذ أن كتب الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871- 1922) روايته “البحث عن الزمن المفقود”، وكان ذلك بعد مسيرة طويلة من تاريخ السرد (الخطي) التسلسلي للأحداث استنفدت فيها طاقته وأصبح من الضروري تجاوزه بتقنيات سردية جديدة .
كان يمكن لكاتب مثابر مثل ربيع جابر أن يستفيد من تلك التقنيات السردية في “دروز بلغراد” ليكسر خطية الزمن المملة، ويقرب القارئ من شخصياته، ويعرفه بعمق على تجارب السجن والغربة والوحدة، وربما يعيد انشغاله ببناء اللحظة التاريخية بتفاصيلها السياسية والحربية والاجتماعية والاقتصادية، يعيد إلى السطح النقاش حول حدود التاريخي والروائي في الرواية، فهل الكاتب ملزم ببناء تفصيل كامل للأحداث وإعطاء صورة متكاملة عنها أم أنه ينبغي أن يستفيد من الوقائع التاريخية لبناء عالمه الروائي الذي هو عالم التجارب الإنسانية في خصوصيتها وتفردها وتقاطعها وتوازيها مع أحداث التاريخ، على أن تلك الملاحظة لا تغض من قيمة هذا العمل الروائي الذي بذل صاحبه جهداً رائعاً في صقله وتفصيله بأسلوب جميل، ولغة فصيحة قريبة، فكان جديراً بالجائزة التي حصل عليها .
الخليج : http://www.alkhaleej.ae/portal/3ca9cb3a-7220-4b6f-a5eb-13fc61534fa2.aspx
"دروز بلغراد" وإشكالية التاريخي والروائي آخر تحديث:الاثنين ,16/04/2012
الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
ما يميز عمل ربيع جابر في رواية (دروز بلغراد . . حكاية حنا يعقوب) التي حصل بها على الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الخامسة 2012 هو تصويره لطابع الحياة السائد في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، ووقوفه على التفاصيل الدقيقة في تلك الحياة، ومستوياتها المختلفة خصوصا حياة السجناء والجنود وضباط الجيش العثماني، وأوضاع الأقاليم الأوروبية التابعة للدولة العثمانية، وما تشهده من اضطرابات، فقد أتى الكاتب على كل تلك التفاصيل وهو يتتبع حياة أبطال روايته بين لبنان وبلاد البلقان .
حين ننظر في قائمة المصادر والمراجع التي ذيَّل بها جابر روايته -على غير عادة الروائيين -فإننا سندرك الجهد الذي بذله هذا الكاتب الدؤوب في تأليف روايته، فقد رجع إلى العديد من المؤلفات والوثائق المتعلقة بتلك الحقبة التاريخية عامة وبالواقعة التي بنى عليها روايته خاصة، وهي واقعة نفي مجموعة من الدروز بعد حرب أهلية طاحنة، حيث يخلص جابر للنهج الذي اختطه لنفسه وهو العودة إلى التاريخ لرسم عالمه الروائي مركزاً على حقب وحوادث مفصلية في تاريخ لبنان، مستعيداً إياها في تداعياتها على الناس العاديين الذين لم يكن لهم دور في صناعة حوادثها، ولكنهم تأثروا بتداعياتها، وطحنتهم رحاها .
يكتب ربيع جابر التاريخ الاجتماعي، تاريخ الناس في تقاطعه وتوازيه مع تاريخ الخاصة الذين يصنعون التاريخ ويوجهون دفته، ويحلل التجارب النفسية للبسطاء، في تفاصيلها الدقيقة المشكلة من غلالة من الألم والحزن، ومع ذلك فهم يترصدون كل لحظة أمل أو فرح شاردة فيقتنصونها ويعيشونها بكل جوارحهم .
في “دروز بلغراد” يمثل حنا يعقوب ورفقاؤه من السجناء الدروز أولئك البسطاء، ويستند السرد على حادثة نفي 550 درزياً عقاباً لهم على ما فعلوه بالمسيحيين خلال أحداث فتنة وقعت في عام ،1860 ومن سوء حظ ذلك الشاب المسيحي المسالم المسمى حنا يعقوب الذي يبيع البيض أنه كان يتجول بسلته في الميناء في تلك الساعة التي سينقل فيها أولئك الدروز إلى السفينة التي ستأخذهم من بيروت إلى بلغراد، فالتقطه الجنود العثمانيون بأمر من ضابطهم ليكملوا به عدد السجناء الدروز قبل أن يحضر القنصل الفرنسي الذي سيعدهم، ولن يقبل ترحيلهم ما لم يكن عددهم كاملاً، وكان الضابط قد أطلق سراح أحد أبناء الشيخ غفار الخمسة بعد أن رشاه غفار بكل ما يملك من ذهب، وهكذا يجد حنا نفسه في الأغلال مرغما على أن يقبل أن اسمه سليمان بن الشيخ غفار، وأنه درزي مسجون بين عشرات الدروز المرحلين، وتبدأ تفاصيل حياة السجن التي سيعيشها على مدى اثنتي عشرة سنة متنقلا مع تلك المجموعة بين سجون بلغراد والهرسك وكوسوفو وبرشتينا والجبل الأسود، في رحلة عذاب مزقهم فيها ظلام السجون والبرد والجوع والمرض والعمل الشاق فتساقطوا أفراداً وجماعات حتى قضت هجمات البلغاريين على حصون الأتراك على آخرهم ولم ينج سوى حنا، الذي هرب لكنه يقع من جديد في أيدي الأتراك ويسجن سنوات أخرى، ثم يهرب من جديد بعد أن احترق الحصن الذي سجن فيه، وهام على وجهه في مقدونيا لتنقذه قافلة حج أوهم أهلها أنه مسلم حاج، وحين وصلوا إلى دمشق انفصل عنهم وركب مع القوافل المتجهة إلى بيروت ليجد زوجته هيلانة وابنته بربارة في انتظاره .
مما يحسب لربيع جابر في روايته هذه أنه تجاوز التشتت الحكائي الذي ساد روايته السابقة “أميركا” التي وصلت به إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في عام ،2009 فقد أثقل تلك الرواية بتعدد الحكايات التي لا تؤدي دورا مهما في صلب الحكاية الأصلية، أما هذه الرواية فقد تمكن بنسبة كبيرة من السيطرة على مسار حكائي واحد من البداية إلى النهاية، وهي ميزة من أهم ميزات الكتابة الجيدة، كما تحسب له رشاقة اللغة وسلاسة التعبير والالتزام بالفصحى في الحوار .
نجح الكاتب في رسم التحول النفسي الذي حدث للشخصيات، حيث تقبل حنا في النهاية وبسبب واقع الحال أنه هو سليمان، وتقبل إخوة سليمان أن حنا هو أخوهم وعاملوه على ذلك الأساس، وأنقذوه مرات من الموت المحقق، كما رسم أشكال التضامن بين مجموعة السجناء في مواجهة المصير الأسود، لكن السرد بشكل خطي حسب التسلسل الزمني للأحداث من البداية إلى النهاية أدى إلى انشغال الكاتب بسرد الوقائع الخارجية وتتبع تفاصيلها على حساب العوالم الداخلية للشخصيات التي لم تلق الاهتمام الكافي، حتى الشخصية الرئيسة حنا ظل الكاتب مشغولاً برسم تفاصيل حاضره، ولم يلتفت إلى عالمه الداخلي إلا في لحظات خاطفة يتذكر فيها زوجته وابنته، ويتساءل عن ما إذا كان سيعيش ليراهما مرة ثانية، وكذلك هيلانة التي فقدت فجأة زوجها وهي ابنة سبعة عشر ربيعا وتحمل في يدها بنتا رضيعة، فبقيت نهبا للفزع والوحدة والجوع، هي نموذج لشخصية تمتلك كل مقومات التداعي الحر، والهذيان والتخيل والكوابيس والحلم، ورغم ذلك لم نشهد لها أي حضور نفسي أو تخيلي يذكر، والإخوة الدروز الأربعة ظلوا أيضا على مظاهرهم الخارجية ولم يدخل الكاتب إلى أعماقهم، ولا شك أن لا شعورهم ظل يعمل في صمت، وهم يعانون في المنفى عقابا لهم على ما جنت أيديهم، وكان يمكن للكاتب أن يفعل ذلك لأن السجن والغربة والوحدة كلها دواع لاستجلاء الكوامن النفسية للشخصية، وللحوار مع الذات، وانفتاح الوعي الداخلي على مصراعيه، والتذكار والتخيل، وتلك تقنيات مهمة عدت فتوحا في الكتابة الروائية منذ أن كتب الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871- 1922) روايته “البحث عن الزمن المفقود”، وكان ذلك بعد مسيرة طويلة من تاريخ السرد (الخطي) التسلسلي للأحداث استنفدت فيها طاقته وأصبح من الضروري تجاوزه بتقنيات سردية جديدة .
كان يمكن لكاتب مثابر مثل ربيع جابر أن يستفيد من تلك التقنيات السردية في “دروز بلغراد” ليكسر خطية الزمن المملة، ويقرب القارئ من شخصياته، ويعرفه بعمق على تجارب السجن والغربة والوحدة، وربما يعيد انشغاله ببناء اللحظة التاريخية بتفاصيلها السياسية والحربية والاجتماعية والاقتصادية، يعيد إلى السطح النقاش حول حدود التاريخي والروائي في الرواية، فهل الكاتب ملزم ببناء تفصيل كامل للأحداث وإعطاء صورة متكاملة عنها أم أنه ينبغي أن يستفيد من الوقائع التاريخية لبناء عالمه الروائي الذي هو عالم التجارب الإنسانية في خصوصيتها وتفردها وتقاطعها وتوازيها مع أحداث التاريخ، على أن تلك الملاحظة لا تغض من قيمة هذا العمل الروائي الذي بذل صاحبه جهداً رائعاً في صقله وتفصيله بأسلوب جميل، ولغة فصيحة قريبة، فكان جديراً بالجائزة التي حصل عليها .
الخليج : http://www.alkhaleej.ae/portal/3ca9cb3a-7220-4b6f-a5eb-13fc61534fa2.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق