بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 15 أبريل 2013

نقاشات رواية "مولانا"





محمد ولد محمد سالم
تتناول رواية “مولانا” لإبراهيم عيسى التي وصلت إلى القائمة القصيرة في البوكر العربية 2013 حياة داعية ديني تلفزيوني، وكيف تتشابك علاقة ذلك الداعية مع مجتمع المال والدعاية التلفزيونية وترتبط بخيوط سرية بجهاز الأمن وبأعلى قمة الهرم في السلطة .

يعيش مولانا الشيخ حاتم شخصيتين، شخصية ظاهرة هي شخصية الداعية المفتي الذي يقدم للناس الرأي بناء على ما تقرر عند الفقهاء المتقدمين، ويسعى إلى إرضاء جهاز الأمن بحيث لا تثير فتاواه أية خلافات أو تشويش لدى الجمهور من شأنه أن يعكر صفو السلطة الحاكمة، وتؤمن له تلك الشخصية الثراء الذي يسعى وراءه بنهم لا يشبع، وهي شخصية قابلة للتشكل حسب الخطة الدعائية للبرنامج الذي يظهر فيه مولانا، والفئة العمرية التي يتوجه إليها، مما جعله شيخا معاصرا، أما الشخصية الثانية التي يعيشها الشيخ حاتم سرا فهي شخصية “الفقيه الحداثي” الذي يحمل آراء فقهية وعقائدية صادمة لا يستطيع أن يبديها إلا للخاصة لأنه لو باح بها علناً فسوف تثير الجمهور وتحرك جهاز الأمن، وتؤدي به إلى الهلاك .

لا تقدم رواية مولانا “حكاية” متكاملة من بدايتها إلى نهايتها، ولكنها تقدم مواقف ومناسبات مرتبطة بشخص “مولانا”، يختارها إبراهيم عادة للتمهيد للدخول في قضية من القضايا الفقهية والعقائدية قصد نقاشها وإبداء الرأي فيها، وتكون البداية بحلقة دينية نكتشف من خلالها قدرة الشيخ حاتم على التنقل بين الأوضاع المختلفة لشخصيته، فهو على الواجهة شيخ ملتزم وقور، وخلف الكواليس عابث وصانع نكات، وفي قرارته يتوق إلى إبراز آرائه الحقيقية، ثم ينقلنا الكاتب بعد ذلك إلى دعوة مسائية دعيت إليها وجوه من ساسة ورجال أعمال وضباط أمن وشيوخ دين، وحضرها الشيخ حاتم ليقوم نقاش بينه وبين أحد شيوخ العلم حول قضية أهل الذمة ووضع الأقباط في مصر، وبعد ذلك ينقلنا إلى قصر ابن الرئيس، وهناك يكلف الشيخ بمهمة إقناع الفتى حسن شقيق زوجة ابن الرئيس بالرجوع عن آرائه الفكرية، ليبدأ بينهما نقاش مستفيض يأتي على كل القضايا العقائدية والأخلاقية، وهكذا تبدو كل علاقات الشيخ حاتم موجهة لهذا الغرض، فهو يناقش مع القسيس القبطي قضايا الأقباط، ويبدي لنادر الفنان الكوميدي آراءه في الفن، وكذلك يفعل مع رجل الأعمال .

إبراهيم عيسى كاتب صحفي، لا مراء في قدراته اللغوية والأسلوبية، لكن المأزق الذي وقع فيه في رواية “مولانا” هو أنه أراد أن يحسم من خلال الرواية إشكاليات فقهية وعقائدية مطروحة في حاضر المجتمع المصري، ولم يتجه إلى الرواية بغرض كتابة رواية “حكاية” فجاء كتابه مجموعة من النقاشات الطويلة المملة للقارئ الباحث عن الحكاية المشوقة والبعد الإنساني في الرواية .


http://www.alkhaleej.ae/portal/db2ffc4b-bbcc-4b65-adbe-622f4bcccf30.aspx


الثلاثاء، 29 يناير 2013

"القندس" وغياب المنظور الروائي

محمد ولد محمد سالم
يمتلك الروائي السعودي الشاب، محمد حسن علوان، قدرات سردية كبيرة، ولغة سلسة تجنح في أحيان كثيرة إلى استعارة أدوات الشعر، خصوصاً في الوصف المبني على الاستعارة والمجاز، هذا ما يتجلى في روايته “القندس” التي وصلت إلى القائمة القصيرة من الجائزة العالمية للرواية العربية لهذا العام .
تدور الرواية حول حياة “غالب” الرجل الأربعيني العاطل عن العمل الذي قضى كل عمره في حياة فارغة عابثة، معتمداً على ما يستدره من أبيه التاجر، وكذلك حياة أسرته الممزقة التي يضع كل فرد فيها سداً حول نفسه وحياته الخاصة، ويكتشف غالب أثناء فسحة صيد على شاطئ نهر في مدينة بورتلاند في أمريكا أن هناك شبهاً بين أفراد أسرته وبين حيوان “القندس” الذي يراه للمرة الأولى، ففي شكل ذلك الحيوان وسلوكه في العزلة والفردانية وبناء السدود التي تصد الآخرين عنه، شبه بينه وأسرة أبو غالب ومن يمت لهم بصلة، وهنا يبدأ البطل في استعادة سيرة حياته وعلاقته بأبيه وأمه اللذين افترقا بعيد ميلاده بقليل، وبأخته الشقيقة وإخوته لأب، ومسيرته الدراسية الفاشلة التي انتهت قبل أن يحصل على الشهادة الجامعية، وساعات السهر الطويلة الفارغة في بيته مع أصدقائه، وعزوفه عن العمل مع أبيه المتسلط، وتنتهي الرواية باستدعاء غالب من بورتلاند إلى الرياض بسبب تدهور صحة والده الذي لا يلبث أن يموت، وعند إحصاء الإرث يكتشف غالب وإخوته أن أباهم لم يكن غنياً كما يظنون، ويجد غالب نفسه في مواجهة مستقبل لم يستعد له .
يتحكّم علوان في خيوط اللعبة السردية بشكل جيد جعله قادراً على المناوبة بين مختلف لحظات السرد باحتراف، لكن الرواية لم تستطع أن تتجاوز واجهة السرد الظاهري لحياة بطلها إلى تقديم منظور إنساني أو فكري، فنحن أمام استعراض سطحي لحياة أسرة متنافرة من دون سبب عميق، رغم أن كل أسباب التواصل التي عادة تكون بين أفراد الأسرة موجودة، وشاب عاطل على مدى عشرين عاماً من دون أن يكون هناك مبرر لهذه البطالة، وصورة مكررة لأب يتحكم في أفراد أسرته . وقد ساعد على ذلك التسطيح هيمنة صوت المتكلم المفرد (غالب)، حتى في الحالات التي كانت تحتاج إلى صوت الراوي المحايد، ما جعل الرواية رهينة لرؤية غالب الضبابية، وكراهيته غير المبررة لأفراد أسرته .
قد يتمتع قارئ “القندس” بلغتها وتدفق السرد فيها، ولن يجد ما يدفعه إلى التعاطف مع شخصياتها أو النفور منها، أو إلى تكوين وجهة نظر أو موقف فكري، لن يجد ما يجعله يعيش تجربة إنسانية أو فكرية عميقة .


الأحد، 6 يناير 2013

الكتاب هو الإنسان

ذاكرة عابرة للزمان والمكان
الكتاب مدونة الإنسان آخر تحديث:الاثنين ,12/11/2012
محمد ولد محمد سالم
أحس الإنسان بالفناء يهدده من كل ناحية، الجسد يبلى ويضمحل ثم يفنى، ويتلاشى وتذهب ريحه، والذاكرة التي اعتمد عليها وأسس لاستمرارها بنقل محتواها من السابق إلى اللاحق وجد أنها مهددة بعوامل أخرى في مقدمتها النسيان الذي يجعل اللاحق غير دقيق في نقل المعلومة وإيصالها إلى من يأتي بعده، ومنها أيضا تعمّد تغيير المعلومة وتوجيه محتواها من طرف ناقلها، ولكي يتغلب الإنسان على ذلك النقصان لجأ إلى تعميم المعلومة بين أفراد المجتمع لتكوّن ذاكرة جماعية تستعصي على عوامل النسيان والتشويه، ورغم ذلك تشعبت الذاكرة الجماعية وتعددت رواياتها، ودخلها الاختلاف، والتعارض الذي هو في ذاته نوع من الاضمحلال، يعيد الإنسان إلى الصفر، إلى نقطة البداية، لأنه يجعل حقيقته التي أراد توثيقها وتخليدها مشكوكاً فيها، يجعلها غامضة متلاشية، هنا لجأ إلى الكتابة، اخترعها رسماً ثم حرفاً يحفر به هويته، طموحه، نضاله، صبره، مثابرته، مواجهته التراجيدية مع قوى الطبيعة، مغامرته لإثبات وجوده، تميزه ككائن فريد على وجه الأرض، وتفوقه على سائر المخلوقات، هكذا كانت الكتابة، عنوانا على الإنسان من حيث هو إنسان يمتلك إرادة وعقلاً يتصرف به في الكون ويعيد به ترتيب الموجودات لتلائم حياته، وتحقق مقاصده .
آلة إبقاء الهوية أو توثيق الأثر في الكون ظلت تتطور وتتعزز بفعل الاختراعات المتتالية عبر الزمن إلى أن رست على شكلها الراقي، شكلها المكتمل مضمونياً وفنياً، والذي أطلقت عليه اسم “الكتاب«، وهو أرقى سلاح رفعه الإنسان في وجه الفناء، لأنه به خلد إنسانيته، خلد روحه وعقله وإحساسه، حتى ابتلاءات جسده خلدها، فلم يشذ شيء من لحظات الوجود الإنساني عن ذلك الاختراع السحري الذي احتال به على مصيره المحتوم، ليبقى الإنسان كمفهوم مجرد إذا بليت مادة وجوده وتحللت وفنيت .
الكتاب أقوى أسلحة البقاء لأنه مستمر في الزمن، فالشعوب تتفرق وتهاجر وتتحول هوياتها، والكتاب يستعصي على الزمن، ينسخ من ورق لورق، ويتنقل من يد ليد ومن تلك إلى أيد، ثم إلى عصر فدهور .
بالقلم والمداد والورق صنع الإنسان ذاكرته، ليحافظ على سلم تطوره، ويكرس نفسه الكائن الوحيد المتفوق في هذه الحياة، ويدجن الكائنات الأخرى فيذلّلها لخدمته، لم يعرف الفيل ولا الأسد سبيلاً إلى الكتابة، ولا عرفها غيرهما من الحيوانات، كبيراً أو صغيراً، قوياً أو ضعيفاً، فظلت كلها رهينة وجودها الأول، ولم يختلف أخلافها عن أسلافها، كأنها جاءت إلى الدنيا اليوم، وكأن آخر مولود فيها هو أوله، أما الإنسان فدون كل لحظة من لحظات وجوده، وكل تجربة من تجارب حياته، وتركها لنسله، ليقرأوها وتعيها عقولهم، ويبنوا عليها حياتهم، فهو أبدا لا يبدأ من الصفر، ولا يعود إلى المربع الأول الذي بدأ منه آدم، وإنما يختزل بين دفتي كتابه، كتابِ الوجود الإنساني، تجاربَه وتاريخ فعله في الوجود، ليستفيد منها من خلفه ويضيف إليها، وتبقى دائما هناك صفحات فارغة ليأتي آخرون فيملأوها .
في الكتاب نقرأ روح الإنسان لأنه دون فيه نوازع تلك الروح ومعتقداتها، وتوقها إلى الخلود، والانعتاق من مادة الجسد، وتعلقها بما وراء الوجود الفيزيائي المتحلل الفاني المخالف لطبيعتها الروحانية الخالدة، واستجابة لهذا التوق نزلت الرسالات السماوية خطاباً قولياً، وسميت كتباً، لأنها قابلة لأن تنسخ بالقلم والمداد على الورق، وتنقل من سابق للاحق، لتبقى مع الإنسان حيث ما حل أو ارتحل، تبشره بذلك الخلود الذي تاقت روحه يوما إليه، وتشرح له طريقة الترقي والمعراج إلى ذلك الخلود .
في الكتاب عقل الإنسان، فلسفته البدائية حين رأى أن الكون خلق من العناصر الأربعة الماء والهواء والتراب والنار، ومن امتزاج بعض عناصرها وتنافر البعض الآخر نشأت كل الكائنات الأخرى، وقد دون تلك الرؤى لتبقى للخلف، ثم فسلفته المتطورة مع عقلانية سقراط وروحانية أفلاطون، ومنطق أرسطو الذي اعتبره الفكر القديم المثيل الصوري للعقل، واحتكموا إليه في كل شيء، وبنوا عليه سائر علومهم حتى المادي منها على مدى عصور طويلة إلى أن جاء فرانسيس بيكون ووضع المنهج العلمي القائم على التجربة الحسية، وأدار هو وفلاسفة العلوم من بعده ظهورهم لمنطق أرسطو والفلسفة العقلانية برمتها، ليسجل الكتاب انبثاق العلوم التجريبية الواحد تلو الآخر ويواكب تطورها وتوسعها، وتشعب كل منها إلى علوم لا حصر لها، لكن ظهور العلوم الدقيقة وضع المنهج التجريبي في مأزق، لم يستطع الخروج منه إلا بقبول مبدأ الاحتمال والظنية، لتتسرب العقلانية من جديد وينفتح الباب أمام ما عرف بالفلسفات الإنسانية، التي ستذهب بالعقل بعيدا في غمار اتجاهات الإدراك والشعور وغيرها من الظواهر التي لا يزال العقل البشري العجيب ينقلها من ذاتي صرف إلى موضوع للعلم، ويسجل براءة اختراعها في كتابه الذي لا يفارقه .
في الكتاب تاريخ المشاعر البشرية، وتقلبات الوجدان بين الفرح والحزن، والحب والبغض، والإقبال والصد، النصر والهزيمة، الوجدان والفقدان، وغيرها من انفعالات النفس البشرية التي لا تتوقف، تعيش القلق الوجودي بمعنييه، الإيجابي والسلبي، كأن الريح تحتها تحركها أينما اتجهت، على حد عبارة الشاعر الخالد أبي الطيب المتنبي، رسم الإنسان تلك المشاعر بالكلمة فكانت شعرا وبالوتر فكانت لحنا وبالريشة فكانت فناً تشكيلياً .
دواوين الشعر، عربية وأجنبية قديمة وحديثة، لا تزال تتداولها الأيدي وتذهب من قارئ لقارئ، وتقف سجلاً شاهداً على ذلك التاريخ الطويل من المشاعر، نقرأها فنهتز بها، وننفعل كأننا نحن ذلك الشاعر الذي كتبها، رغم أنه قد تكون آلاف السنين تفصلنا عنه، لكنها تجربة مدونة نجد نحن فيها عزاءً لضعفنا وسندا لقوتنا، وتعمق قيم الإنسانية فينا .
في الموسيقا والغناء يشهد كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني على ما أسداه الكتاب لهذه الصناعة من خدمة، فقد ضمن الأصفهاني كتابه كل علوم اللحن وشواهده وشرح مقاماته ومناسباته، وأنواع النصوص التي تغنى مع كل لحن، وآداب مجالسه، وغير ذلك من تقاليد الطرب، فكان كتابه دستورا باقيا ينهل منه الملحنون في كل عصر ويلجؤون إليه عند غياب المعلم واختفاء الآلة، وقد حذا حذوه كثير من الكتاب في عصور لاحقة فزادوا تراثه بما استجد في عصورهم، والظاهرة لا تقتصر على العرب، بل تعم الأمم الأخرى، وما يقال في الموسيقا يقال في الفنون التشكيلية وسائر الإبداعات البشرية حفظها ذلك الاختراع السحري الخالد .
في عصرنا الحاضر أصبح الكتاب في كل مكان، في البيت وفي المكتب وفي الحقيبة، وفي القطار، وتطور شكله ونوعه بشكل جذري، فأصبح إلكترونياً، لا يشغل حيزاً في المكان ويسهل حفظه واسترجاعه واقنتاؤه بالملايين، ولم يعد عمر المرء يكفي لقراءة كم الكتب التي يخزنها في ذاكرة جهازه، وشمل الكتاب الحديث كل الموضوعات، لم يترك مهماً ولا حقيراً منها إلا ووثقه ونشره، تشعب بتشعب الوعي البشري، وجنوحه إلى الاستفادة من كل شيء، وإخضاعه كل موضوع للدراسة والبحث . فنيا أصبح الناشرون يتفنون في إخراج الكتاب ليكون جذابا، وليعطي غنى بصريا للقارئ قبل أن يلج إلى داخله الذي يفترض أن يعطي هو الآخر غنى عقليا، وأصبح الكتاب تمثيلا للعقل البشري، يبوب ويفصل على حسب تفصيلات التفكير العقلي لكاتبه، مما ارتقى به أكثر، وعزز ارتباط القارئ به، على الأقل في ناحية الكتاب الورقي .
لو لخصنا مفهوم الكتاب اليوم لقلنا إنه باختصار هو (الإنسان) في كل تفاصيله الوجودية، وفي علاقته مع كل ما يحيط به، فمن لم يقرأ الكتاب لم يفهم الإنسان، ولم يعش تجربة الوعي الإنسانية في بعده المثالي الراقي، ومن لم يقرأ لم يخرج من إهاب الحيوانية إلى حلة الإنسانية، ولم ينخرط في مغامرة البشرية الجميلة لمواجهة الزمن

السبت، 29 ديسمبر 2012

الإبداع لا شبيه له

أفق
الإبداع لا شبيه لهآخر تحديث:السبت ,29/12/2012
محمد ولد محمد سالم
كان الفتح الذي جاء به الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في الرواية العالمية أنه فتح أعين العالم على حياة كانت مجهولة له إلى ذلك الوقت، هي حياة سكان القرى في المستنقعات الكبرى في كولومبيا وما تأسست عليه من معتقدات وخرافات، جعلت الناس يعيشون تلك الخرافات كأنها حقائق ويؤثر في حياتهم اليومية بشكل مباشر، وكان ماركيز أميناً في رسم تلك المعتقدات، فلم يسع إلى دحضها أو تأويلها، أو البحث لإنسان كولومبيا أو أمريكا اللاتينية عموماً عن مبررات عقلية تغطي تلك التصورات الخرافية، ومن هنا جاءت رواياته، وخاصة “مئة عام من العزلة” تحمل حرارة الطبع الإنساني بكل مظاهره، فتقدمه كما هو من غير إضافات أو تشذيبات، وتلك هي الميزة الكبرى لهذه الرواية، فقد وفق في قنص ما يميّز مجتمعه، وما يميّز الإنسان في تلك البقعة من العالم، وأصبحت كتاباته عنواناً على اتجاه معين في الكتابة سمي “الواقعية السحرية”، وقد عبر مرات عن مدى المفاجأة التي أخذته من عظم نجاح روايته تلك، فلم يكن يتوقعه .

قد يكون أحد العوامل الحاسمة في نجاح رواية ماركيز هو أنها جاءت في فترة كان العالم، وخاصة الغرب الذي ابتكر الرواية، قد شبع حتى ملّ من الواقعية الميكانيكية التي لا تعدو أن تكون محاكاة فجة للواقع، وملّ مشاهد الحياة المكررة فيها، تحت تأثير فلسفات لا تؤمن إلا بالتجربة، ولا تقيم وزناً للخيال، وهو لايزال حديث عهد بحروب دمرته وقتلت روحه، فكان أن جاءت الواقعية السحرية لماركيز لتسدّ تلك الحاجة النفسية لتلك المجتمعات، ولتخرج الرواية من أزمتها، وتفتح لها أفقاً جديداً بإطلاقها للخيال إلى آفاق لا يحدها الواقع، ولا نهاية لها .

تجربة الرواية لدى ماركيز وغيره من الكتاب المبدعين تعلمنا أن الإبداع ليس شيئاً نستورده من غيرنا، ولا يوصل إليه بإزهاق النفس في التقليد الأعمى للمبدعين، فلن يستطيع أي كاتب أو فنان أن يبدع ما دام يفصّل عباءة أعماله على مقاييس الآخرين، ويضع نصب عينيه أن يحاكيهم في ما أنجزوه خطوة بخطوة، ليس هذا هو سبيل الإبداع، بل هو مختلف، يبدأ من الذات المبدعة، ومن واقع هذه الذات، بالبحث عن خصائصها وما يميزها وما يمكن أن تقدمه للآخرين، مما لا يعرفونه، ويكون جديداً عليهم، فتاريخ الثقافة والإبداع هو تاريخ الإضافة والاختلاف، وليس التكرار والتشابه .

إن أهم درس يتعلمه الكاتب أو الفنان هو أن يكتب عما يعرفه، وما خالطت خبرته العقلية فيه خبرته الوجدانية واندغمتا حتى صارتا سبيكة واحدة، لأن تلك المعرفة هي التي ستنجده لتقديم صيغ من الإبداع لا شبيه لها، يعلن بها عن نفسه وعن هويته كذات متميزة وكمجتمع وسياق تاريخي وحضاري له خصوصيته وفرادته
dah_tah@yahoo.fr

http://www.alkhaleej.ae/portal/57b56399-8556-441e-a5a6-8ae135a80daf.aspx

الجمعة، 31 أغسطس 2012

الفردانية وقيم الإنسانية

أفق


الفردانية وقيم الإنسانية
                        آخر تحديث:الجمعة ,31/08/2012

محمد ولد محمد سالم

من غرائب الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام خلال الفترة الماضية قصة الفتاة البريطانية التي أنفقت عشرات آلاف الجنيهات على عمليات التجميل لتبدو مثل الدمية الشهيرة “باربي”، هذا الخبر يذكّر بمجموعة من الأخبار الغريبة التي نسمع عنها بين الحين والآخر مثل مسابقة أقبح ضحكة، ومسابقة أكثر الرجال نهماً، وغيرها من الأخبار التي لا يحكمها منطق ولا ذوق، ولا تدل إلا على درجة العبثية التي يمكن أن يصل إليها الإنسان حين ينسلخ من كل معيار، ويخرج من كل سلطة، حتى سلطة العقل .
قبل سنوات طرحت على التفكير الإنساني إشكالية الاستنساخ عندما نجح علماء الوراثة في استنساخ النعجة “دولي”، فكان التساؤل: هل يحق للإنسان أن يقْدم على عملية استنساخ ذاتية؟ وجرى نقاش طويل بين مدّع أنه حق طبيعي للأفراد، وبين مبطل لهذا الحق لأسباب أخلاقية، فمن غير المعروف ما هي طبيعة هذه “النسخة” التي ستخرج، فهل ستصبح تمثيلاً نفسياً للأصل كما هي تمثيل بيولوجي مطابق تماماً له، وهل نموّها سيكون نمو إنسان بتفكيره ومشاعره، أم ستصير مجرد حيوان، وإذا رغب كل واحد من الأغنياء في العالم في طباعة آلاف النسخ منه، فماذا سيكون شكل المجتمعات؟ وما الذي سيحكم العلاقة بين الأصل والتقليد . . إلخ .
قد تبدو تلك المبادرات شخصية تتعلق بحقوق الفرد وممتلكاته الخاصة وحريته الذاتية، لكن لو أنفقت كل فتيات العالم الأموال لكي يصرن مثل باربي، أو أنفق كل فرد أمواله ليصنع لنفسه نسخاً، أو أنفقت الأموال الطائلة على مهرجانات عبثية، فما الذي سيحدث؟ أليس لهذا انعكاسات اجتماعية واقتصادية على المجتمع، فهل يصح عند ذلك أن يقال هذه حرية شخصية، ألا يحق للمجتمع عند حد معين أن يتدخل لإيقاف هذا الهدر والامتهان للحياة الإنسانية، وللحفاظ على “حقوق” الإنسانية، وليس الإنسان فقط، لقد اتخذت أمريكا منذ سنوات قراراً بمنع الاستنساخ البشري لأسباب أخلاقية ودينية، وهو من منظور الفلسفة البراغماتية والتيارات الفردانية تدخل في حقوق الفرد، لكنه من منظور جوهر الإنسانية هو شكل من أشكال الحفاظ على “النوع” حتى لا يصير عبثاً بأيدي العابثين .
في مجتمعاتنا العربية قد لا تبدو تلك الإشكاليات مطروحة اليوم، لأن مثل تلك النزعات الغريبة للأفراد غير موجودة، أو لأن سلطة المجتمع لا تزال قوية على الوقوف في وجهها، لكن استشراء الدعوة إلى الفردانية وقوة التيارات التي تقدس الخصوصية الفردية على حساب المجتمع وقيمه، ستؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى طرحها، وعلى المجتمع العربي أن يكون قادراً إذ ذاك على التعامل معها، بما يضمن حرية الفرد، ويؤدي في الوقت ذاته إلى استمرار منظومة القيم الحضارية الجميلة التي تؤلف بين أفراد المجتمع وتنظم علاقاته .
Dah_tah@yahoo.fr

الأربعاء، 29 أغسطس 2012

بين الكواكبي ويوسا

أفق


بين الكواكبي ويوسا
آخر تحديث:الثلاثاء ,14/08/2012

محمد ولد محمد سالم

لا بد لمن قرأ “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” لعبدالرحمن الكواكبي، وقرأ رواية “حفلة التيس” للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، أن يجد وجه شبه بينهما، أو بالأحرى يتصور أن “حفلة التيس” هي التطبيق الروائي للطرح النظري الذي طرحته “الطبائع” - رغم أنه لا صلة بين الكتابين - فالكواكبي في كتابه الرشيق الجميل الذي كان فتحاً فكرياً في أيامه، يرى أن الاستبداد يدمر كل شيء؛ الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والدولة، كل أوجه الحياة تدمر وتسوء تحت سلطة القهر، وهذا بالضبط هو ما صوّره يوسا في روايته الجميلة التي كتبها عن حياة الدكتاتور رافائيل ليونيداس تروخييو الذي كان حاكماً لجمهورية الدومنيكان واغتيل في 30 مايو/ أيار 1961 .

كتبت رواية “حفلة التيس” بشكل استرجاعي تستعيد فيه الشخصيات حياتها التي عاشتها تحت حكم ذلك الطاغية، حيث تحولت تلك الشخصيات إلى كائنات أحط قيمة من الحيوان، يطلب منها أن تقوم بأسوأ الأفعال، ضد ضمائرها، وضد كيانها البشري، فالضابط الشاب لا بد أن يقتل أخا حبيبته بيدين باردتين، ويتخلى عن حبه كي يثبت ولاءه، والوزير المحترم لا بد أن يتغاضى عن زيارات الزعيم لزوجته في وضح النهار، والنائب الجليل لا بد أن يقدّم ابنته المراهقة قرباناً للزعيم كي يثبت وفاءه ويعود له عمله وأمواله، ورجل الأعمال المحترف الذي يصنع ممتلكاته بقدراته الذاتية لا بد أن يتنازل عن مشاريعه الناجحة لأسرة الزعيم لكي يحظى برضاه، والجيران الهايتيون يحكم عليهم بالموت الجماعي بالآلاف لا لشيء سوى لأن لون بشرتهم أسود، وخزائن الدولة تستنزف لمصلحة الممتلكات الشخصية للزعيم وأسرته الذين سيطروا على كل المشاريع الحيوية، واتخذوا عامة الشعب عمال سخرة لديهم، وفي هذا الجو المحطم في كل نواحيه لا تكف أجهزة الدكتاتور وأبواقه عن رفع شعارات الوطنية والتقدمية، وحشد الجماهير اللاهجة بالتأييد والشكر لترخييو العظيم، وسرعان ما ينقلب الواقع حين يُغتال تروخييو على يد مقربين له ممن أهدر كرامتهم واستذلهم، فيبدأ نظامه في التداعي بناء بعد آخر، وخلال أشهر قليلة تعم المظاهرات كل نواحي البلاد ويتنفس الشعب الصعداء، ويخرج أفراد أسرة الدكتاتور طريدين تتبعهم لعنات الشعب، وتظهر بجلاء الكراهية المطلقة التي كانت الجماهير تكنها لذلك الطاغية، فلا أحد يأسى على ما صار إليه وصارت إليه أسرته، ويتضح أن شعارات الولاء والتعظيم التي كانوا يرددونها أمام الزعيم كانت مجرد كلمات جوفاء أرغموا على ترديدها والاقتناع بها حتى في سرهم خوفاً من المشنقة .
تلك هي نتائج الاستبداد، ونهاية كل طاغية يريد أن يتحكم في كل شيء حتى الهواء الذي يتنفسه الشعب، فمع كل لحظة يمد بها عمر حكمه، وكل لبنة يقوي بها بناء حكمه، فإنه يضيف خيطاً إلى كفنه وكفن حكمه، وباكتمال أسباب تحكمه وتجمع أسباب طغيانه يكون قد وصل إلى نهايته، فيتردى من القمة إلى القاع تردّياً ساحقاً، ومن المؤسف أن الدكتاتوريات العربية، لم تقرأ الكواكبي ولا يوسا فتتدارك نفسها، لذلك اجتاحتها الثورات فتداعت غير مأسوف عليها .
dah_tah@yahoo.fr







البطولة الجماهيرية

أفق


البطولة الجماهيرية
آخر تحديث:الجمعة ,24/08/2012

محمد ولد محمد سالم

البطل الواحد كان هو الشكل البطولي السائد في المجتمع العربي التقليدي، ويصور الأدب العربي القديم ذلك الشجاع الفرد الذي يفل الجيوش ويهزم الجحافل . ومع بداية النهضة العربية الحديثة، وتكون الوعي الاجتماعي والسياسي الحديث بدأت ممارسة البطولة تتغير، حيث أحست الجماعة أن عليها أن توجد نوعاً من الوحدة النضالية، فيشترك أبطال عدة أو شريحة اجتماعية كاملة في مواجهة مستعمر أو سلطة ظالمة، سعياً للتغلب عليها وهزيمتها، وتصحيح الوضع المختل في حياتهم .
وتعد رواية “في بيتنا رجل” لإحسان عبد القدوس أول رواية عربية رصدت بشكل واع تلك التحولات، فبطل الرواية إبراهيم حمدي يقتل رئيس الوزراء الفاسد المتعاون مع الإنجليز، ويلجأ إلى منزل أسرة صديقه الطالب الجامعي الذي لم تكن له سوابق في العمل النضالي، ويضطر الطالب تحت تأثير الصداقة الحميمة أن يؤويه في منزله رغم خطورة الموقف وما يمكن أن يعرض له هو وأسرته من مهالك، ومع تطور الأحداث تجد الأسرة نفسها في عمق العمل النضالي، ويتخذ كل فرد من أفرادها موقفاً مسانداً ومدافعاً عن الشاب المناضل الذي لجأ إليهم، فالأخت توصل الرسائل من الشاب إلى المناضلين، والأخ يسجن ويعذب ولا يعترف بإيوائه، والأب والأم يحتضنانه كأنه ابنهما، ويموهان بكل وسيلة حتى لا يكتشف، وابن العم المخبر الذي بلغ عنه يدرك حجم الجرم الذي ارتكبه، فيندم ويتراجع عن أقواله ما يعرضه للتعذيب هو الآخر، وهكذا تتحول الأسرة إلى المشاركة في النضال، وينتقل المجتمع من بطولة الفرد “إبراهيم حمدي” إلى بطولة الجماعة “أهل الطالب”، وسيكون نتيجة ذلك انخراط الأخ وأخته وابن العم في حركة النضال السرية بعد إعدام إبراهيم حمدي .
عبر الروايات العربية اللاحقة سوف يستقر هذا الشكل من بطولة الجماعة مشكلاً التعبير الواضح عن الوعي الذي أصبح سائداً في المجتمعات العربية، حيث لم يعد الهم السياسي والمعيشي للناس هماً فردياً، وصار لزاماً على الشعب أن يتكاتف ويتحد ليواجه الظلم والدكتاتورية والاستعمار، وهذا ما رصدته روايات نجيب محفوظ من جوانب عدة تتبع فيها كيفية نشوء الحركات السياسية وتخطيطها للتغيير، وفي الثلاثية نتذكر كمال أحمد عبد الجواد وأخاه اللذين انخرط كل منهما في حركة نضالية، ونطلع على جوانب من التخطيط للتظاهرات والانتفاضات الشعبية، وفي روايات الريف العربية هناك أصداء كثيرة النوع من البطولة، حيث تثور الجماعة على السيد الإقطاعي، وقد دخلت حكايات النضال الشعبي الجماعي للشعبين الفلسطيني والجزائري ساحة الرواية العربية بشكل مستفيض وجميل يعبر عن كمون روح النضال لدى الفرد وتحفزها الدائم للانصهار في ملحمة جماعية تسطر التاريخ .
هذا الوعي النضالي الجماعي انتقل اليوم وبتأثير من وسائل الاتصال الجماهيرية، ومواقع التواصل الاجتماعي من كونه وعي حركة سياسية أو فئة اجتماعية إلى يقظة جماهيرية عامة متحدة حول مبادئ عليا تجمعها، ومستعدة للتحرك الكاسح من أجلها، وهو ما ترجم في شكل الثورات العربية الراهنة، ومن المؤكد أن الأدب سوف يوثق هذا الشكل الجماهيري من البطولة ويعززه .

dah_tah@yahoo.fr

http://www.alkhaleej.ae/portal/54750c0b-08d5-4132-8336-11efa338b40a.aspx