موقف شجاع آخر تحديث:الأحد ,08/04/2012
محمد ولد محمد سالم
شكراً لغونتر غراس على شجاعته وإن أتت متأخرة بعقود عن وقتها، فقد كان هناك دائماً مبرر لرفض “إسرائيل” وجرائمها منذ تأسست تلك الدولة على بحور من دماء أهلنا الفلسطينيين الذين اغتصبت أرضهم وشردتهم، منذ النكبة كان هناك دائماً ما يبرر لأي غربي حر شجاع أن يصدع بالحق في وجه البطش الذي تجاوز الرقم القياسي في تاريخ الجرائم الإنسانية، لكنهم، وخاصة الألمان، كانوا مشغولين بالتكفير عن تاريخ هتلر، وتلاحقهم لعنته، ومحاكمات نظامه، فلم يستطيعوا أن يجهروا بآرائهم في جرائم “إسرائيل” التي لا يمكن إخفاؤها، واليوم وقد ابتعد الغرب بعقود طويلة عن التاريخ النازي، وأصبحت أجسادهم بمنجاة من محاكماته، فإنه سيكون من النبل أن يصدقوا مع أنفسهم وينسجموا مع ما يدّعون الإيمان به من عدل وحرية وحق إنساني، ويعلنوا صراحة إدانتهم ل”إسرائيل”، وقد فعلها الروائي والشاعر الألماني الحاصل على “نوبل 1999” يوم الأربعاء الماضي حين نشر نصاً أدبياً يدين فيه “إسرائيل” ويصف امتلاكها للأسلحة النووية بأنه يهدد السلام العالمي، وأطلق خلالها عبارة يجدر أن تكون عنواناً لمرحلة مقبلة، حيث قال: “لن أظل صامتاً لأنني سئمت من النفاق الغربي” .
يستدعي موقف غراس إلى الذهن مواقف بعض الشعراء والأدباء العرب الذين حَلُموا بنوبل، وبجوائز غربية أخرى كثيرة، فسوّقوا لثقافة الحوار والسلام مع “إسرائيل”، وانتسبوا إلى منتديات للحوار تضم يهوداً “إسرائيليين”، واستُغِلوا من حيث شعروا أو لم يشعروا ضد قضية أمتهم الكبرى، قضية فلسطين، حتى إن من بينهم من حاول أن يلتف على تاريخه النضالي العربي، ومواقفه ضد “إسرائيل”، فسعى إلى إسقاط أدبه القديم، ووصلنا إلى مرحلة كاد أن يكون فيها “المثقف” “الإسرائيلي” المتشبث بعنصريته ودمويته صديقاً للمثقف العربي المنخدع، ومحاوراً له من أجل السلام، ونسي هذا المثقف العربي أن “الحوار” مع “إسرائيل” (لو كان مقبولاً) فإنه يبقى شأناً سياسياً وليس ثقافياً، فليس المثقف معنياً بما يحدث في الواقع السياسي اليومي إلا بالقدر الذي يؤكد مبادئه ويحفظ هويته وأسس ثقافته، إذ هو حارس الهوية والأمة ومبادئها العليا، وحارس لقيم العدل والمساواة والحق، وعليه أن يبقى كذلك مهما تغيرت اللعبة السياسية أو تبدلت أدواتها .
لقد كانت غلطةً كبيرة من شعراء وأدباء عرب مرموقين أسالت لعابهم تلك الجوائز التي تخصص لهم من طرف منظمات ومنتديات أدبية غربية تشجيعاً لهم على “الحوار”، ونسوا أو تناسوا أن ذلك لم يكن سوى إسناد ثقافي “إسرائيلي” وغربي للحوار السياسي الذي فرض على العرب بعد أن سُلبوا كل وسائل الدفاع عن أنفسهم .
ليت إعلان غونتر غراس يوقظ ضمائر أولئك المثقفين العرب، ويعيدهم إلى رشدهم، فيكفوا عن الترويج للسلام مع “إسرائيل”، ويعرفوا أن الصدق مع الذات هو أهم حِلْية ينبغي أن يتحلى بها المثقف، هذا إذا لم تكن ثورات الربيع العربي قد أيقظت ضمائرهم ونبهتهم إلى عبثية الطريق الذي كانوا يسلكونه .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/c2b06ad3-2057-4f2e-a63a-d6dc46cb6f70.aspx
محمد ولد محمد سالم
شكراً لغونتر غراس على شجاعته وإن أتت متأخرة بعقود عن وقتها، فقد كان هناك دائماً مبرر لرفض “إسرائيل” وجرائمها منذ تأسست تلك الدولة على بحور من دماء أهلنا الفلسطينيين الذين اغتصبت أرضهم وشردتهم، منذ النكبة كان هناك دائماً ما يبرر لأي غربي حر شجاع أن يصدع بالحق في وجه البطش الذي تجاوز الرقم القياسي في تاريخ الجرائم الإنسانية، لكنهم، وخاصة الألمان، كانوا مشغولين بالتكفير عن تاريخ هتلر، وتلاحقهم لعنته، ومحاكمات نظامه، فلم يستطيعوا أن يجهروا بآرائهم في جرائم “إسرائيل” التي لا يمكن إخفاؤها، واليوم وقد ابتعد الغرب بعقود طويلة عن التاريخ النازي، وأصبحت أجسادهم بمنجاة من محاكماته، فإنه سيكون من النبل أن يصدقوا مع أنفسهم وينسجموا مع ما يدّعون الإيمان به من عدل وحرية وحق إنساني، ويعلنوا صراحة إدانتهم ل”إسرائيل”، وقد فعلها الروائي والشاعر الألماني الحاصل على “نوبل 1999” يوم الأربعاء الماضي حين نشر نصاً أدبياً يدين فيه “إسرائيل” ويصف امتلاكها للأسلحة النووية بأنه يهدد السلام العالمي، وأطلق خلالها عبارة يجدر أن تكون عنواناً لمرحلة مقبلة، حيث قال: “لن أظل صامتاً لأنني سئمت من النفاق الغربي” .
يستدعي موقف غراس إلى الذهن مواقف بعض الشعراء والأدباء العرب الذين حَلُموا بنوبل، وبجوائز غربية أخرى كثيرة، فسوّقوا لثقافة الحوار والسلام مع “إسرائيل”، وانتسبوا إلى منتديات للحوار تضم يهوداً “إسرائيليين”، واستُغِلوا من حيث شعروا أو لم يشعروا ضد قضية أمتهم الكبرى، قضية فلسطين، حتى إن من بينهم من حاول أن يلتف على تاريخه النضالي العربي، ومواقفه ضد “إسرائيل”، فسعى إلى إسقاط أدبه القديم، ووصلنا إلى مرحلة كاد أن يكون فيها “المثقف” “الإسرائيلي” المتشبث بعنصريته ودمويته صديقاً للمثقف العربي المنخدع، ومحاوراً له من أجل السلام، ونسي هذا المثقف العربي أن “الحوار” مع “إسرائيل” (لو كان مقبولاً) فإنه يبقى شأناً سياسياً وليس ثقافياً، فليس المثقف معنياً بما يحدث في الواقع السياسي اليومي إلا بالقدر الذي يؤكد مبادئه ويحفظ هويته وأسس ثقافته، إذ هو حارس الهوية والأمة ومبادئها العليا، وحارس لقيم العدل والمساواة والحق، وعليه أن يبقى كذلك مهما تغيرت اللعبة السياسية أو تبدلت أدواتها .
لقد كانت غلطةً كبيرة من شعراء وأدباء عرب مرموقين أسالت لعابهم تلك الجوائز التي تخصص لهم من طرف منظمات ومنتديات أدبية غربية تشجيعاً لهم على “الحوار”، ونسوا أو تناسوا أن ذلك لم يكن سوى إسناد ثقافي “إسرائيلي” وغربي للحوار السياسي الذي فرض على العرب بعد أن سُلبوا كل وسائل الدفاع عن أنفسهم .
ليت إعلان غونتر غراس يوقظ ضمائر أولئك المثقفين العرب، ويعيدهم إلى رشدهم، فيكفوا عن الترويج للسلام مع “إسرائيل”، ويعرفوا أن الصدق مع الذات هو أهم حِلْية ينبغي أن يتحلى بها المثقف، هذا إذا لم تكن ثورات الربيع العربي قد أيقظت ضمائرهم ونبهتهم إلى عبثية الطريق الذي كانوا يسلكونه .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/c2b06ad3-2057-4f2e-a63a-d6dc46cb6f70.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق