بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 10 أبريل 2014

"سكاكين" في جسم متفسخ


أفق
"سكاكين" في جسم متفسخ
تاريخ النشر: 09/04/2014
كثير من الهجاء المقذع للواقع وكثير من النقد الذي يأخذ شكل خطاب مباشر على لسان الراوي، وكثير من التفكك والتحلل في شخصيات الرواية يصل لحد الخرافة، تلك هي العناصر البارزة في رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" لخالد خليفة التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، وقد سبق لخليفة أن وصلت روايته "مديح الكراهية" إلى هذه القائمة في سنة 2010 .
يحكي خالد خليفة في روايته الجديدة عن أسرة حلبية تعيش تداعيات الحياة في ظل نظام قمعي تسلط على الدولة منذ الستينات وقلب حياة الناس إلى رعب دائم، صنعه عن طريق أجهزته الأمنية والعسكرية التي سلبت الإنسان شرف إنسانيته، وأحالته إلى شخصية خاوية خالية من أي طموح، يعيش حياة موازية للحياة الطبيعية كأنه بهيمة .
تبدأ الرواية بحكاية الأم المدرّسة وأولادها بعد أن هجرها أبوهم الذي هاجر مع أمريكية، تبدو الأم حذرة خائفة على أبنائها، توصيهم بألا يختلطوا بغيرهم من الأطفال، وألا يجلبوا أياً منهم إلى المنزل، معتبرة أن الناس الجدد الذين بدأوا يغزون المدينة بعد انقلاب 1963 هم من أهل الريف المتخلفين الذين سيدنسون بسلوكهم وعاداتهم وجه المدينة الأصيل، في المقابل تبذل كل جهدها في تأثيث منزلها على الطراز العثماني التقليدي الذي كان سائداً في حلب، لكنّ الفساد السياسي والخوف جعل القادمين الجدد المرتبطين بالحزب والأمن يحتلون المدينة ويغيّرون طابعها، ما جعل الأم تصاب بالصدمة، وهي ترى كل ما أحبته يتداعى من حولها، ويؤول بها الأمر إلى حالة من الجنون والهذيان الدائم .
يتتبع الكاتب حياة أبناء هذه المرأة خاصة سوسن وسعيد، سوسن تعمل مخبرة للحزب وتضطرب حياتها، وتنحرف وتسافر إلى الخارج ثم تعود محبطة، لتمارس حياة الانحراف من جديد، وسعيد يعمل عازفاً في ملهى ليلي، ويضطرب هو الآخر ويلتحق بالجهاديين في العراق، ثم يعود ليعيش فترة اضطراب أخرى تسلمه إلى الانتحار، أما الابن الثالث وهو الراوي فهو كما يقول عن نفسه شخصية بلا طموح ولا مآرب يعيش موازيا للحياة التي اختطفها الزعيم وأعوانه، وتتبع الرواية أيضاً شخصيات ثانوية كخالهم نزار المنحرف، وجان المسيحي وأمه، وعمتهم ابتهال .
كانت بداية الرواية شيقة، وكان يمكن أن تؤدي إلى رؤية معينة لو أن الكاتب تتبع حالة الأم في مواجهتها للواقع، وطورها في أفق حكائي يصل إلى نهاية واضحة، لكنه فكك روايته عندما تحول إلى تتبع سير ذاتية متفرقة لكل فرد من أفراد الأسرة والأفراد المرتبطين بهم، فغاب عن الرواية في ثلثيها تقريباً نسق عام يجمع شتاتها، وتحولت إلى تداع محبط لحياة شخصيات منحرفة، يغتنم الكاتب من خلاله كل فرصة يجدها لهجاء سياسي مباشر، وبذلك فوت على نفسه فرصة أن يكتب رواية ممتعة، ومع ذلك فقد أفلح الكاتب في غرز سكاكينه في الجسم المتفسخ لنظام قمعي رهيب .
محمد ولد محمد سالم
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/558f732a-2d34-4669-ac9e-b3a8217bbf6d#sthash.LbsVy1P9.dpuf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق