بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 30 يونيو 2012

بين الكلمة والصورة

أفق
آخر تحديث:الأربعاء ,27/06/2012
محمد ولد محمد سالم

منذ أن ظهر الاستعمار في بلاد العرب كان يتبلور نوع من الخطاب الأدبي تبدت ملامحه في رفض الاستعمار وإدانته والتصدي له، والاعتزاز بالأرض وناسها المنغرسين فيها، والوقوف في وجه كل مسعى يريد أن يشوه ملامح الوطن وقيمه الحضارية، وقد عرف هذا الاتجاه ذروته واكتماله مع مجموعة من شعراء الأرض المحتلة، أطلق عليهم النقاد “شعراء المقاومة”، ثم لم يلبث هذا اللون من الأدب أن تطور ليصبح كل أدب يقاوم الظلم والدكتاتورية، وعرفت نماذج منه في المشرق والمغرب في العقود الماضية .
واليوم يبدو هذا الاتجاه شبه معدوم أو خافت الصوت لا يكاد يسمعه أحد، رغم انفجار وسائل الاتصال، وسرعة انتشار المعلومة، فلا يكاد يصل إلى سمع المتلقي العربي صوت شعراء المقاومة - إن كان لا يزال هناك شعراء مقاومة-، والمفارقة هي أن أسباب هذا الشعر تضاعفت في السنوات الأخيرة، واستشرى الظلم والجور، بل القتل والإبادة بشكل لافت في بعض أرجاء الوطن العربي، فأين هم شعراء المقاومة أصحاب الكلمة الحرة الحارقة القادرة على التأثير في الجماهير، الكلمة التي تفعل مفعول البندقية بما تحركه من عزائم وترفعه من معنويات وإصرار في وجه الظالم؟ هل يئس الشعراء من الواقع فانصرفوا عنه أو استبدلوا المظاهرات وأشكال المقاومة الأخرى بالكلمة؟
قد تبدو صورة حية لمئات الآلاف من الجماهير المحتشدة بصخبها وشعاراتها، وصورة لدمار هائل ودخان يتصاعد من أرجاء حي شعبي، وتتناثر على شوارعه أشلاء القتلى، ويلوذ سكانه بجدران المباني بحثاً عن طريق للفرار من الرصاص والصواريخ، يتم عرضها على شاشة التلفزيون أو في اليوتيوب، أقدر على التأثير من الأدب، وأشد وقعاً من تلك القصائد المنمقة، وهو ما يجعل المتلقي ينصرف إلى تلك الأشكال التعبيرية غير الأدبية، لأنها تصل إليه بأدق تفاصيلها بشكل مباشر وصادم، وتمتلك عليه حواسه ووجدانه بشكل لا يستطيع معه التفكير في غيرها، ولهذا يبدو أن حلول تلك الأشكال التعبيرية محل الكلمة على الأقل في الوقت الراهن أمر لا مفر منه، وهو ينذر باستقالة الشعراء ونزولهم عن عروشهم .
لكنّ هناك فرقاً جوهرياً بين تأثير الصورة وتأثير الكلمة، وهو أن الصورة جامدة وذات بعد تأويلي واحد، لا تتجاوزه، وهي تخاطب العين التي يمكن أن تتعود على الأشياء وتقبل بالتعايش معها، بينما الكلمة تأتي في سياق جملة تحتمل أوجهاً تأويلية عدة، وهي تخاطب السمع والبصر والعقل والوجدان، وهي متقلبة عبر الزمن، وعبر سياق الأحداث، ولا حصر لتأويلاتها، ومن هنا فهي تظل دوماً صادمة ومحفزة، يسمعها المتلقي للمرة الألف كأنها المرة الأولى فتنتفض حواسه وتثور نفسه، لذلك فإن الشعر لا يمكنه أن يستقيل أو يقال، أو ينزوي عن ملعبه الأول، وهو ملعب المقاومة ضد القبح والظلم والقهر، فلا بد أن يعلو صوته بمقاومتها، لا بد أن يقول لها “لا” عالية مدوية في جهات الأرض الأربع .
Dah_tah@yahoo.fr

الخليج:
http://www.alkhaleej.ae/portal/85ca86c5-d607-4b3c-820c-24a7e0eed58a.aspx






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق