| أفق | ||
| ||
| محمد ولد محمد سالم | ||
كانت روايتا الأسطورة والفروسية تقدمان البطولة كنموذج مكتمل للخير أو
الشر، لا تتغير معه طوابع الشخصية النفسية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أن الواقع
لا يؤثر في شخصية البطل، فقد تستمر الرواية على مئات السنين، ويدخل الأبطال عوالم
كثيرة، ويخرجون من صراع إلى آخر دون أن يطرأ أي تغير على عواطفهم وأفكارهم، ولم يكن
كتّاب هذه الروايات يلتفتون إلى المعنى العميق للإنسان القائم على صراع المتناقضات،
والتجاذب بين القوة والضعف، والخير والشر، الذي تعتريه كل الاحتمالات ويطوره
الواقع، وتعلمه التجارب، لكنّ قصة “المعطف” للكاتب الروسي نيكولاي غوغول في بداية
القرن التاسع عشر وضعت أسس الكتابة الروائية الحديثة .
نموذج “أكاكي أكاكيفيتش” الموظف البسيط المسحوق بالروتين الكئيب،
والبيروقراطية القاتلة والراتب الذي لا يغني من جوع، ورغم ذلك يعمل بصمت وإخلاص،
ويجد المتعة في إتقان عمله، ويحلم بأن يكون له معطف جديد جميل، ويضع كل جهده في
تحقيق حلمه، ويضاعف جهده ويحرم نفسه من المتع الصغيرة للوصول إلى المتعة الكبرى،
ويشتري المعطف، فيفرح به ويزهو، لكنّ الفرحة لا تكتمل لأن اللصوص سوف يسلبون منه
معطفه، فيعود إلى بيته كسيراً، هذا النموذج هو الإنسان باستسلامه وخضوعه، بأحلامه
وإرادته، بتهوره وتعقله، بظروف حياته التي تناقض إرادته وتحول دون تحقيقه لمبتغاه،
وهذه الطريقة في التناول هي سر نجاح هذه القصة الباهرة، الذي جعل أحد أقطاب الأدب
الروسي الذين جاؤوا بعد نيكولاي غوغول “وهو ديستويفسكي” يقول: “لقد خرجنا جميعاً من
معطف غوغول” .
أطلقت قصة “المعطف” أدب الواقعية الروسي من عقاله ليقدم النماذج العظيمة
في تاريخ الرواية المعاصرة، لكنّ قيمة هذه القصة لا تقتصر على كونها فاتحة للأدب
الواقعي، بل في كونها وضعت أدب القص عامة على طريقه الصحيح، طريق الإنسان على
حقيقته، فسواء كتبنا اليوم رواية أسطورية، أو رواية فروسية، أو رواية حيوانات، فإن
التجربة الإنسانية هي المثال الذي يقيس عليه الكتّاب، وينطلقون منه في تصورهم لتلك
القصص، وروايتهم لها، نموذج “الإنسان” المتأثر بمؤثرات الحياة، الذي يعيش التناقض
والصراع، هو الذي يسود تلك القصص، سواء كانت شخصياتها بشرية أو غير بشرية
.
الأساس الآخر الذي تقدمه قصة “غوغول” تلك، هو الانطلاق من “الحكاية” عند
كتابة القصة أو الرواية، فالحكاية المكتملة العناصر التي تحمل بُعدَ إدهاش هي حجر
الزاوية في الكتابة السردية، وما لم تكن اللبنةَ الأولى التي ينطلق منها الكاتب،
فإن ما سيكتبه سيبقى محفوفاً بخطر التشتت، وغياب الرؤية الكلية، أو وجهة النظر التي
تسمح للقارئ بالتأويل والوصول إلى شيء، وسيكون أيضاً محفوفاً بخطر الإملال، وغياب
التشويق الذي هو أحد عناصر الجذب المهمة في كل عمل قصصي
.
|
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الأحد، 14 يوليو 2013
"المعطف" ونموذج الإنسان
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق