أفق
البطولة الجماهيرية
آخر تحديث:الجمعة ,24/08/2012
محمد ولد محمد سالم
البطل الواحد كان هو الشكل البطولي السائد في المجتمع العربي التقليدي، ويصور الأدب العربي القديم ذلك الشجاع الفرد الذي يفل الجيوش ويهزم الجحافل . ومع بداية النهضة العربية الحديثة، وتكون الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث بدأت ممارسة البطولة تتغير، حيث أحست الجماعة أن عليها أن توجد نوعاً من الوحدة النضالية، فيشترك أبطال عدة أو شريحة اجتماعية كاملة في مواجهة مستعمر أو سلطة ظالمة، سعياً للتغلب عليها وهزيمتها، وتصحيح الوضع المختل في حياتهم .
وتعد رواية “في بيتنا رجل” لإحسان عبد القدوس أول رواية عربية رصدت بشكل واع تلك التحولات، فبطل الرواية إبراهيم حمدي يقتل رئيس الوزراء الفاسد المتعاون مع الإنجليز، ويلجأ إلى منزل أسرة صديقه الطالب الجامعي الذي لم تكن له سوابق في العمل النضالي، ويضطر الطالب تحت تأثير الصداقة الحميمة أن يؤويه في منزله رغم خطورة الموقف وما يمكن أن يعرض له هو وأسرته من مهالك، ومع تطور الأحداث تجد الأسرة نفسها في عمق العمل النضالي، ويتخذ كل فرد من أفرادها موقفاً مسانداً ومدافعاً عن الشاب المناضل الذي لجأ إليهم، فالأخت توصل الرسائل من الشاب إلى المناضلين، والأخ يسجن ويعذب ولا يعترف بإيوائه، والأب والأم يحتضنانه كأنه ابنهما، ويموهان بكل وسيلة حتى لا يكتشف، وابن العم المخبر الذي بلغ عنه يدرك حجم الجرم الذي ارتكبه، فيندم ويتراجع عن أقواله ما يعرضه للتعذيب هو الآخر، وهكذا تتحول الأسرة إلى المشاركة في النضال، وينتقل المجتمع من بطولة الفرد “إبراهيم حمدي” إلى بطولة الجماعة “أهل الطالب”، وسيكون نتيجة ذلك انخراط الأخ وأخته وابن العم في حركة النضال السرية بعد إعدام إبراهيم حمدي .
عبر الروايات العربية اللاحقة سوف يستقر هذا الشكل من بطولة الجماعة مشكلاً التعبير الواضح عن الوعي الذي أصبح سائداً في المجتمعات العربية، حيث لم يعد الهم السياسي والمعيشي للناس هماً فردياً، وصار لزاماً على الشعب أن يتكاتف ويتحد ليواجه الظلم والدكتاتورية والاستعمار، وهذا ما رصدته روايات نجيب محفوظ من جوانب عدة تتبع فيها كيفية نشوء الحركات السياسية وتخطيطها للتغيير، وفي الثلاثية نتذكر كمال أحمد عبد الجواد وأخاه اللذين انخرط كل منهما في حركة نضالية، ونطلع على جوانب من التخطيط للتظاهرات والانتفاضات الشعبية، وفي روايات الريف العربية هناك أصداء كثيرة النوع من البطولة، حيث تثور الجماعة على السيد الإقطاعي، وقد دخلت حكايات النضال الشعبي الجماعي للشعبين الفلسطيني والجزائري ساحة الرواية العربية بشكل مستفيض وجميل يعبر عن كمون روح النضال لدى الفرد وتحفزها الدائم للانصهار في ملحمة جماعية تسطر التاريخ .
هذا الوعي النضالي الجماعي انتقل اليوم وبتأثير من وسائل الاتصال الجماهيرية، ومواقع التواصل الاجتماعي من كونه وعي حركة سياسية أو فئة اجتماعية إلى يقظة جماهيرية عامة متحدة حول مبادئ عليا تجمعها، ومستعدة للتحرك الكاسح من أجلها، وهو ما ترجم في شكل الثورات العربية الراهنة، ومن المؤكد أن الأدب سوف يوثق هذا الشكل الجماهيري من البطولة ويعززه .
dah_tah@yahoo.fr
http://www.alkhaleej.ae/portal/54750c0b-08d5-4132-8336-11efa338b40a.aspx
البطولة الجماهيرية
آخر تحديث:الجمعة ,24/08/2012
محمد ولد محمد سالم
البطل الواحد كان هو الشكل البطولي السائد في المجتمع العربي التقليدي، ويصور الأدب العربي القديم ذلك الشجاع الفرد الذي يفل الجيوش ويهزم الجحافل . ومع بداية النهضة العربية الحديثة، وتكون الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث بدأت ممارسة البطولة تتغير، حيث أحست الجماعة أن عليها أن توجد نوعاً من الوحدة النضالية، فيشترك أبطال عدة أو شريحة اجتماعية كاملة في مواجهة مستعمر أو سلطة ظالمة، سعياً للتغلب عليها وهزيمتها، وتصحيح الوضع المختل في حياتهم .
وتعد رواية “في بيتنا رجل” لإحسان عبد القدوس أول رواية عربية رصدت بشكل واع تلك التحولات، فبطل الرواية إبراهيم حمدي يقتل رئيس الوزراء الفاسد المتعاون مع الإنجليز، ويلجأ إلى منزل أسرة صديقه الطالب الجامعي الذي لم تكن له سوابق في العمل النضالي، ويضطر الطالب تحت تأثير الصداقة الحميمة أن يؤويه في منزله رغم خطورة الموقف وما يمكن أن يعرض له هو وأسرته من مهالك، ومع تطور الأحداث تجد الأسرة نفسها في عمق العمل النضالي، ويتخذ كل فرد من أفرادها موقفاً مسانداً ومدافعاً عن الشاب المناضل الذي لجأ إليهم، فالأخت توصل الرسائل من الشاب إلى المناضلين، والأخ يسجن ويعذب ولا يعترف بإيوائه، والأب والأم يحتضنانه كأنه ابنهما، ويموهان بكل وسيلة حتى لا يكتشف، وابن العم المخبر الذي بلغ عنه يدرك حجم الجرم الذي ارتكبه، فيندم ويتراجع عن أقواله ما يعرضه للتعذيب هو الآخر، وهكذا تتحول الأسرة إلى المشاركة في النضال، وينتقل المجتمع من بطولة الفرد “إبراهيم حمدي” إلى بطولة الجماعة “أهل الطالب”، وسيكون نتيجة ذلك انخراط الأخ وأخته وابن العم في حركة النضال السرية بعد إعدام إبراهيم حمدي .
عبر الروايات العربية اللاحقة سوف يستقر هذا الشكل من بطولة الجماعة مشكلاً التعبير الواضح عن الوعي الذي أصبح سائداً في المجتمعات العربية، حيث لم يعد الهم السياسي والمعيشي للناس هماً فردياً، وصار لزاماً على الشعب أن يتكاتف ويتحد ليواجه الظلم والدكتاتورية والاستعمار، وهذا ما رصدته روايات نجيب محفوظ من جوانب عدة تتبع فيها كيفية نشوء الحركات السياسية وتخطيطها للتغيير، وفي الثلاثية نتذكر كمال أحمد عبد الجواد وأخاه اللذين انخرط كل منهما في حركة نضالية، ونطلع على جوانب من التخطيط للتظاهرات والانتفاضات الشعبية، وفي روايات الريف العربية هناك أصداء كثيرة النوع من البطولة، حيث تثور الجماعة على السيد الإقطاعي، وقد دخلت حكايات النضال الشعبي الجماعي للشعبين الفلسطيني والجزائري ساحة الرواية العربية بشكل مستفيض وجميل يعبر عن كمون روح النضال لدى الفرد وتحفزها الدائم للانصهار في ملحمة جماعية تسطر التاريخ .
هذا الوعي النضالي الجماعي انتقل اليوم وبتأثير من وسائل الاتصال الجماهيرية، ومواقع التواصل الاجتماعي من كونه وعي حركة سياسية أو فئة اجتماعية إلى يقظة جماهيرية عامة متحدة حول مبادئ عليا تجمعها، ومستعدة للتحرك الكاسح من أجلها، وهو ما ترجم في شكل الثورات العربية الراهنة، ومن المؤكد أن الأدب سوف يوثق هذا الشكل الجماهيري من البطولة ويعززه .
dah_tah@yahoo.fr
http://www.alkhaleej.ae/portal/54750c0b-08d5-4132-8336-11efa338b40a.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق