بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 4 أكتوبر 2013

آخر نساء لنجة


"آخر نساء لنجة"آخر تحديث:الجمعة ,04/10/2013
محمد ولد محمدسالم
ما يميز لولوه المنصوري في روايتها “آخر نساء لنجة” الصادرة حديثاً عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة هو الأسلوب الشاعري، فكل شيء قابل لأن يحوّل إلى صورة شعرية، وحتى في أقصى حالات السرد بعداً عن الشاعرية، نحس أن هناك رهافة في رؤية الكاتبة للأشياء، والرواية تداع حر لحياة البطلة ميعاد في تشابكها مع حياة جدتها لأمها رزيقة التي تعيش معها وحيدتين بعد أن توفيت أم ميعاد، وتزوج أبوها متخلياً عنها، وأيضاً بعد أن تزوجت ولم تنجب ثم اختفى زوجها يوسف إلى الأبد، وبقيت رهينة غيبته سبع سنوات .

تتشابك حياة البطلة بحياة جدتها زوجة السردال إبراهيم الذي كان أحد أهم رجال بلدة المحرّق في البحرين قبل أن يرحل بعائلته مع من رحل إلى جلفار في الإمارات، ولا يلبث أن يبتلعه البحر تاركاً زوجته وابنتها التي تزوجها شاب من جلفار، فيرزقان بميعاد، قبل أن يطلق الأب الوالدة ويسعى وراء جمع المال، فتعيش الأم محزونة ثم تصاب بالسل وتموت سريعاً .

يتخذ السرد شكل استرجاع يتزامن مع رحلة العودة المفاجئة التي قررت رزيقة أن تقوم بها إلى المحرق، فتتداعى حكايات حياة أهل المحرق، وسيرة الجدة وزوجها السردال، وكيف بدت العائلة، وفي بيت السردال تستدر ميعاد من جدتها ذلك التاريخ، فتتشكف لنا رزيقة كما وصفتها الكاتبة: “امرأة من حناء وطين وحطب وسمن ورطب، امرأة من شمس وبنادق وصهيل وحطب، وذاكرة جرار الماء فوق الرؤوس”، بهذه الصلابة والانغراس في الأرض والتاريخ تكون العودة بحثاً عن جذور وامتداد لهاتين المرأتين الوحيدتين، وعن شجرة راسخة تسندان إليها ظهريهما الضعيفين، ولا تجدان سوى سالم ابن أخت رزيقة الوحيد الذي يكتب الشعر ويمتهن الصحافة، فتتعلق ميعاد به، ويصيبها بعدوى القراءة والكتابة، لكنه يسافر ليعمل ، وتعود مع جدتها من رحلة الماضي (المحرق) إلى الحاضر في جلفار، وتظل تتبادل مع سالم رسائل وجدانية تترقرق بشاعرية متوهجة .

في “آخر نساء لنجة” يبدو السرد القصصي متعثراً بسبب اتكاء الكاتبة على التصوير الشاعري الذي يعطي مساحة أكبر للبوح والتأمل الذاتي وفلسفة الحياة، فيتقاعس السرد وتضيع القصة بين الحالات الوجدانية للبطلة ومجمل شخصيات القصة التي أبت الكاتبة إلا أن تدخلها كلها في تلك الحالة الشاعرية، ومع هذا التقاعس تفقد الرواية حرارة التحرك إلى الأمام، وتصاب ببرودة رغم الألق الفني للغتها، ويتيه القارئ في تضاعيف وجدان البطلة وخيالاتها .

لا مراء في أن لولوه المنصوري كاتبة متمكنة من أدواتها الفنية، متميزة بأسلوبها الثري، لكنها تحتاج إلى أن تفك الاشتباك بين السرد والشعر، عندما تكون بصدد كتابة الرواية، لأن الأولوية في الرواية لتقنيات السرد ولغته، ورغم أن الأسلوب الشاعري قد يضيف إليها، ولكن في أماكن محددة وحسب اقتضاء السرد، وليس بحسب نزوع الكاتب .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق