أفق
“طائر أزرق يحلق معي”
تاريخ النشر: 22/02/2014
محمد ولد محمد سالم
لا بد لمن يقرأ رواية "طائر أزرق يحلق معي" للكاتب المغربي يوسف فاضل التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العربية للرواية "البوكر العربية" للعام الجاري، أن يتوقف عند الطريقة البديعة التي رسم بها أسلوب السجين عزيز في تزجية الوقت في حفرته التي يقبع فيها في سجن القصبة، وكيف تمر عليه الأشهر والسنوات وهو يحاول أن يتحاشى لدغة تلك العقرب التي تتجول قرب جسده المتهالك، أو كيف يصرف الساعات الطويلة والأيام والليالي في عدّ قطرات المطر التي تتساقط من سقف زنزانته في الشتاء، أو في عد نبضات أصبع قدمه المنتفخة قيحاً وألماً بسبب عضة فأر، تفاصيل دقيقة وبارعة نجحت في التعبير عن وضع سجين هيئت له أسباب الموت، وترك ليتآكل جسده، في ذلك العالم ينسى أنه كان بشراً أو أنه يمكن أن يرجع إنساناً طبيعياً في يوم ما، ويتضاءل تفكيره حتى يصبح في حدود تفكير عقرب لا تريد سوى الانتقال درجة أعلى في ثقوب جدار متهرئ .
نكتشف بعد ذلك أن عزيز كان في حياته الأولى طياراً شاباً دفعه الانبهار بشخصية قائده الكولونيل إلى المشاركة في الانقلاب الفاشل الذي قاده ذلك الكولونيل، وكانت النتيجة أن أودع الانقلابيون السجن، لكي يموتوا بتلك الطريقة التي كان ينبغي أن يموت بها عزيز، لكن الرواية بدل التركيز على الانقلاب ومعاناة أصحابه تنصرف إلى متابعة رحلة البحث التي تقوم بها زينة زوجة عزيز بعد عشرين عاماً من اختفائه، وعن طريق تقنية تعدد الأصوات يقدم لنا الكاتب تفاصيل حياة عزيز وزينة، وجانباً من واقع السجن والسجانين الذين لا همّ لهم سوى انتظار أن تنفق روح السجين كما تنفق الشاة العجفاء في صيف مجدب، بعد أن منعوا عنه الأكل والشرب، لكي يحفروا له حفرة ويرموه بين أكداس العظام الأخرى .
يبدو يوسف فاضل كاتباً متمرساً بأدوات الرواية خاصة من ناحية مستويات اللغة والقدرة على صناعة مشهدية ذات دلالة عميقة من خلال الوصف، لكنّ الرواية وقعت في مشكلة بنيوية، فهي في قالبها الزمني تبدأ برحلة زينة وتنتهي مع نهاية الرحلة، وتتخللها عمليات استرجاع لتاريخ الشخصيات والأحداث، وهذا الإطار يفرض أن تروى الأحداث من طرف زينة وبالتوازي مع مراحل بحثها، لكن الكاتب لجأ إلى تقنية تعدد الأصوات، مما يفقد القارئ الإحساس بالتقدم ويصيب النص بالسكون، كما أن أنسنة الكاتب لشخصية "الكلبة"، حيث جعلها تفكر وتقوم بعملية تنفس اصطناعي للسجين لإنقاذه، وتروي بعض الأحداث، وتحفر عن السجين بعد دفنه وتخرجه وتعيده إلى زنزانته، وكأنها إنسان عادي، من دون أن يكون هناك ما يبرر ذلك، أو يوحي بأنه خيال أو حلم أو تصور وهمي لدى إحدى الشخصيات، هذه الأنسنة أفقدت الرواية في بعض فقراتها الصدق الفني المطلوب، وأوقعتها في تداخل عوالم متناقضة من دون تبرير .
dah_tah@yahoo.frلا بد لمن يقرأ رواية "طائر أزرق يحلق معي" للكاتب المغربي يوسف فاضل التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العربية للرواية "البوكر العربية" للعام الجاري، أن يتوقف عند الطريقة البديعة التي رسم بها أسلوب السجين عزيز في تزجية الوقت في حفرته التي يقبع فيها في سجن القصبة، وكيف تمر عليه الأشهر والسنوات وهو يحاول أن يتحاشى لدغة تلك العقرب التي تتجول قرب جسده المتهالك، أو كيف يصرف الساعات الطويلة والأيام والليالي في عدّ قطرات المطر التي تتساقط من سقف زنزانته في الشتاء، أو في عد نبضات أصبع قدمه المنتفخة قيحاً وألماً بسبب عضة فأر، تفاصيل دقيقة وبارعة نجحت في التعبير عن وضع سجين هيئت له أسباب الموت، وترك ليتآكل جسده، في ذلك العالم ينسى أنه كان بشراً أو أنه يمكن أن يرجع إنساناً طبيعياً في يوم ما، ويتضاءل تفكيره حتى يصبح في حدود تفكير عقرب لا تريد سوى الانتقال درجة أعلى في ثقوب جدار متهرئ .
نكتشف بعد ذلك أن عزيز كان في حياته الأولى طياراً شاباً دفعه الانبهار بشخصية قائده الكولونيل إلى المشاركة في الانقلاب الفاشل الذي قاده ذلك الكولونيل، وكانت النتيجة أن أودع الانقلابيون السجن، لكي يموتوا بتلك الطريقة التي كان ينبغي أن يموت بها عزيز، لكن الرواية بدل التركيز على الانقلاب ومعاناة أصحابه تنصرف إلى متابعة رحلة البحث التي تقوم بها زينة زوجة عزيز بعد عشرين عاماً من اختفائه، وعن طريق تقنية تعدد الأصوات يقدم لنا الكاتب تفاصيل حياة عزيز وزينة، وجانباً من واقع السجن والسجانين الذين لا همّ لهم سوى انتظار أن تنفق روح السجين كما تنفق الشاة العجفاء في صيف مجدب، بعد أن منعوا عنه الأكل والشرب، لكي يحفروا له حفرة ويرموه بين أكداس العظام الأخرى .
يبدو يوسف فاضل كاتباً متمرساً بأدوات الرواية خاصة من ناحية مستويات اللغة والقدرة على صناعة مشهدية ذات دلالة عميقة من خلال الوصف، لكنّ الرواية وقعت في مشكلة بنيوية، فهي في قالبها الزمني تبدأ برحلة زينة وتنتهي مع نهاية الرحلة، وتتخللها عمليات استرجاع لتاريخ الشخصيات والأحداث، وهذا الإطار يفرض أن تروى الأحداث من طرف زينة وبالتوازي مع مراحل بحثها، لكن الكاتب لجأ إلى تقنية تعدد الأصوات، مما يفقد القارئ الإحساس بالتقدم ويصيب النص بالسكون، كما أن أنسنة الكاتب لشخصية "الكلبة"، حيث جعلها تفكر وتقوم بعملية تنفس اصطناعي للسجين لإنقاذه، وتروي بعض الأحداث، وتحفر عن السجين بعد دفنه وتخرجه وتعيده إلى زنزانته، وكأنها إنسان عادي، من دون أن يكون هناك ما يبرر ذلك، أو يوحي بأنه خيال أو حلم أو تصور وهمي لدى إحدى الشخصيات، هذه الأنسنة أفقدت الرواية في بعض فقراتها الصدق الفني المطلوب، وأوقعتها في تداخل عوالم متناقضة من دون تبرير .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق