أفق
بين الكواكبي ويوسا
آخر تحديث:الثلاثاء ,14/08/2012
محمد ولد محمد سالم
لا بد لمن قرأ “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لعبدالرحمن الكواكبي، وقرأ رواية “حفلة التيس” للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، أن يجد وجه شبه بينهما، أو بالأحرى يتصور أن “حفلة التيس” هي التطبيق الروائي للطرح النظري الذي طرحته “الطبائع” - رغم أنه لا صلة بين الكتابين - فالكواكبي في كتابه الرشيق الجميل الذي كان فتحاً فكرياً في أيامه، يرى أن الاستبداد يدمر كل شيء؛ الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والدولة، كل أوجه الحياة تدمر وتسوء تحت سلطة القهر، وهذا بالضبط هو ما صوّره يوسا في روايته الجميلة التي كتبها عن حياة الدكتاتور رافائيل ليونيداس تروخييو الذي كان حاكماً لجمهورية الدومنيكان واغتيل في 30 مايو/ أيار 1961 .
كتبت رواية “حفلة التيس” بشكل استرجاعي تستعيد فيه الشخصيات حياتها التي عاشتها تحت حكم ذلك الطاغية، حيث تحولت تلك الشخصيات إلى كائنات أحط قيمة من الحيوان، يطلب منها أن تقوم بأسوأ الأفعال، ضد ضمائرها، وضد كيانها البشري، فالضابط الشاب لا بد أن يقتل أخا حبيبته بيدين باردتين، ويتخلى عن حبه كي يثبت ولاءه، والوزير المحترم لا بد أن يتغاضى عن زيارات الزعيم لزوجته في وضح النهار، والنائب الجليل لا بد أن يقدّم ابنته المراهقة قرباناً للزعيم كي يثبت وفاءه ويعود له عمله وأمواله، ورجل الأعمال المحترف الذي يصنع ممتلكاته بقدراته الذاتية لا بد أن يتنازل عن مشاريعه الناجحة لأسرة الزعيم لكي يحظى برضاه، والجيران الهايتيون يحكم عليهم بالموت الجماعي بالآلاف لا لشيء سوى لأن لون بشرتهم أسود، وخزائن الدولة تستنزف لمصلحة الممتلكات الشخصية للزعيم وأسرته الذين سيطروا على كل المشاريع الحيوية، واتخذوا عامة الشعب عمال سخرة لديهم، وفي هذا الجو المحطم في كل نواحيه لا تكف أجهزة الدكتاتور وأبواقه عن رفع شعارات الوطنية والتقدمية، وحشد الجماهير اللاهجة بالتأييد والشكر لترخييو العظيم، وسرعان ما ينقلب الواقع حين يُغتال تروخييو على يد مقربين له ممن أهدر كرامتهم واستذلهم، فيبدأ نظامه في التداعي بناء بعد آخر، وخلال أشهر قليلة تعم المظاهرات كل نواحي البلاد ويتنفس الشعب الصعداء، ويخرج أفراد أسرة الدكتاتور طريدين تتبعهم لعنات الشعب، وتظهر بجلاء الكراهية المطلقة التي كانت الجماهير تكنها لذلك الطاغية، فلا أحد يأسى على ما صار إليه وصارت إليه أسرته، ويتضح أن شعارات الولاء والتعظيم التي كانوا يرددونها أمام الزعيم كانت مجرد كلمات جوفاء أرغموا على ترديدها والاقتناع بها حتى في سرهم خوفاً من المشنقة .
تلك هي نتائج الاستبداد، ونهاية كل طاغية يريد أن يتحكم في كل شيء حتى الهواء الذي يتنفسه الشعب، فمع كل لحظة يمد بها عمر حكمه، وكل لبنة يقوي بها بناء حكمه، فإنه يضيف خيطاً إلى كفنه وكفن حكمه، وباكتمال أسباب تحكمه وتجمع أسباب طغيانه يكون قد وصل إلى نهايته، فيتردى من القمة إلى القاع تردّياً ساحقاً، ومن المؤسف أن الدكتاتوريات العربية، لم تقرأ الكواكبي ولا يوسا فتتدارك نفسها، لذلك اجتاحتها الثورات فتداعت غير مأسوف عليها .
dah_tah@yahoo.fr
بين الكواكبي ويوسا
آخر تحديث:الثلاثاء ,14/08/2012
محمد ولد محمد سالم
لا بد لمن قرأ “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لعبدالرحمن الكواكبي، وقرأ رواية “حفلة التيس” للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، أن يجد وجه شبه بينهما، أو بالأحرى يتصور أن “حفلة التيس” هي التطبيق الروائي للطرح النظري الذي طرحته “الطبائع” - رغم أنه لا صلة بين الكتابين - فالكواكبي في كتابه الرشيق الجميل الذي كان فتحاً فكرياً في أيامه، يرى أن الاستبداد يدمر كل شيء؛ الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والدولة، كل أوجه الحياة تدمر وتسوء تحت سلطة القهر، وهذا بالضبط هو ما صوّره يوسا في روايته الجميلة التي كتبها عن حياة الدكتاتور رافائيل ليونيداس تروخييو الذي كان حاكماً لجمهورية الدومنيكان واغتيل في 30 مايو/ أيار 1961 .
كتبت رواية “حفلة التيس” بشكل استرجاعي تستعيد فيه الشخصيات حياتها التي عاشتها تحت حكم ذلك الطاغية، حيث تحولت تلك الشخصيات إلى كائنات أحط قيمة من الحيوان، يطلب منها أن تقوم بأسوأ الأفعال، ضد ضمائرها، وضد كيانها البشري، فالضابط الشاب لا بد أن يقتل أخا حبيبته بيدين باردتين، ويتخلى عن حبه كي يثبت ولاءه، والوزير المحترم لا بد أن يتغاضى عن زيارات الزعيم لزوجته في وضح النهار، والنائب الجليل لا بد أن يقدّم ابنته المراهقة قرباناً للزعيم كي يثبت وفاءه ويعود له عمله وأمواله، ورجل الأعمال المحترف الذي يصنع ممتلكاته بقدراته الذاتية لا بد أن يتنازل عن مشاريعه الناجحة لأسرة الزعيم لكي يحظى برضاه، والجيران الهايتيون يحكم عليهم بالموت الجماعي بالآلاف لا لشيء سوى لأن لون بشرتهم أسود، وخزائن الدولة تستنزف لمصلحة الممتلكات الشخصية للزعيم وأسرته الذين سيطروا على كل المشاريع الحيوية، واتخذوا عامة الشعب عمال سخرة لديهم، وفي هذا الجو المحطم في كل نواحيه لا تكف أجهزة الدكتاتور وأبواقه عن رفع شعارات الوطنية والتقدمية، وحشد الجماهير اللاهجة بالتأييد والشكر لترخييو العظيم، وسرعان ما ينقلب الواقع حين يُغتال تروخييو على يد مقربين له ممن أهدر كرامتهم واستذلهم، فيبدأ نظامه في التداعي بناء بعد آخر، وخلال أشهر قليلة تعم المظاهرات كل نواحي البلاد ويتنفس الشعب الصعداء، ويخرج أفراد أسرة الدكتاتور طريدين تتبعهم لعنات الشعب، وتظهر بجلاء الكراهية المطلقة التي كانت الجماهير تكنها لذلك الطاغية، فلا أحد يأسى على ما صار إليه وصارت إليه أسرته، ويتضح أن شعارات الولاء والتعظيم التي كانوا يرددونها أمام الزعيم كانت مجرد كلمات جوفاء أرغموا على ترديدها والاقتناع بها حتى في سرهم خوفاً من المشنقة .
تلك هي نتائج الاستبداد، ونهاية كل طاغية يريد أن يتحكم في كل شيء حتى الهواء الذي يتنفسه الشعب، فمع كل لحظة يمد بها عمر حكمه، وكل لبنة يقوي بها بناء حكمه، فإنه يضيف خيطاً إلى كفنه وكفن حكمه، وباكتمال أسباب تحكمه وتجمع أسباب طغيانه يكون قد وصل إلى نهايته، فيتردى من القمة إلى القاع تردّياً ساحقاً، ومن المؤسف أن الدكتاتوريات العربية، لم تقرأ الكواكبي ولا يوسا فتتدارك نفسها، لذلك اجتاحتها الثورات فتداعت غير مأسوف عليها .
dah_tah@yahoo.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق