بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

فن البساطة المتقنة


سرد تلقائي متدفق
البساطة والحميمية في "مريم والحظ السعيد" لمريم الساعدي
آخر تحديث:السبت ,04/06/2011
الشارقة - محمد ولد محمد سالم:


1/1

تتقن الكاتبة الإماراتية مريم الساعدي في مجموعتها القصصية “مريم والحظ السعيد” فن البساطة من خلال سرد تلقائي متدفق، لا يبحث عن عقدة درامية أو رؤية كلية، بل يريد أن يستكشف معنى جميلاً أو سعادة صغيرة بمقدار صغر تفاصيل الحياة البسيطة والعادية التي تحياها هي ويحياها الناس من حولها، لا تريد أن تفلسف الأشياء أو تعقد أبنيتها السردية بقدر ما تسعى لاقتباس لحظة ضوء بيضاء صافية من غير تلوين أو تحوير، وبلغة عادية وقريبة لكنها ممتعة ومدهشة، رغم احتوائها في بعض الأحيان على أخطاء لكنها قليلة إذا ما قيست بالكتاب كله .
في نصها “جرادة وفنجان قهوة” ترصد مسار اللحظات في تلك الساعة التي جلست فيها الكاتبة أمام أوراقها ورائحة القهوة في الفنجان تسري بعذوبة في دماغها، تتأمل النجمة المتوهجة والقمر المتلألئ فوقها وعن قصد تستشعر أنهما هناك من أجلها لكي تشعر بالحب اتجاههما لأن “الإحساس بالحب تجاه الأشياء يساعدها على احتمال العالم”، ويجعلنا نحس بأن الكون يحبنا .
ويصبح ذلك الإحساس بمنزلة عملية الإحماء الضرورية التي تحفز قلم الكاتبة، عبر أسطر متلاحقة، ولا شيء سوى أسطر الكلام التي لا تكلف نفسها عناء البحث لها عن جدوى، وهنا ترتفع التلقائية من تسطير الكلام إلى رؤية للحياة، فالكاتبة تتساءل مستنكرة: ألا يجب أن نتوقف عن توقع الجدوى في كل شيء حتى تكون الحياة سهلة؟ إن السهولة كلمة السر التي تنتظم ذلك السرد، سهولة الكتابة وسهولة رؤية الحياة كشيء يحبنا ونحبه، وسهولة الضحك الصادر من أعماق تلك الخادمة التي تحوم حولها، وتضحك بسعادة من مراوغة جرادة لها رغم أنها مغتربة من سنتين بعيدة عن أهلها وبين ناس لا تفهمهم ولا يفهمونها، والسهولة هي التي تجعل الجرادة تطير وتحط قريباً من الكاتبة تلعب على أوراقها وعلى أصابعها، كأنها تبحث عن صداقة ما بين مخلوقات مهما كانت متباعدة فإن بساطة الحياة تجمعها، وحين تخطئ الجرادة وجهتها وتسقط في الفنجان تنتشلها الكاتبة بأن تسكبه فيسيل على أوراقها ماحياً كل ما كتبته لكن الجرادة تنتفض وتقف على كلمة “أحبك” كأنها تريد أن تحميها لتبقى تلك الكلمة عنواناً للحياة في أبسط معانيها ولعلاقة الناس والأشياء في أبسط تجلياتها .
وفي قصة “كوب شاي” تواصل الكاتبة الوتيرة السردية نفسها التي تركز على تفاصيل اللحظة في بساطتها وجماليتها، من دون عناء البحث لها عن حبكة قصصية، تكتفي بالوقوف عند تلك اللحظة وتأملها من خلال كوب الشاي الذي يعكس هنا شكلاً آخر من أشكال تلك البساطة، فشخصية القصة “أصيلة” اطمأنت أخيراً إلى أن مجالسة كوب الشاي ومحاورته خير من مجالسة الناس، فالإنسان قد يفكر في أشياء لا تؤدي بالضرورة إلا إلى مواقف سلبية من الآخر، أما كوب الشاي فهو صامت مصغٍ، ويمنحنا حديثاً خفياً كلما ارتشفنا منه، هو الحب الخفي الذي يصل إلى القلب وينزع القشور عن الحياة، يبدد الزيف الذي يغلف حياة وعلاقات الناس، والذي عرفته في علاقتها بصديقتها عبير وكثيرات أخريات، كوب الشاي صادق في ما يقدمه من شعور بالنشوة كأنه تلك الموسيقا التي سمعتها أول مرة منذ خمسة عشر عاماً وعرفت عمق تأثيرها من خلال البكاء الصامت لسائق التاكسي الذي أقلها من المطار إلى سكن الطالبات، وعلى مدى ثلاث ساعات وهو صامت خاشع لتلك الأغنية .
ما يؤرق أصيلة هو الإحساس بالأشياء على حقيقتها كما ينبغي، تريد أن ترى كل شيء صافياً من دون تزييف رغم انكساراتها واكتشافها للحقيقة المحبطة المتمثلة في أن الآمال الكبيرة تصغر كلما كبرنا، لكنها تصر على البحث عن ذلك الشيء الصافي الواضح رغم تخفيه وراء قشور الحياة، وتحاول أن تزيح كل الغيوم التي قد تحجبه، لذلك فهي تمتنع مراراً عن الرد على عبير التي يظهر اسمها مرات على شاشة هاتفها في اتصالات متكررة لأنها تعرف أنها مجرد شخص تافه لا يعرف للحياة عمقاً أو صفاء، وربما اختارت مريم الساعدي الاسمين “عبير وأصيلة” قصداً لأن العبير رائحة عابرة ومنتهية لكن أصيلة ثابتة وعميقة .
وفي قصة “العجوز” نحن أمام قصة قصيرة بإحكام، ولا يأتي الإحكام هنا من صرامة المبنى الحكائي، فالكاتبة لم تخالف قاعدتها في بساطة السرد وتلقائيته، لكنه يأتي من صدق اللحظة وعمق دلالتها على الخلل الكامن حيث ارتقى الرد بالحدث من كونه مجرد نهاية لعجوز أصبحت فجأة منبوذة ويترقب كل أبنائها نهايتها بأحر من الجمر إلى أن يكون مأساة حقبة زمنية بكاملها ومجتمع بكل تفاصيل حياته وقيمه وعلاقته الإنسانية، التقطت الساعدي تلك اللقطة ووظفتها بعناية واستغلت بشكل متقن الطاقة الرمزية، فالعجوز وعباءتها المرقعة وصندوقها وكسرة الخبز والحليب المجفف والحرارة الشديدة ورائحة “الشيبة” وزوجها الذي توفي، رموز ذلك الزمن الماضي المنبوذ، والأبناء ووظائفهم الكبيرة وأبناؤهم ومدارس أبنائهم وزوجاتهم ومنازلهم الكبيرة الباردة رموز الزمن الحاضر الذي يؤسس أبهته على المظاهر المادية الزائفة الخالية من أي معنى إنساني، فالابن الذي يدرس في الخارج يعود لحضور العزاء في أمه لأن “الناس ستأكل وجوهنا إن لم يأت” .
نموذج آخر لتلك التلقائية والبساطة المتقنة تقدمه في نصها “فائزة وزينات وسلوى” مدرساتها المصريات اللواتي كن نموذجاً في التفاني والبساطة والاحترام والبساطة الأنيقة، يعملن بجد من غير ضجيج ولا إثارة ويفرضن احترامهن على طالبات الفصل من غير تكلف ولا عنف، وكأنهن لم يأتين من ذلك البلد الكبير المملوء بالناس والفقر الذي تصور المسلسلات نساءه على أنهن “متسلطات مفتريات مبهرجات”، هذا النموذج من النساء المتعلمات المحترمات الشامخات دوماً، هو ما ستكتشف الكاتبة بعد تقلبات الزمن واختبار الحياة وعوالم البشر المختلفة أنه النموذج الصحيح بل هو الكنز و”نكتشف كلما طالت الرحلة وانقطع النفس من اللهاث أن الكنز كان دوماً هناك، أمام البصر، وأنه لا شيء أبداً يضاهي بريق الأيام الماضيات” .
النص الذي حملت المجموعة عنوانه “مريم والحظ السعيد” هو نص سردي لا يسعى إلى تقديم حكاية بقدر ما يلتقط لحظة حوار مقتضب بين “مريم” الطالبة المغتربة و”سارة” الفتاة البريطانية التي علقت على اسمها “مريم” بأنه يجلب السعادة، لكن مريم تشك في ذلك، وتقترح بأن يتبادلا اسميهما، في إيحاء بأن الحظ السعيد خرافة و”أن الأشياء تكون كما تريد لا كما نريد نحن” .
لا تتوقف النماذج عند هذا الحد، فكل نص من نصوص المجموعة الخمسة والعشرين هو نموذج لتلك الكتابة العامرة بالصدق والحميمية، المتخففة من زوائد الأحداث واللغة، الباحث عن الجمال العادي والقريب من دون فائض حزن أو سعادة، في ما يمكن تسميته البساطة المتقنة


الأربعاء، 4 مايو 2011

خطة ثقافية مستمرة


أفق
خطة ثقافية مستمرة
آخر تحديث:السبت ,02/04/2011
محمد ولد محمد سالم
من جديد يؤكد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة أن خطة الشارقة الثقافية ليست خطة آنية ولا هي فكرة عابرة، بل هي خطة مستمرة منذ اثنتين وثلاثين سنة حسب ما أعلنه سموه في حفل ختام أيام الشارقة المسرحية الذي أعاده إلى ذلك التاريخ البعيد، حيث كان الأمل والطموح لدى سموه ولدى زمرة من المحيطين به من الشباب الطامحين دافعاً له لوضع خطة مستمرة للنهوض بالثقافة وبالمسرح خاصة وذلك في عام 1979 حين قال لهم: “لنوقف ثورة الكونكريت ولنبدأ ثورة الثقافة” ثم أردف لهم: “إنني سأفاجئ الشباب بما أخططه للثقافة، والآن وبعد مضي 32 عاماً من ذلك الإعلان نحن نصل إلى ما كنا نصبو إليه” .
تقرير لجنة التحكيم الذي قرأته الفنانة جيانا عيد رئيسة اللجنة وأشادت فيه بنضوج تجربة أيام الشارقة ورسوخها كواحدة من أهم المهرجانات العربية، وباكتمال العناصر الفنية للعروض المسرحية المتقدمة للمسابقة، يدل على نجاح هذه الدورة، خاصة من ناحية قدرة الفرق على تقديم عروض تمتلك العناصر الأساسية للعرض المسرحي، وهو ما يعني تقدماً كبيراً على مستوى الممارسة، وقد عنى ذلك لصاحب السمو أن الخطة التي وضعها للشارقة لتكون عاصمة للثقافة قد آتت أكلها، خاصة في مجال المسرح، وقد عبر سموه عن ذلك قائلاً: “إن كلمات لجنة التحكيم عن نضوج واكتمال تلك الأعمال المسرحية التي قدمت خلال أيام المهرجان، لهي شرف لي ولجميع العاملين معي من أجل الارتقاء بالمسرح الإماراتي” .
وبما أن النجاح هو دوماً حافز على السير قدماً وعلى تطوير التجربة، فإن سموه لم ينس في غمرة الفرحة بتلك اللحظات أن يتخذ قرارات جديدة في سبيل استمرار تطوير تجربة الأيام المسرحية وتطوير التجربة المسرحية الإماراتية ودعم التجارب العربية، وعياً منه أن المسرح هو الأداة الأولى في بث الوعي لدى الشعوب وتحفيز نهضتهم، وأن وجوده ورسوخه علامة على نضج المجتمع، وقد أشار إلى تلك العلاقة بين المجتمع والمسرح حين تحدث عن حرصه الدائم على معرفة كم الحضور الذين تابعوا العرض، وكان ارتفاع الحضور في هذه الدورة واحدا من الأدلة التي لمس فيها سموه دليلاً على ذلك النجاح، وعلى أن المسرح في الإمارات أصبح يؤدي رسالته كما أرادها له، لذلك قرر سموه أن تطبق التوصيات التي قدمتها لجنة التحكيم حرفياً .
يحق لصاحب السمو حاكم الشارقة كما عبّر عن ذلك أن تغمره السعادة بهذا الإنجاز الذي عمل عليه طيلة تلك السنوات، والذي حفز طاقات مسرحية كبيرة ودفع إلى إنشاء فرق عاملة في جميع أنحاء الدولة، وأثمر حركة مسرحية رائدة، وأن يستعيد البدايات الأولى التي كانت حافزاً على الوصول إلى هذه النتائج، والصعوبات التي واجهت سموه وأترابه حين كانوا فتياناً صغاراً وهم يخطون خطواتهم الأولى في سبيل إنشاء حركة مسرحية لا يملكون لها سوى الطموح .
كما يحق للمسرحيين وللحركة المسرحية في الإمارات بل وفي الوطن العربي أن تفرح بهذا الدعم والتفكير الدائم من لدن سموه في ما يمكن أن يطور تلك التجارب ।

سياقات حكائية متعددة في رواية "القوس والفراشة"


فازت بجائزة البوكر العربية في أبوظبي
سياقات حكائية متعددة في رواية "القوس والفراشة"
آخر تحديث:السبت ,26/03/2011
محمد ولد محمد سالم


1/2

فازت رواية “القوس والفراشة” للروائي المغربي محمد الأَشعري بجائزة البوكر للرواية العربية لسنة 2011 مناصفة مع “طوق الحمام” للسعودية رجاء عالم، وذلك من بين ست روايات كانت تتنافس على هذه الجائزة هي إلى جانب الروايتين المذكورتين “بروكلين هايتس” للمصرية ميرال الطحاوي، و”معذبتي” للمغربي سالم بنحميش، و”صائد اليرقات” للسوداني أمير تاج السر و”رقصة شرقية” للمصري خالد البري.
تدور رواية الأشعري في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين في مدن وقرى مختلفة جنوب المغرب، وهي رواية مربكة فلا بد لقارئها أن يتساءل حين يفرغ من الصفحة الأخيرة منها تساؤلاً حائراً، ما الذي يرمي إليه الأشعري من روايته، ذلك لأن متنها الحكائي لا يساعد على تقديم تفسير واحد لها، فهي ليست قصة واحدة تبدأ وتتطور في شكل تصاعدي، بل قصص متعددة تتحرك في مسارات مختلفة وبالتناوب حسب الفصول، فهناك قصة اختفاء ياسين، وقصة اليسار المغربي، الطفرة العمرانية والفساد وقصة محمد الفرسيوي، وقصة اختفاء عصام، وكلها تمت بصلة شديدة أو واهية إلى حياة شخصية الراوي يوسف الفرسيوي.
تبدأ الرواية بقصة اختفاء ياسين حيث يتلقى والده يوسف محمد الفرسيوي رسالة مجهولة المصدر تبلغه أن ابنه الوحيد ياسين الذي كان يتابع دراسته العليا في فرنسا قد مات في أثناء الحرب في أفغانستان، وتصيبه اللامبالاة وانعدام الإحساس الذي يصبح مزمناً ويجعله محايداً حيال كل ما يقع في حياته من أحداث بصغيرها وكبيرها، وكأنها تقع لشخص غيره، ونتج عن تلك الحالة فقدانه لحاسة الشم، وصارت تأتيه حالات من الشرود يصبح فيها كأنه يجلس مع ابنه ويتحدث إليه حديثاً ذا شجون يعلقان فيه على مجريات الحياة اليومية ليوسف وكأنهما صديقين يناقشان أشياءهما الخاصة جداً، فحين يتعرف البطل إلى امرأة جديدة يبدأ ياسين بسؤاله عن ميوله إليها وما الذي يعجبه فيها، ويتطارحان الرأي فيتفقان ويختلفان، وأثناء ذلك انفصل يوسف عن زوجته بعد خلاف على الذرية التي لم يكن هو راغباً فيها ويرفضها، وكانت هي تريدها.
القصة الثانية هي قصة أصدقاء يوسف من رفاق النضال اليساري القدماء الذين مازال يرتبط بهم ويكوّنون معه عصبة تجتمع في سهرات ليلية في الرباط وفي مكناس يستعيدون فيها سيرة النضال التي انطفأت، ولم يبق منها إلا تلك الحكايات التي يرددونها أوالنقاشات الفارغة التي تتلاشى أفكارها مع سورة النشوة، وقد تحولت حياة بعضهم من السجون والإيمان بالمبادئ الاشتراكية والمساواة إلى المقاولات المشبوهة والعلاقات المتشعبة مع أصحاب النفوذ، ما جعل الأفكار القديمة لا معنى لها في ذلك الواقع.
القصة الثالثة تتعلق بالانفجار العقاري في مدينة مكناس الذي يقف وراءه فساد إداري وشخصيات نافذة والمقاولون الساعون إلى الربح السريع، وقد اكتشفوا في هذه المدينة إمكانات سياحية واعدة، فأخذوا يُجْهزون على تراثها المعماري، ويهدمون معالمها التاريخية في سباق محموم للكسب المادي الفاحش.
