أفق
آخر تحديث:الأحد ,24/06/2012
محمد ولد محمد سالم
يضع الدكتور نبيل سليمان في كتابه “أسرار التخييل الروائي” فصلاً عن “كنائية المدينة في الرواية العربية” يستعرض فيه تمثلات المدينة في عدد من الروايات العربية، ودلالات تلك التمثلات، ويركز بوجه خاص على الروايات التي لا تعين اسم مدينة بعينها، ويسمى هذه الاستراتيجية استراتيجية (اللا تعيين) ويتوقف فيها عند كُتَّاب كثر مثل بهاء طاهر في رواية “حب في المنفى” التي تدور في مدينة أوروبية غير معينة، ويرى الدكتور نبيل أن بهاء طاهر من واقع عمله في جنيف في سويسرا أراد أن يقدم صورة لوضع المثقف العربي الذي تلفظه سلطات بلاده إلى المنفى ليعيش حياة عدمية في مدن غربية، ولارتباط الموضوع بحياة بهاء طاهر الذاتية وحياة أصدقائه، لذلك سعى إلى الكناية عن المدينة ولم يصرح بها، لكي يسمح له ذلك بدرجة من الحرية يمكن معها أن يقول ما يريده، والاستراتيجية نفسها يتبعها غازي القصيبي في رواية “العصفورية” حيث يطرح فيها نقداً للحكومات العربية وللأنظمة الدكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، ويكني عن المدن بعربستان ،48 وعربستان ،49 وعربستان 50 وغيرها، وفي رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) يرسم مؤنس الرزاز ملامح لمدينة خرافية يسميها مدينة “الضاد”، وهي مدينة مفتتة الملامح غير واضحة المعالم، تحمل ضبابية ولا يمكن أن نحدد لها جغرافياً قارة، ويرى سليمان أن الرزاز أراد أن يقدم صورة رمزية لحال التشظي والتمزق التي تعيشها المدن العربية والإنسان العربي في داخلها .
مهما كانت التمثلات التي يمكن أن يستنتجها الدكتور نبيل سليمان أو غيره للمدينة العربية في الرواية، فإن صورة المدينة في الرواية العربية ترتبط بقضية كبرى، هي صورة الواقع في الرواية، أو بعبارة أخرى الحدود بين المتخيل والواقع في السرد الروائي العربي، ما حدود الخيال؟ وما حدود الواقع؟ وأين ينبغي أن يتوقف أحدهما ليبدأ الآخر؟ وهي إشكالية دار فيها كثير من المعالجات النقدية المتعلقة بالرواية، ويمكن أن نشير فقط إلى أنه ليس هناك قوانين تحدد للكاتب علامات التوقف عند أي حد من الطرفين (الواقع والخيال) والعامل الأساس في وضع أية حدود هو رؤية الكاتب أو المنظور الروائي الذي يسعى إلى بناء الأحداث منه، وما يريد أن يقوله من خلاله، فهو الذي يفرض عليه خياراته بين الاتجاهين، فمادة الواقع كمادة الخيال خامتان أوليان يعجن منهما المبدع منتجه بمقادير تزيد وتنقص بحساب ما يمكن أن تدلا عليه في السياق الذي يضعهما فيه>
من هذا المنظور فإن المهم في المدينة في الرواية ليس اسمها ولا ملامحها ولا التصريح بها أو التكنية عنها، بل المهم هو ما صورة تلك المدينة في سياق الرواية؟ وما تدعم به توجهات الكاتب في رسم الشخصيات والأحداث؟ ففي رواية “دروز بلغراد” لربيع جابر ليس المهم أن تكون الصورة التي قدمها لبيروت هي الصورة الحقيقية لبيروت في منتصف القرن التاسع عشر، بل المهم هو أن هذه الصورة خدمت وجهة نظر الكاتب وفضاء الحدث ومجال تحرك الشخصيات .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/9d213d70-b115-4cf2-b9be-94bf8d2ff612.aspx
آخر تحديث:الأحد ,24/06/2012
محمد ولد محمد سالم
يضع الدكتور نبيل سليمان في كتابه “أسرار التخييل الروائي” فصلاً عن “كنائية المدينة في الرواية العربية” يستعرض فيه تمثلات المدينة في عدد من الروايات العربية، ودلالات تلك التمثلات، ويركز بوجه خاص على الروايات التي لا تعين اسم مدينة بعينها، ويسمى هذه الاستراتيجية استراتيجية (اللا تعيين) ويتوقف فيها عند كُتَّاب كثر مثل بهاء طاهر في رواية “حب في المنفى” التي تدور في مدينة أوروبية غير معينة، ويرى الدكتور نبيل أن بهاء طاهر من واقع عمله في جنيف في سويسرا أراد أن يقدم صورة لوضع المثقف العربي الذي تلفظه سلطات بلاده إلى المنفى ليعيش حياة عدمية في مدن غربية، ولارتباط الموضوع بحياة بهاء طاهر الذاتية وحياة أصدقائه، لذلك سعى إلى الكناية عن المدينة ولم يصرح بها، لكي يسمح له ذلك بدرجة من الحرية يمكن معها أن يقول ما يريده، والاستراتيجية نفسها يتبعها غازي القصيبي في رواية “العصفورية” حيث يطرح فيها نقداً للحكومات العربية وللأنظمة الدكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، ويكني عن المدن بعربستان ،48 وعربستان ،49 وعربستان 50 وغيرها، وفي رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) يرسم مؤنس الرزاز ملامح لمدينة خرافية يسميها مدينة “الضاد”، وهي مدينة مفتتة الملامح غير واضحة المعالم، تحمل ضبابية ولا يمكن أن نحدد لها جغرافياً قارة، ويرى سليمان أن الرزاز أراد أن يقدم صورة رمزية لحال التشظي والتمزق التي تعيشها المدن العربية والإنسان العربي في داخلها .
مهما كانت التمثلات التي يمكن أن يستنتجها الدكتور نبيل سليمان أو غيره للمدينة العربية في الرواية، فإن صورة المدينة في الرواية العربية ترتبط بقضية كبرى، هي صورة الواقع في الرواية، أو بعبارة أخرى الحدود بين المتخيل والواقع في السرد الروائي العربي، ما حدود الخيال؟ وما حدود الواقع؟ وأين ينبغي أن يتوقف أحدهما ليبدأ الآخر؟ وهي إشكالية دار فيها كثير من المعالجات النقدية المتعلقة بالرواية، ويمكن أن نشير فقط إلى أنه ليس هناك قوانين تحدد للكاتب علامات التوقف عند أي حد من الطرفين (الواقع والخيال) والعامل الأساس في وضع أية حدود هو رؤية الكاتب أو المنظور الروائي الذي يسعى إلى بناء الأحداث منه، وما يريد أن يقوله من خلاله، فهو الذي يفرض عليه خياراته بين الاتجاهين، فمادة الواقع كمادة الخيال خامتان أوليان يعجن منهما المبدع منتجه بمقادير تزيد وتنقص بحساب ما يمكن أن تدلا عليه في السياق الذي يضعهما فيه>
من هذا المنظور فإن المهم في المدينة في الرواية ليس اسمها ولا ملامحها ولا التصريح بها أو التكنية عنها، بل المهم هو ما صورة تلك المدينة في سياق الرواية؟ وما تدعم به توجهات الكاتب في رسم الشخصيات والأحداث؟ ففي رواية “دروز بلغراد” لربيع جابر ليس المهم أن تكون الصورة التي قدمها لبيروت هي الصورة الحقيقية لبيروت في منتصف القرن التاسع عشر، بل المهم هو أن هذه الصورة خدمت وجهة نظر الكاتب وفضاء الحدث ومجال تحرك الشخصيات .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/9d213d70-b115-4cf2-b9be-94bf8d2ff612.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق