بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 14 يوليو 2013

رواية اللحظة الخاطفة

أفق
رواية اللحظة الفارقة آخر تحديث:الخميس ,27/06/2013
محمد ولد محمد سالم
الإمساك باللحظة الفارقة في حياة المجتمع، حين يقف على مفترق طرق بين الماضي والحاضر هو موضوع روائي أصيل، في تلك اللحظة يتداعى الماضي في شكل ذكريات تحنّ إليها الشخصيات، ويتكشف المستقبل في شكل رؤى غائمة ومحيرة، وتبدو اللحظة الحاضرة مضطربة قلقة، هكذا أمسك سرفانتس في مطلع تاريخ الرواية بحياة مجتمع على مفترق طرق تتداعى قيمه القديمة تاركة المجال لقيم جديدة، حيث صوّر في روايته “دون كيشوت” بسخرية جميلة حياة بطله “دون كيشوت” الواهم والحالم بالفروسية، وبإنجازات عظيمة في زمن تلاشت فيه الفروسية، وذهبت قيمها إلى الأبد، يتخذ ذلك الرجل المغفل هيئة الفارس الشجاع، ويذهب لقتال طواحين الهواء (رمز العالم الجديد الذي بدأ يتشكّل) متوهماً أنها كائنات شريرة تغزو الأرض وتريد القضاء على البشر، وهكذا فعل باحتراف نجيب محفوظ في ثلاثيه الرائعة التي صوّر فيها حياة المجتمع المصري في بداية القرن العشرين، حين كان على مفترق طرق بين حياة تقليدية وحياة حديثة، وشكّل الاختلاف في التصرفات والأفكار والرؤى بين الأب أحمد عبد الجواد وأبنائه، خاصة كمال أحد أوجه ذلك الاختلاف بين الحياتين، حتى التناقض في شخصية الأب بين حياة ظاهرة تنسجم مع متطلبات حياة “السيد” في البيت التقليدي، وبين حياة سرية تقبل على ما توفره الحياة الجديدة من غوايات، هو أحد أوجه ذلك المفترق الذي وضع محفوظ أقدام شخصياته عليه، والأمثلة في هذا الباب كثيرة شرقاً وغرباً .

هذا المفترق عرفته المجتمعات الخليجية، وبالأخص المجتمع الإماراتي، وشهد ذروته في فترة الثمانينات عندما بدأ التوسع الاقتصادي ودخل المجتمع دفعة واحدة إلى أساليب الحياة الحديثة بفضل الوفرة المادية، ولاشك أن ذلك كله كانت له تداعيات على الأفراد بين من لم يعرف سوى تلك الحياة، فوقف متحسراً حزيناً وهو يراها تتداعى، وبين من لم يعرف سوى الحياة الجديدة، فيتعجب كيف كان أسلافه يحيون تلك الحياة المجهدة، وبين من عايش الاثنتين وأدرك الجيلين، فأصبح قلقاً لا يدري على أي جنب يستقر، وكان حرياً بهذا التحول أن يكتب عنه، وأن يجد الكاتب الذي يضع يده على اللحظة الفارقة، ويكثفها ويرسم تداعياتها على الإنسان .

لقد عالجت القصة القصيرة الإماراتية هذه اللحظة بعمق وبما يسمح به نفسها القصير، لكنّ الرواية، وهذا ميدانها الأصيل، حامت حول لحظة المفارقة، فعالجتها في اتجاهين، إما بتصوير المجتمع التقليدي وحياته “طروس إلى مولاي السلطان” لسارة الجروان، أو تصوير تداعيات الحياة الحديثة على الإنسان “مزون” لمحمد عبيد غباش و”رائحة الزنجيبل” لصالحة غابش، ولم تجعل من اللحظة الحرجة، لحظة التحول موضوعها الأساسي، أو أنها حاولت أن تجعلها، لكن الأداة الفنية أعوزت كاتبها، فلم يوفق في تقديم رواية بالمستوى الإبداعي القادر على تصوير الأشياء بعمق، والنتيجة أنه ما زالت هناك حاجة لكتابة تستجلي بعمق ما حدث من تغيير .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق