| أفق | |||||||
| |||||||
| محمد ولد محمد سالم | |||||||
|
لو لم يحبس الثلج أبا تمام أشهراً في همذان لما حظي تاريخ الأدب بكتاب
بديع جمع خلاصة ما أبدعه شعراء العرب قبله، وهو كتاب “ديوان الحماسة” الذي ضم
اختيارات شعرية رأى أبو تمام أنها من أفضل ما تركه السابقون، وتلقاها نقاد الأدب
على مر التاريخ بالقبول والاحتفاء، وقد كان أبو تمام يُيَمِّم نحو بغداد راجعاً من
بلاد فارس فنزل الثلج عليه وهو عند صديق له في همذان، وانقطع به السبيل هناك،
فأصابه ضيق من ذلك، فما كان من صديقه إلا أن جلب له ما في خزانته من الكتب، وهي
كثيرة، فعكف أبو تمام عليها يقرأ حتى أتى عليها جميعاً، وصنف في تلك الإقامة خمسة
كتب كما يذكر مؤرخو الأدب، وقد بقي من تلك الكتب كتابان هما ديوان “الحماسة”
و”الوحشيات” أو (الحماسة الصغرى) .
قيل إن أبا تمام “كان في اختياراته أشعر منه في شعره”، وتشير هذه
المقولة إلى مفارقة بين ما اختاره أبو تمام من شعر مَنْ سبقوه وبين ما ألفه هو من
أشعار، فرغم أن أبا تمام كان صاحب نزعة جديدة في الشعر، وعرف بأنه رائد شعر الصنعة
الذي خرج به عن نهج الأقدمين في عمود الشعر، حين أكثر عن قصد من فنون البديع في
شعره، وتصيدها بسبق إصرار، ولم يكن الشعراء في العصور التي سبقته يتقصدون البديع
ولا يأتي في شعرهم إلا عرضاً، ودون تكلف، ورغم ذلك فإن هذا الاتجاه لم يؤثر في
اختياره، ولم يتعسف في البحث عن شعر سابق يعزز به نهجه الجديد الذي حمل لواءه، وفضل
في اختياره أن يكون ناقداً محايداً يختار الشعر الجيد بغض النظر عن زمانه وصاحبه،
وهو منهج علمي حمده عليه الكثيرون .
وقد قال عنه المرزوقي شارح الحماسة: “وهذا الرجل لم يعمد من الشعراء إلى
المشتهرين منهم دون الأَغْفال (المجهولين) . . ولا من الشعر إلى المتردد في الأفواه
المجيب لكل داع . . وجمع ما يوافق نظمه ويخالفه، لأن دروب الاختيار لم تخف عليه،
وطرق الاستحسان لم تستتر عليه” .
هذا الموقف العلمي الرصين الذي وقفه أبو تمام في مُصنَّفه نادر، وقد
رأينا كيف أن كل صاحب اتجاه شعري أو نقدي جديد يسعى جاهداً إلى أن يشطب على سابقيه،
وينكر إبداعهم، وحين يصنف عنهم، لا يختار إلا من الزاوية الضيقة التي يراها، ولا
يبحث إلا عن الشعر الذي يؤكد نهجه، ويشد أزر مذهبه، وهذه ذاتية بعيدة عن الموضوعية،
رأيناها في كتب كثيرة، وحتى في تاريخنا الحديث الذي يفترض أن الخبرة فيه بالمناهج
العلمية والالتزام بها أقوى، لكن المفارقة أن حملة كل أصحاب طريقة شعرية جديدة على
أسلافهم من الشعراء صارت أشد وأدهى، ولا نزال نتذكر كتباً مثل “في الميزان” للعقاد
والمازني، و”الغربال” لميخائيل نعيمة اللذيْن حمل أصحابهما حملة شعواء على كل من
سبقوهم، وكل من خالفوهم في نهجهم الشعري، وسلبوهم كل فضيلة شعرية
.
لقد كان أبو تمام حصيفاً في نهجه، ودقيقاً في اختياره، ودلل بمنهجه على
أن الرؤية الموضوعية هي التي تصمد أمام الزمن، وأن نزعة تدمير الشعر المخالف لرؤانا
الأدبية، لن تمحو الإبداع من التاريخ، ولن تبقي ما ليس بإبداع، وغايتها أن تكون
نقطة سوداء في تاريخ صاحبها .
الخليج:
|
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الجمعة، 4 أكتوبر 2013
موضوعية أبي تمام
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق