| أفق | ||
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
كانت روايتا الأسطورة والفروسية تقدمان البطولة كنموذج مكتمل للخير أو
الشر، لا تتغير معه طوابع الشخصية النفسية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أن الواقع
لا يؤثر في شخصية البطل، فقد تستمر الرواية على مئات السنين، ويدخل الأبطال عوالم
كثيرة، ويخرجون من صراع إلى آخر دون أن يطرأ أي تغير على عواطفهم وأفكارهم، ولم يكن
كتّاب هذه الروايات يلتفتون إلى المعنى العميق للإنسان القائم على صراع المتناقضات،
والتجاذب بين القوة والضعف، والخير والشر، الذي تعتريه كل الاحتمالات ويطوره
الواقع، وتعلمه التجارب، لكنّ قصة “المعطف” للكاتب الروسي نيكولاي غوغول في بداية
القرن التاسع عشر وضعت أسس الكتابة الروائية الحديثة .
نموذج “أكاكي أكاكيفيتش” الموظف البسيط المسحوق بالروتين الكئيب،
والبيروقراطية القاتلة والراتب الذي لا يغني من جوع، ورغم ذلك يعمل بصمت وإخلاص،
ويجد المتعة في إتقان عمله، ويحلم بأن يكون له معطف جديد جميل، ويضع كل جهده في
تحقيق حلمه، ويضاعف جهده ويحرم نفسه من المتع الصغيرة للوصول إلى المتعة الكبرى،
ويشتري المعطف، فيفرح به ويزهو، لكنّ الفرحة لا تكتمل لأن اللصوص سوف يسلبون منه
معطفه، فيعود إلى بيته كسيراً، هذا النموذج هو الإنسان باستسلامه وخضوعه، بأحلامه
وإرادته، بتهوره وتعقله، بظروف حياته التي تناقض إرادته وتحول دون تحقيقه لمبتغاه،
وهذه الطريقة في التناول هي سر نجاح هذه القصة الباهرة، الذي جعل أحد أقطاب الأدب
الروسي الذين جاؤوا بعد نيكولاي غوغول “وهو ديستويفسكي” يقول: “لقد خرجنا جميعاً من
معطف غوغول” .
أطلقت قصة “المعطف” أدب الواقعية الروسي من عقاله ليقدم النماذج العظيمة
في تاريخ الرواية المعاصرة، لكنّ قيمة هذه القصة لا تقتصر على كونها فاتحة للأدب
الواقعي، بل في كونها وضعت أدب القص عامة على طريقه الصحيح، طريق الإنسان على
حقيقته، فسواء كتبنا اليوم رواية أسطورية، أو رواية فروسية، أو رواية حيوانات، فإن
التجربة الإنسانية هي المثال الذي يقيس عليه الكتّاب، وينطلقون منه في تصورهم لتلك
القصص، وروايتهم لها، نموذج “الإنسان” المتأثر بمؤثرات الحياة، الذي يعيش التناقض
والصراع، هو الذي يسود تلك القصص، سواء كانت شخصياتها بشرية أو غير بشرية
.
الأساس الآخر الذي تقدمه قصة “غوغول” تلك، هو الانطلاق من “الحكاية” عند
كتابة القصة أو الرواية، فالحكاية المكتملة العناصر التي تحمل بُعدَ إدهاش هي حجر
الزاوية في الكتابة السردية، وما لم تكن اللبنةَ الأولى التي ينطلق منها الكاتب،
فإن ما سيكتبه سيبقى محفوفاً بخطر التشتت، وغياب الرؤية الكلية، أو وجهة النظر التي
تسمح للقارئ بالتأويل والوصول إلى شيء، وسيكون أيضاً محفوفاً بخطر الإملال، وغياب
التشويق الذي هو أحد عناصر الجذب المهمة في كل عمل قصصي
.
|
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الأحد، 14 يوليو 2013
"المعطف" ونموذج الإنسان
تغير الأجناس الأدبية
| أفق | ||
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
هل يمكن القول: إن الذوق الأدبي العربي تغيّر بعد ظهور الإنترنت وانتشار
مواقع التواصل الاجتماعي؟
وهل يمكن الحديث عن أجناس أدبية جديدة؟، أو أن ما يحدث وسيحدث في
المستقبل ليس سوى تغير في وعاء الرسالة، وليس الرسالة نفسها، بمعنى أننا إذا كنا
قديماً نقرأ في الورقة، فإننا في الحاضر نقرأ على الشاشة، وكل منهما صفحة، أي وعاء
للعمل الأدبي الذي يمتلك بالضرورة استقلاليته عن الصفحة التي يكتب فيها، ولا يتأثر
بطبيعتها، لكن إطلالة على ماضي الأجناس الأدبية عند العرب قد تقول غير ذلك، فهي
تفيدنا أن الجنس الأدبي ارتبط فنيّاً ومصيرياً بطبيعة الوعاء الذي يقدم فيه
.
الجنس الأول الذي عرفه العرب كان الشعر، وكان في بدايته بيتاً وبيتين
وثلاثة أبيات ومقطوعة قليلة، في عصر لم تكن فيه الكتابة، ففصّل الشعراء النص على
هذا المقاس لكي يستطيع المتلقي حفظه ونقله، ولما بدأت الكتابة تنتشر أصبح الشعر
“قصيداً” طويلاً تكلفت الرِّقاق نقله وحفظه . ثم مع ظهور الدولة الإسلامية ونشأة
الدواوين واتساع مجال الكتابة ظهر فن الرسائل، ثم أدب الرحلات وفن المقامة، وغير
ذلك كثير، وتطور الشعر، حتى وصلنا إلى عصر النهضة، وما جاء به من أجناس جديدة نتيجة
اللقاء الحضاري بين العرب والغرب، ونتيجة تغير الذوق وظهور المطابع والجرائد والكتب
التي هي أوعية فتحت الباب لأجناس جديدة كالخاطرة والقصة القصيرة والرواية، والشعر
الحديث، وما صاحبه من تغيرات في تقنيات الشعر، وكيفيات التعبير عن التجربة الشعرية،
حيث تأثر الشعراء بالتشكيل ومزج الألوان وبالصورة التلفزيونية وبالمونتاج
السينمائي، كل ذلك مجاراة لذوق المتلقي .
مع الشاشة وطغيان الصورة أصبح القارئ أقل استعداداً لبذل الجهد في
متابعة نص طويل، واحتالت الصحف عليه بإضافة الصورة الكبيرة مع النص القصير نسبياً
لكي تجذب انتباهه، وكانت القصة القصيرة هي أول الأجناس الأدبية تأثراً بذلك، حيث
اختفى من الصفحات الثقافية ذلك النص الطويل الذي يحتل نصف الصفحة الأسفل، ووصلنا
الآن إلى مرحلة نتحدث فيها عن موت القصة القصيرة .
مع الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وطبيعة النص الذي يكتب فيها، سواء
من ناحية شكل هذا النص، أو من ناحية متطلبات ذوق متلقيه، هل يمكن القول إن الشعر
والرواية سيختفيان ليتركا المجال لنص أدبي جديد يتبلور الآن شكله في “التويتر”
و”الفيس بوك” وأشباههما؟
قد يحتج البعض بأن هذا العصر هو عصر الرواية ولا يمكن أن تختفي؟ لكن هل
القارئ مستعد لقراءة مئات الصفحات بعد اليوم؟ وهل فعلاً في وقتنا الحاضر مازال هناك
من يقرأ الرواية لذاتها بعيداً من الدعاية الإعلامية المرتبطة بالجوائز الأدبية، أو
المرتبطة بروايات الإثارة؟
|
الخميس، 25 أبريل 2013
البوكر العربية نافذة الآخر على الأدب العربي
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
تترقب
الأوساط الأدبية والثقافية العربية هذه الأيام إعلان الفائز بالجائزة العالمية
للرواية العربية “بوكر العربية” خلال معرض أبوظبي للكتاب، الجائزة التي أصبحت على
مدى ست سنوات متتالية أهم جائزة روائية عربية، ورغم الضجيج الكثير والنقد المبالغ
فيه في بعض الأحيان والاتهامات الجزافية التي توجه إليها، فإنها استطاعت أن تتجاوز
جوائز عريقة في هذا المجال، وقدمت للرواية والروائيين العرب سمعة ورواجاً سواء داخل
الوطن العربي أو خارجه، فقد أوجدت شبه إجماع عليها رغم بعض النواقص التي قد تشوبها
أحياناً، وأصبحت الروايات التي تصل إلى قوائمها الاثنتين الطويلة والقصيرة، تلقى
اهتماماً من الناشرين وإقبالاً من القراء، وذاع صيت كتّاب عرب مخضرمين كان لهم
تاريخهم الكتابي في بلدانهم، لكنهم لم يكونوا يجدون الفرصة لتجاوز تلك البلدان، كما
ظهرت أسماء جديدة لم يكن لها أن تظهر وتتعرف إليها جماهير القراء العرب لولا هذه
الجائزة، ومن ميزاتها أنها لا تنظر إلى تاريخ الكاتب ولا إلى سمعته، بل إلى الرواية
نفسها، فهي مكافأة لأحسن رواية صادرة خلال العام نفسه الذي تقدم فيه
.
تضم القائمة
القصيرة لهذا العام ست روايات هي رواية “ساق البامبو” للكاتب الكويتي سعود
السنعوسي، وتحكي عن أزمة حياة شاب ولد من أب كويتي وأم فلبينية، يطرده الفقر والجوع
من بلاد أمه ولا يجد الاعتراف في بلاد أبيه، ورواية “القندس” للسعودي محمد حسن
علوان التي تحكي عن رجل يشعر باغتراب نحو المجتمع، ويجد صعوبة في التكيف مع عاداته
وتقاليده فيعيش قسراً على هامشه، وفي رواية “مولانا” للمصري إبراهيم عيسى تطل علينا
شخصية غير مألوفة للواعظ الذي يصبح نجماً للفضائيات بفعل روحه الخفيفة وأسلوبه
الساخر، ومراوغته في الإجابة عن الأسئلة الفقهية والدينية لكل أطراف المجتمع،
ورواية “سعادته السيد الوزير” للتونسي حسين الواد وتحكي عن مدرس يعين بشكل مفاجئ
وزيراً، فيكشف حجم الفساد وتعقد الشبكات التي تتحكم فيه، ومع الوقت يصبح هو نفسه
جزءاً من ذلك الفساد، ورواية “يا مريم” للعراقي سنان أنطون التي تدور في يوم واحد،
عن شيخ وفتاة مسيحيين يعيشان في منزل واحد وينظران إلى واقع العراق نظرتين
مختلفتين، فالرجل المسن عاش جزءاً من حياته في فترات تبرر تعلقه بالأمل رغم ما يحيط
به من يأس ودمار، وأما الشابة الفتية فلم تر في حياتها القصيرة سوى الألم والموت
والأحزان، ما يجعلها يائسة فاقدة لكل أمل في المستقبل، ورواية “أنا وهي والأخريات”
للبنانية جني فواز الحسن تتحدث عن امرأة تبحث منذ طفولتها عن الفرحة والحرية
والانطلاق، لكنها تجد نفسها في كل مرحلة من مراحل حياتها مكبلة بقيود المجتمع،
وتكتشف أنها تسير على خطى حياة أمها المغلوبة على أمرها، والأنكى من ذلك أنها تتزوج
من شاب معقد يضربها ويحاصر حياتها، ما يدفعها إلى الرذيلة ثم إلى محاولة الانتحار
.
تأسست
الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2007 بتمويل من مؤسسة الإمارات للنفع
الاجتماعي وفي إطار تعاون بينها وبين ومؤسسة بوكر البريطانية التي ترعى أهم جائزة
روائية إنجليزية، وقد تولت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة تمويلها منذ عام ،2012 وهي
جائزة تهدف إلى مكافأة التميّز في الأدب العربي المعاصر، ورفع مستوى الإقبال على
قراءة هذا الأدب عالمياً من خلال ترجمة الروايات الفائزة والروايات التي وصلت إلى
القائمة القصيرة إلى لغات رئيسة أخرى ونشرها، وتمنح في جنس الرواية فقط، ويتم ترشيح
ست روايات في القائمة القصيرة لتتنافس على الجائزة، وتمنح الرواية الفائزة خمسين
ألف دولار . إضافة إلى عشرة آلاف دولار للروايات الست جميعاً، وشهد عام ،2008 أولى
دورات الجائزة، وفازت بها حينها رواية واحة الغروب للروائي المصري بهاء طاهر التي
نافست خمس روايات هي: “مديح الكراهية” لخليفة خليفة، و”مطر حزيران” لجبور دويهي
و”تغريدة البجعة” لمكاوي سعيد و”أرض اليمبوس” لإلياس فركوح و”أنتعل الغبار وأمشي”
لمي منسي، ثم شهدت الدورة الثانية 2009 منافسة شديدة بين كتّاب آخرين وفازت بها
رواية “عزازيل” للمصري يوسف زيدان، وفي 2010 فازت بها رواية “ترمي بشرر” للسعودي
عبده خال، وفي 2011 فازت بها روايتان هما “القوس والفراشة” للمغربي محمد الأشعري
و”طوق الحمام” للسعودية رجاء عالم، وفي 2012 فازت بها رواية “دروز بلغراد” للّبناني
ربيع جابر .
من أهم ما
قدمته الجائزة للأدب العربي أنها عرفت به وبكتابه خارج الوطن العربي، فقد ضمن
التعاون مع بوكر البريطانية أن ترجمت الروايات الفائزة والروايات التي وصلت إلى
المراحل الأخيرة للجائزة إلى عشرين لغة عالمية من الإنجليزية والفرنسية والألمانية
والبوسنية والنرويجية والإندونيسية والصينية، فرواية “واحة
الغروب” لبهاء
طاهرترجمت إلى الإنجليزية وصدرت عن دار سبتر في خريف العام ،2009 ثم ترجمت إلى
ثماني لغات أخرى، و”عزازيل” ليوسف زيدان ترجمت إلى الإنجليزية
وصدرت عن دار
أتلانتيك في العام ،2102 ثم ترجمت إلى ثلاث عشرة لغة غير الإنجليزية، ويجري العمل
على ترجمة الروايات الأربع الأخرى الفائزة بالجائزة إلى لغات أجنيبة عدة وإصدارها
عن دور نشر عالمية، وكذلك لقيت بعض الروايات التي وصلت إلى القوائم القصيرة في
السنوات الماضية عقوداً للترجمة إلى لغات أجنبية عدة، وأصبح الكتاب المُترجَم لهم
يدعون لحضور حفلات توقيع كتبهم ومهرجانات أدبية ومعارض في دول أجنبية عدة، ومن شأن
ذلك كله أن يعرف بالأدب العربي، ويفرض وجوده في خريطة الأدب العالمي، ويقرب للآخر
الصورة الحقيقية عن الإنسان والمجتمع العربي التي شوهت كثيراً خلال العقود الماضية،
كما من شأنه أن يؤهل الأدباء العرب للفوز بالجوائز العالمية التي تقتضي أن يكون أدب
الكاتب مترجماً إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية، كجائزة نوبل التي تشترط
أن يكون أغلب إنتاج المترشح لها مترجماً إلى الإنجليزية
.
لم تكن طريق
جائزة البوكر العربية مفروشاً بالورود فقد صاحبتها منذ دورتها الأولى ضجة كبيرة،
وسيل من الاتهامات تارة بالمحاباة وتارة بالانحياز الجهوي، وأخرى بالسعي لإقامة
توازن مناطقي على حساب الفن، لكنّ كل تلك الاتهامات سقطت مع الوقت، ونجحت الجائزة
في تكريس حضورها كجائزة أولى للرواية العربية، وقد ضمن لها ذلك التزام الجهة
الممولة لها (وهي مؤسسة الإمارات للنفع الاجتماعي سابقاً، وهيئة أبوظبي للسياحة
والثقافة حالياً)، بعدم التدخل في مجريات التحكيم ومعاييره، وهو ما كان نادراً في
الجوائز العربية السابقة التي تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات ذاتية لدى الجهة
الممولة لها سواء من حيث المعايير المطروحة للتحكيم أو اختيار المحكمين أو اختيار
الفائزين، فتفقد بذلك استقلاليتها ومصداقيتها، على أنه رغم ما تتمتع به الجائزة
العالمية للرواية العربية من استقلالية ومن معايير عالية في اختيار لجان التحكيم،
فإنها لم تخل من بعض الانتقادات كأن تصل روايات رديئة إلى القائمة القصيرة في الوقت
الذي لا تدخل فيه روايات جيدة القوائم، ما يعني عدم وجود خطوط عريضة متفق عليها
كمعيار لجودة الرواية، وهو انتقاد من المرجح أنه سيظل قائماً، لأنه من الصعب
الاتفاق على مثل تلك الخطوط العريضة للرواية، في ظل التطور المستمر الذي يشهده هذا
الجنس الأدبي والصعوبات النقدية المتعلقة بتحديد مقاييسه، وفي ظل غياب مرجعية نقدية
وثقافية عربية تحدد ما الذي نعنيه ب”الرواية العربية”، عندما نطلق هذه التسمية،
وسيبقى الأمر خاضعاً للمواقف الشخصية لأعضاء لجنة التحكيم الذين قد لا يكونون
محايدين جميعاً، ومهما افترض فيهم من حياد، فإنهم عند الاختيار بين نصوص متقاربة
سوف تختلف معاييرهم، ويعود كل منهم إلى نوازعه الذاتية، وهذه الملاحظة لا تختص بها
هذه الجائزة وحدها، بل ربما تنسحب على كل الجوائز الأدبية العالمية، لأن أساس
التذوق الجمالي في الأدبي ذاتي ثم يصير الناقد إلى تعليل ذوقه بمعايير موضوعية
.
الخليج الثقافي:
http://www.alkhaleej.ae/portal/ad384d20-ca0a-4571-b1e4-283b143996d6.aspx
|
ساق البامبو
| أفق | ||
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
“ساق البامبو” هي إحدى روايات القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر العربية”، وهي من تأليف الكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي الذي له تجارب روائية سابقة تنم عن معدن كاتب أصيل، وتُروى الأحداث على لسان “هوزيه” الذي يحكي عن مأساة حياته بين الفلبين وطن أمه الذي عاش فيه فترة من طفولته وبداية شبابه، وبين الكويت وطن أبيه الذي غادره وليداً وعاد إليه شاباً باحثاً عن اعتراف من أسرة أبيه التي أنكرته وضيقت عليه .
يولد “هوزيه” كما يدعوه أخواله أو “عيسى” كما سماه أبوه، من زواج بين الخادمة الفلبينية والابن الوحيد للأسرة التي تعمل عندها، والذي وجد في شغف الخادمة بالقصص والحكايات التي ترويها له في الليل وهو جالس على مكتبه يقرأ أو يكتب، حميمية إنسانية قربتها إلى نفسه وجعلته يحبها، ويتزوجها، وسط ذهول والدته وأخواته اللواتي كن يعددنه رجل الأسرة بعد أن توفي أبوه، ولم تستطع أمه تقبل أن يتزوج ابنها ذو الحسب والنسب من خادمة، فطردتهما، ليعيشا في حي آخر، وبعد أن يولد “عيسى”، يضطر الأب إلى ترحيله هو وأمه إلى الفلبين ريثما يصلح ما بينه وبين أمه ويهيئ لهما الظروف لعودتهما معززين، لكّن إقامتهما في الفلبين تطول ثم تنقطع أخبار الوالد عنهما في ظروف الاحتلال العراقي للكويت الذي سيأخذه أسيراً ليموت في العراق .
يتربى “هوزيه” في ظروف من الفقر المدقع وبين أفراد محطمين، وتحت رحمة جد معقد يسومه كل أصناف السخرة والإذلال، وحين يشب يتقلب بين أعمال زهيدة، ولا يفارقه حلم العودة إلى وطن أبيه، والعيش هناك، وهو ما يتحقق له في النهاية عن طريق صديق الوالد، لكنه لا يجد الاعتراف من جدته ولا عماته اللواتي يرين في وجوده خطراً على سمعة الأسرة، ومكانتها الاجتماعية، ويسعين بكل نفوذهن إلى محاصرته وتهديده لكي يخرج من البلاد، وفي النهاية يخرج ليعود خائباً إلى بلاد أمه ويستقر هناك .
لو اكتفى سعود السنعوسي بالقسم الأول من روايته الذي ينتهي بتسلم البطل جوازه الكويتي وتذكرة السفر، لكان قدم رواية رائعة، لكنه في القسم الثاني الذي انتقل فيه البطل إلى الكويت، فقدت أحداث القصة التماسك المنطقي والعمق التحليلي، وبدا أن الكاتب يريد بكل وسيلة أن يقدم مبررات عودة بطله مضطراً إلى الفلبين، رغم أنه في أثناء وجوده كوّن صداقات قوية كان يمكن أن تكون مساعداً له في بناء حياته الجديدة . لقد عطل المؤلف كل تلك الإمكانات في سبيل عودة البطل إلى المستنقع الذي خرج منه والذي يَعُدُّ العيش على هامش المجتمع الجديد أكرم له منه .
|
الاثنين، 15 أبريل 2013
نقاشات رواية "مولانا"
|
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
|
تتناول رواية “مولانا” لإبراهيم عيسى التي وصلت إلى القائمة القصيرة في
البوكر العربية 2013 حياة داعية ديني تلفزيوني، وكيف تتشابك علاقة ذلك الداعية مع
مجتمع المال والدعاية التلفزيونية وترتبط بخيوط سرية بجهاز الأمن وبأعلى قمة الهرم
في السلطة .
يعيش مولانا الشيخ حاتم شخصيتين، شخصية ظاهرة هي شخصية الداعية المفتي
الذي يقدم للناس الرأي بناء على ما تقرر عند الفقهاء المتقدمين، ويسعى إلى إرضاء
جهاز الأمن بحيث لا تثير فتاواه أية خلافات أو تشويش لدى الجمهور من شأنه أن يعكر
صفو السلطة الحاكمة، وتؤمن له تلك الشخصية الثراء الذي يسعى وراءه بنهم لا يشبع،
وهي شخصية قابلة للتشكل حسب الخطة الدعائية للبرنامج الذي يظهر فيه مولانا، والفئة
العمرية التي يتوجه إليها، مما جعله شيخا معاصرا، أما الشخصية الثانية التي يعيشها
الشيخ حاتم سرا فهي شخصية “الفقيه الحداثي” الذي يحمل آراء فقهية وعقائدية صادمة لا
يستطيع أن يبديها إلا للخاصة لأنه لو باح بها علناً فسوف تثير الجمهور وتحرك جهاز
الأمن، وتؤدي به إلى الهلاك .
لا تقدم رواية مولانا “حكاية” متكاملة من بدايتها إلى نهايتها، ولكنها
تقدم مواقف ومناسبات مرتبطة بشخص “مولانا”، يختارها إبراهيم عادة للتمهيد للدخول في
قضية من القضايا الفقهية والعقائدية قصد نقاشها وإبداء الرأي فيها، وتكون البداية
بحلقة دينية نكتشف من خلالها قدرة الشيخ حاتم على التنقل بين الأوضاع المختلفة
لشخصيته، فهو على الواجهة شيخ ملتزم وقور، وخلف الكواليس عابث وصانع نكات، وفي
قرارته يتوق إلى إبراز آرائه الحقيقية، ثم ينقلنا الكاتب بعد ذلك إلى دعوة مسائية
دعيت إليها وجوه من ساسة ورجال أعمال وضباط أمن وشيوخ دين، وحضرها الشيخ حاتم ليقوم
نقاش بينه وبين أحد شيوخ العلم حول قضية أهل الذمة ووضع الأقباط في مصر، وبعد ذلك
ينقلنا إلى قصر ابن الرئيس، وهناك يكلف الشيخ بمهمة إقناع الفتى حسن شقيق زوجة ابن
الرئيس بالرجوع عن آرائه الفكرية، ليبدأ بينهما نقاش مستفيض يأتي على كل القضايا
العقائدية والأخلاقية، وهكذا تبدو كل علاقات الشيخ حاتم موجهة لهذا الغرض، فهو
يناقش مع القسيس القبطي قضايا الأقباط، ويبدي لنادر الفنان الكوميدي آراءه في الفن،
وكذلك يفعل مع رجل الأعمال .
إبراهيم عيسى كاتب صحفي، لا مراء في قدراته اللغوية والأسلوبية، لكن
المأزق الذي وقع فيه في رواية “مولانا” هو أنه أراد أن يحسم من خلال الرواية
إشكاليات فقهية وعقائدية مطروحة في حاضر المجتمع المصري، ولم يتجه إلى الرواية بغرض
كتابة رواية “حكاية” فجاء كتابه مجموعة من النقاشات الطويلة المملة للقارئ الباحث
عن الحكاية المشوقة والبعد الإنساني في الرواية .
http://www.alkhaleej.ae/portal/db2ffc4b-bbcc-4b65-adbe-622f4bcccf30.aspx
|
الثلاثاء، 29 يناير 2013
"القندس" وغياب المنظور الروائي
|
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
|
يمتلك الروائي السعودي الشاب، محمد حسن علوان، قدرات سردية كبيرة، ولغة
سلسة تجنح في أحيان كثيرة إلى استعارة أدوات الشعر، خصوصاً في الوصف المبني على
الاستعارة والمجاز، هذا ما يتجلى في روايته “القندس” التي وصلت إلى القائمة القصيرة
من الجائزة العالمية للرواية العربية لهذا العام .
تدور الرواية حول حياة “غالب” الرجل الأربعيني العاطل عن العمل الذي قضى
كل عمره في حياة فارغة عابثة، معتمداً على ما يستدره من أبيه التاجر، وكذلك حياة
أسرته الممزقة التي يضع كل فرد فيها سداً حول نفسه وحياته الخاصة، ويكتشف غالب
أثناء فسحة صيد على شاطئ نهر في مدينة بورتلاند في أمريكا أن هناك شبهاً بين أفراد
أسرته وبين حيوان “القندس” الذي يراه للمرة الأولى، ففي شكل ذلك الحيوان وسلوكه في
العزلة والفردانية وبناء السدود التي تصد الآخرين عنه، شبه بينه وأسرة أبو غالب ومن
يمت لهم بصلة، وهنا يبدأ البطل في استعادة سيرة حياته وعلاقته بأبيه وأمه اللذين
افترقا بعيد ميلاده بقليل، وبأخته الشقيقة وإخوته لأب، ومسيرته الدراسية الفاشلة
التي انتهت قبل أن يحصل على الشهادة الجامعية، وساعات السهر الطويلة الفارغة في
بيته مع أصدقائه، وعزوفه عن العمل مع أبيه المتسلط، وتنتهي الرواية باستدعاء غالب
من بورتلاند إلى الرياض بسبب تدهور صحة والده الذي لا يلبث أن يموت، وعند إحصاء
الإرث يكتشف غالب وإخوته أن أباهم لم يكن غنياً كما يظنون، ويجد غالب نفسه في
مواجهة مستقبل لم يستعد له .
يتحكّم علوان في خيوط اللعبة السردية بشكل جيد جعله قادراً على المناوبة
بين مختلف لحظات السرد باحتراف، لكن الرواية لم تستطع أن تتجاوز واجهة السرد
الظاهري لحياة بطلها إلى تقديم منظور إنساني أو فكري، فنحن أمام استعراض سطحي لحياة
أسرة متنافرة من دون سبب عميق، رغم أن كل أسباب التواصل التي عادة تكون بين أفراد
الأسرة موجودة، وشاب عاطل على مدى عشرين عاماً من دون أن يكون هناك مبرر لهذه
البطالة، وصورة مكررة لأب يتحكم في أفراد أسرته . وقد ساعد على ذلك التسطيح هيمنة
صوت المتكلم المفرد (غالب)، حتى في الحالات التي كانت تحتاج إلى صوت الراوي
المحايد، ما جعل الرواية رهينة لرؤية غالب الضبابية، وكراهيته غير المبررة لأفراد
أسرته .
قد يتمتع قارئ “القندس” بلغتها وتدفق السرد فيها، ولن يجد ما يدفعه إلى
التعاطف مع شخصياتها أو النفور منها، أو إلى تكوين وجهة نظر أو موقف فكري، لن يجد
ما يجعله يعيش تجربة إنسانية أو فكرية عميقة .
|
الأحد، 6 يناير 2013
الكتاب هو الإنسان
| ذاكرة عابرة للزمان والمكان | ||
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
|
أحس الإنسان
بالفناء يهدده من كل ناحية، الجسد يبلى ويضمحل ثم يفنى، ويتلاشى وتذهب ريحه،
والذاكرة التي اعتمد عليها وأسس لاستمرارها بنقل محتواها من السابق إلى اللاحق وجد
أنها مهددة بعوامل أخرى في مقدمتها النسيان الذي يجعل اللاحق غير دقيق في نقل
المعلومة وإيصالها إلى من يأتي بعده، ومنها أيضا تعمّد تغيير المعلومة وتوجيه
محتواها من طرف ناقلها، ولكي يتغلب الإنسان على ذلك النقصان لجأ إلى تعميم المعلومة
بين أفراد المجتمع لتكوّن ذاكرة جماعية تستعصي على عوامل النسيان والتشويه، ورغم
ذلك تشعبت الذاكرة الجماعية وتعددت رواياتها، ودخلها الاختلاف، والتعارض الذي هو في
ذاته نوع من الاضمحلال، يعيد الإنسان إلى الصفر، إلى نقطة البداية، لأنه يجعل
حقيقته التي أراد توثيقها وتخليدها مشكوكاً فيها، يجعلها غامضة متلاشية، هنا لجأ
إلى الكتابة، اخترعها رسماً ثم حرفاً يحفر به هويته، طموحه، نضاله، صبره، مثابرته،
مواجهته التراجيدية مع قوى الطبيعة، مغامرته لإثبات وجوده، تميزه ككائن فريد على
وجه الأرض، وتفوقه على سائر المخلوقات، هكذا كانت الكتابة، عنوانا على الإنسان من
حيث هو إنسان يمتلك إرادة وعقلاً يتصرف به في الكون ويعيد به ترتيب الموجودات
لتلائم حياته، وتحقق مقاصده .
آلة إبقاء
الهوية أو توثيق الأثر في الكون ظلت تتطور وتتعزز بفعل الاختراعات المتتالية عبر
الزمن إلى أن رست على شكلها الراقي، شكلها المكتمل مضمونياً وفنياً، والذي أطلقت
عليه اسم “الكتاب«، وهو أرقى سلاح رفعه الإنسان في وجه الفناء، لأنه به خلد
إنسانيته، خلد روحه وعقله وإحساسه، حتى ابتلاءات جسده خلدها، فلم يشذ شيء من لحظات
الوجود الإنساني عن ذلك الاختراع السحري الذي احتال به على مصيره المحتوم، ليبقى
الإنسان كمفهوم مجرد إذا بليت مادة وجوده وتحللت وفنيت
.
الكتاب أقوى
أسلحة البقاء لأنه مستمر في الزمن، فالشعوب تتفرق وتهاجر وتتحول هوياتها، والكتاب
يستعصي على الزمن، ينسخ من ورق لورق، ويتنقل من يد ليد ومن تلك إلى أيد، ثم إلى عصر
فدهور .
بالقلم
والمداد والورق صنع الإنسان ذاكرته، ليحافظ على سلم تطوره، ويكرس نفسه الكائن
الوحيد المتفوق في هذه الحياة، ويدجن الكائنات الأخرى فيذلّلها لخدمته، لم يعرف
الفيل ولا الأسد سبيلاً إلى الكتابة، ولا عرفها غيرهما من الحيوانات، كبيراً أو
صغيراً، قوياً أو ضعيفاً، فظلت كلها رهينة وجودها الأول، ولم يختلف أخلافها عن
أسلافها، كأنها جاءت إلى الدنيا اليوم، وكأن آخر مولود فيها هو أوله، أما الإنسان
فدون كل لحظة من لحظات وجوده، وكل تجربة من تجارب حياته، وتركها لنسله، ليقرأوها
وتعيها عقولهم، ويبنوا عليها حياتهم، فهو أبدا لا يبدأ من الصفر، ولا يعود إلى
المربع الأول الذي بدأ منه آدم، وإنما يختزل بين دفتي كتابه، كتابِ الوجود
الإنساني، تجاربَه وتاريخ فعله في الوجود، ليستفيد منها من خلفه ويضيف إليها، وتبقى
دائما هناك صفحات فارغة ليأتي آخرون فيملأوها .
في الكتاب
نقرأ روح الإنسان لأنه دون فيه نوازع تلك الروح ومعتقداتها، وتوقها إلى الخلود،
والانعتاق من مادة الجسد، وتعلقها بما وراء الوجود الفيزيائي المتحلل الفاني
المخالف لطبيعتها الروحانية الخالدة، واستجابة لهذا التوق نزلت الرسالات السماوية
خطاباً قولياً، وسميت كتباً، لأنها قابلة لأن تنسخ بالقلم والمداد على الورق، وتنقل
من سابق للاحق، لتبقى مع الإنسان حيث ما حل أو ارتحل، تبشره بذلك الخلود الذي تاقت
روحه يوما إليه، وتشرح له طريقة الترقي والمعراج إلى ذلك الخلود
.
في الكتاب
عقل الإنسان، فلسفته البدائية حين رأى أن الكون خلق من العناصر الأربعة الماء
والهواء والتراب والنار، ومن امتزاج بعض عناصرها وتنافر البعض الآخر نشأت كل
الكائنات الأخرى، وقد دون تلك الرؤى لتبقى للخلف، ثم فسلفته المتطورة مع عقلانية
سقراط وروحانية أفلاطون، ومنطق أرسطو الذي اعتبره الفكر القديم المثيل الصوري
للعقل، واحتكموا إليه في كل شيء، وبنوا عليه سائر علومهم حتى المادي منها على مدى
عصور طويلة إلى أن جاء فرانسيس بيكون ووضع المنهج العلمي القائم على التجربة
الحسية، وأدار هو وفلاسفة العلوم من بعده ظهورهم لمنطق أرسطو والفلسفة العقلانية
برمتها، ليسجل الكتاب انبثاق العلوم التجريبية الواحد تلو الآخر ويواكب تطورها
وتوسعها، وتشعب كل منها إلى علوم لا حصر لها، لكن ظهور العلوم الدقيقة وضع المنهج
التجريبي في مأزق، لم يستطع الخروج منه إلا بقبول مبدأ الاحتمال والظنية، لتتسرب
العقلانية من جديد وينفتح الباب أمام ما عرف بالفلسفات الإنسانية، التي ستذهب
بالعقل بعيدا في غمار اتجاهات الإدراك والشعور وغيرها من الظواهر التي لا يزال
العقل البشري العجيب ينقلها من ذاتي صرف إلى موضوع للعلم، ويسجل براءة اختراعها في
كتابه الذي لا يفارقه .
في الكتاب
تاريخ المشاعر البشرية، وتقلبات الوجدان بين الفرح والحزن، والحب والبغض، والإقبال
والصد، النصر والهزيمة، الوجدان والفقدان، وغيرها من انفعالات النفس البشرية التي
لا تتوقف، تعيش القلق الوجودي بمعنييه، الإيجابي والسلبي، كأن الريح تحتها تحركها
أينما اتجهت، على حد عبارة الشاعر الخالد أبي الطيب المتنبي، رسم الإنسان تلك
المشاعر بالكلمة فكانت شعرا وبالوتر فكانت لحنا وبالريشة فكانت فناً تشكيلياً
.
دواوين
الشعر، عربية وأجنبية قديمة وحديثة، لا تزال تتداولها الأيدي وتذهب من قارئ لقارئ،
وتقف سجلاً شاهداً على ذلك التاريخ الطويل من المشاعر، نقرأها فنهتز بها، وننفعل
كأننا نحن ذلك الشاعر الذي كتبها، رغم أنه قد تكون آلاف السنين تفصلنا عنه، لكنها
تجربة مدونة نجد نحن فيها عزاءً لضعفنا وسندا لقوتنا، وتعمق قيم الإنسانية فينا
.
في الموسيقا
والغناء يشهد كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني على ما أسداه الكتاب لهذه الصناعة
من خدمة، فقد ضمن الأصفهاني كتابه كل علوم اللحن وشواهده وشرح مقاماته ومناسباته،
وأنواع النصوص التي تغنى مع كل لحن، وآداب مجالسه، وغير ذلك من تقاليد الطرب، فكان
كتابه دستورا باقيا ينهل منه الملحنون في كل عصر ويلجؤون إليه عند غياب المعلم
واختفاء الآلة، وقد حذا حذوه كثير من الكتاب في عصور لاحقة فزادوا تراثه بما استجد
في عصورهم، والظاهرة لا تقتصر على العرب، بل تعم الأمم الأخرى، وما يقال في
الموسيقا يقال في الفنون التشكيلية وسائر الإبداعات البشرية حفظها ذلك الاختراع
السحري الخالد .
في عصرنا
الحاضر أصبح الكتاب في كل مكان، في البيت وفي المكتب وفي الحقيبة، وفي القطار،
وتطور شكله ونوعه بشكل جذري، فأصبح إلكترونياً، لا يشغل حيزاً في المكان ويسهل حفظه
واسترجاعه واقنتاؤه بالملايين، ولم يعد عمر المرء يكفي لقراءة كم الكتب التي يخزنها
في ذاكرة جهازه، وشمل الكتاب الحديث كل الموضوعات، لم يترك مهماً ولا حقيراً منها
إلا ووثقه ونشره، تشعب بتشعب الوعي البشري، وجنوحه إلى الاستفادة من كل شيء،
وإخضاعه كل موضوع للدراسة والبحث . فنيا أصبح الناشرون يتفنون في إخراج الكتاب
ليكون جذابا، وليعطي غنى بصريا للقارئ قبل أن يلج إلى داخله الذي يفترض أن يعطي هو
الآخر غنى عقليا، وأصبح الكتاب تمثيلا للعقل البشري، يبوب ويفصل على حسب تفصيلات
التفكير العقلي لكاتبه، مما ارتقى به أكثر، وعزز ارتباط القارئ به، على الأقل في
ناحية الكتاب الورقي .
لو لخصنا
مفهوم الكتاب اليوم لقلنا إنه باختصار هو (الإنسان) في كل تفاصيله الوجودية، وفي
علاقته مع كل ما يحيط به، فمن لم يقرأ الكتاب لم يفهم الإنسان، ولم يعش تجربة الوعي
الإنسانية في بعده المثالي الراقي، ومن لم يقرأ لم يخرج من إهاب الحيوانية إلى حلة
الإنسانية، ولم ينخرط في مغامرة البشرية الجميلة لمواجهة الزمن
|
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)