والقصة الرابعة عن محمد الفرسيوي والد البطل، وهو رجل من أصول ريفية ذهب إلى ألمانيا ليتعلم فيها، ثم عاد بشهادة عليا وزوجة ألمانية، وقرر ممارسة التجارة، فينافس الشرفاء الأدارسة في زاويتهم في فاس، وصعد صعوداً سريعاً سيطر خلاله على التجارة في تلك المنطقة، وأنشأ الفنادق والمنتجعات السياحية في ويليلي قرب قبر الولي الإدريسي، ثم لا يلبث أن أصاب المنطقة جفاف لسنوات قضى على محصول الزيتون والخروب اللذين كانا عمدة تجارة الفرسيوي ثم تبعها وباء الجرب ليقضي على السياحة، وبسرعة تدهورت أحوال الفرسيوي وتساقطت ممالكه واحدة واحدة وانتحرت زوجته، ولم يبق بيديه شيء وأصيب بالعمى، وجاهد ليبقى دليلاً سياحياً في خربة “ويليلي” التي يحفظ مسالكها عن ظهر قلب.
القصة الخامسة هي اختفاء عصام، وهو ابن إبراهيم الخياطي بالتبني، وكان لإبراهيم صديق خليل، كانت بينهما علاقة غير طبيعية، وقد انتحر هذا الصديق وخلف وراءه ولدين فرأى إبراهيم الخياطي أن يتولى أمرهما وفاء لخليله، وتزوج أمهما شكلياً ليكون قريباً منهما، ويخدمهما من دون شبهة، فأنفق عليهما بسخاء، وعاشا حياة رغدة لكنهما أصبحا خارجين عن طوعه، ويكنان له كراهة شديدة، واتجها إلى احتراف الغناء وأنشآ فرقة من فرق الهيب هوب، وانتهت تلك العلاقة المتوترة بينهما وبينه باختفاء الابن الأكبر عصام اختفاء غامضاً قادت التحقيقات فيه إبراهيم الخياطي إلى السجن بتهمة قتله.
ما الذي يجعل كل تلك الحكايات قصصاً منفصلة بعضها عن بعض؟ للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي طرح سؤال آخر: أي تلك القصص هي القصة الرئيسة في الرواية؟
للوهلة الأولى يتوهم قارئ “القوس والفراشة” أن القصة الرئيسة هي حكاية اختفاء ياسين، لأنها هي الحدث الدرامي الأول الذي يصادفه، ولأن الاختفاء يحمل من عناصر المفارقة والتشويق ما يجعله حدثاً روائياً صميماً، لكن هذه الحكاية تتوقف وتتلاشى منذ الفصول الأولى في الرواية ولا يبقى منها غير ذلك الحوار العرضي الذي يعيشه يوسف في لحظات شروده، وهو حوار لا يسعى إلى محاولة تفسير اختفاء ياسين ولا إلى فهم سبب سفره إلى أفغانستان، فهو يتحدث معه وكأنهما صديقان يجلسان في مقهى، ويعلقان بتلقائية على ما يدور أمام عينيهما في حديث ذي شجون تصفه الرواية على النحو الآتي: “كان حديثنا ينصب على كل ما نصادفه من أشغال في المدينة أو مظاهرات أو نساء جميلات، وأحياناً نغوص في أوراقنا القديمة فنتحدث حول الثورات والخيانات وموت الأوهام” ص،77 ونظراً لذلك فإن قصة اختفاء ياسين تبقى معلقة، وتبقى حولها أسئلة كثيرة لا تجد جواباً.
أما قصة اليسار المغربي فهي رغم أن الرواية تقدمها وكأنها عرضية من خلال شخصيات ترتبط بحياة يوسف بطل الرواية، إلا أنه يخيل للقارئ أنها هي القصة الأصلية بالرغم من أن الكاتب لم يفسر كيفية انكفاء الأحلام الثورية القديمة لهذا اليسار، ولا الأسباب التي جعلته ينخرط من غير ندم أو إحساس بتأنيب الضمير في دوامة الفساد والوصولية “أحمد مجد وإبراهيم الخياطي”، ودون أن تقدم الرواية إدانة لذلك الانخراط، إذا ما استثنينا نفور “ليلى” من السهرات الليلية لأصحاب صديقها يوسف وأحاديثهم الثقيلة، لكنه نفور لا ينبني على إدانة لما انحدروا إليه بقدر ما يعبر عن الحالة النفسية لامرأة تعودت الوحدة ولا تأنس إلا بقراءة الكتب، ولذلك فإن هذه الحكاية تطرح من الأسئلة أكثر مما تجيب عنها، وتخلط من الأوراق أكثر مما تميز.
وكان يمكن لحكاية الحمى العمرانية والفساد والرشوة التي أصابت مكناس وأصبحت تقضي على معالمها التاريخية، وتكشفت عنها حكايات فساد تضرب في أعماق المجتمع والدولة، كان يمكن لهذه الحكاية أن تربط بحكاية اليسار، لأن بعض أفراده انغمس في اللعبة، لكن الكاتب آثر أن يجعلها قضية جانبية متعلقة بتقارير صحفية قدمها الصحفي يوسف الفرسيوي عن الوضع العمراني الجديد في مكناس، ونشأت عن تلك التقارير ضجة إعلامية، وتحرك محدود من جانب الدولة، كما كان يمكن أن يكون لها تأثير على مسار حياة البطل، فتكون هي قضيته الأساسية ويتولد عن ذلك تطوير درامي تتكشف من خلاله خبايا الفساد والأمراض التي تنخر جسم المجتمع، لكن المسألة لم تتجاوز تلك الضجة الإعلامية، وضرب الكاتب عنها صفحاً في بقية الرواية.
القصة الوحيدة التي تبدو مكتملة في الرواية هي قصة محمد الفرسيوي والد البطل، فسياقها مكتمل من بدايته إلى نهايته، وهي مستقلة تماماً عن القصة الأم ولا ترتبط بها إلا بعناصر واهية هي تلك العلاقة المقطوعة بين يوسف وأبيه الفرسيوي، ولو أن الكاتب اقتطع قصة الفرسيوي وحدها لكان استطاع بقليل من الإضافات التي تعمق بعض جوانبها أن يقدم للقارئ قصة مشوّقة وجميلة، ولكشف بها عن جوانب كثيرة من جوانب الصراع بين القديم والجديد في المجتمع المغربي، ولأنها قصة كان يمكن أن تكون جميلة وعميقة، فليس غريباً أن الأشعري وصل بتلك الفصول المتعلقة بالفرسيوي إلى قمة التألق السردي بلغة شاعرية جميلة ومتدفقة مشبعة في أحيان كثيرة بدلالات موحية، لكنها كما قلنا قصة جانبية لا علاقة لها البتة ببقية أحداث الرواية وأشخاصها.
مثل كل الحكايات الأخرى تبدو حكاية عصام سياقاً آخر منفصلاً جيء به لتسليط الضوء على حياة الفئات الجديدة من الشباب المغربي الذين توفرت لهم أسباب العيش الرغيد لكنهم تمردوا فاتجهوا تارة إلى تقليد الحياة الصاخبة المنحطة للشباب الأمريكي، وأخرى إلى الارتماء في أحضان الحركات الإرهابية التي أخذت تفجيراتها تشيع الرعب في المجتمع، لكن الرواية كما سكتت عن أسباب ذهاب ياسين إلى أفغانستان لم تقدم أي تحليل وجيه لأسباب اختفاء عصام المفاجئ وتفجيره لنفسه في نهاية الرواية، في سياق يعين على فهم هذه الظاهرة المستعصية على الفهم في مجتمعاتنا، وبدلاً من ذلك تقتصر الرواية على الإدانة الشفوية وردة الفعل التلقائية للناس حيال هذا النوع من الظواهر العنيفة، وكذلك فإن انقلاباته تلك لم تفلح في إعادة ذويه النظر في حياتهم وعلاقتهم بأبنائهم والتساؤل عما إذا كانوا هم أنفسهم سبباً في ما صار إليه أبناؤهم، وفي الحالات التي يكون فيها السبب وجيهاً للتمرد لا تقدم الرواية موقفاً واضحاً من ذلك السبب، فالرواية تقدم إبراهيم الخياطي على أنه شخص نبيل مرهف الإحساس مات خليله، فأراد أن يتبنى ولديه وفاء له، وتعتبر احتقار الولدين وكراهتهما له خسة وسلوكاً غير مبرر، وكأن تلك العلاقة المشينة والمخالفة للطبيعة البشرية التي ربطته بأبيهم لا تكفي لأن يكرها كل شيء في الدنيا، وحتى نفسيهما.
وكان يمكن لتلك الحكاية أن تروى وحدها وتعمق العناصر الدرامية فيها لتخرج منها رواية بديعة، لكن ذلك لم يحصل وجاء إقحامها في آخر الرواية ربما لإيجاد سبب وجيه يعود بالبطل إلى الحكاية الأولى للبحث عن سبب اختفاء ابنه ياسين، حيث أعطاه شاب لقيه في رحلة بين مدريد والرباط موعداً ليوصله إلى شخص له علاقة تنظيمية بابنه، وحين يذهب إلى الموعد لا يجد أياً من الشخصين، لكنه يلاحظ شخصاً غريب الهيئة فيتبعه من شارع لشارع، وحارة لأخرى متوهماً أنه ابنه، لكنه حين يهجم عليه ليمسك به يعرف فيه ملامح عصام، ولكن بعد فوات الأوان فقد انفجر الحزام الناسف الذي يحمله عصام ليرفعهما عالياً في الجو.
لا شك في أن الأشعري كاتب متمكن من فنه، وهو ما تدل عليه رواية “القوس والفراشة” فهي تتميز بميزات فنية عديدة: التلقائية رسم الشخصية والقدرة على إعطائها حياة واقعية، والبعد عن التكلف والخطابية فنحن نستوحي فكره من سياق الأحداث وليس بخطاب مباشر فج كما يحدث في كثير من الروايات، كما أن أسلوبه فصيح صحيح، وتوظيفه للحوار كان موفقاً في كثير من المواقف، والشيء الأهم هو أنها رواية تحمل هماً روائياً حقيقياً، لكن هذا الهم أراد أن يجيب عن أسئلة عديدة في وقت ما فلم يستطع، ولن يستطيع لأن الرواية لا يمكن أن تكون إلا حكاية واحدة، وإلا قصة واحدة تسير في اتجاه تصاعدي نحو نهايتها، فمن المسلمات الفنية في السرد الروائي أن كل ما يقع في الرواية من أحداث وكل ما يظهر فيها من شخصيات، وكل ما تتحدث عنه من حكايات جانبية كل ذلك يجب أن يكون مسخراً لدعم الحكاية الرئيسة فيها، على صعيدي التفسير والتطوير، وذلك للإجابة عن السؤالين الأساسين بالنسبة إلى الكاتب، لماذا وصلنا إلى هذه النقطة؟ وإلى أين سنتجه؟ وعندما يضع الكاتب هذين السؤالين في اعتباره يكون إمكان أن يقدم بناء روائياً محكماً ومقنعاً إمكاناً كبيراً، أما إذا لم يضعهما في اعتباره، فهنا ينشأ الخلل، وتكون احتمالات التفكك وانعدام الرؤية الواضحة واردة.
طرح الأشعري أسئلة عدة تتعلق بقضايا جوهرية في راهن المجتمع المغربي، تحول أدوار النخب السياسية، والفساد الإداري ونهب الثروات، والظواهر الاجتماعية الجديدة كالإرهاب، والانحلال الأخلاقي، وضياع الشباب، والصراع بين بنية اجتماعية تقليدية مؤسسة على موروثات تخلط الواقعي بالديني بالأسطوري، وبين رؤية جديدة مشبعة برؤية غربية قوامها ليبرالية شرهة لا تعرف التوقف عند حد معين في سعيها إلى الربح، ولا يهمها ما يجلبه ذلك من خسائر للآخرين، بذلك يقدم الأشعري سياقات لقصص متعددة لم يكن في إمكانه إكمالها، فكان مضطراً أن ينهي كل واحدة منها في منتصف الطريق حتى لا تذهب به بعيداً عبر مسارات لا يمكن أن تستوعبها صفحات رواية واحدة.
ربما يكون عمق تلك الأسئلة وتغلغلها في القضية السياسية والاجتماعية الراهنة للمغرب، وحرج الإجابة عنها وما ينطوي عليه من مخاطر هو ما جعل الكاتب يحجم عن السعي للإجابة عنها أو عن واحد منها على الأقل، وذلك بدفع أحد تلك المسارات إلى نهايته، وحين يطرح الروائي سؤالاً يخاف من الإجابة عنه، فإنه يظلم روايته وفنه وقارئه ويظلم التاريخ।

مسؤولية الروائي


أفق
مسؤولية الروائي
آخر تحديث:السبت ,09/04/2011
محمد ولد محمد سالم
لا أحد يحجر على قلم الروائي، ولا على ما يريد قوله، لكن مجرد إمساكه بالقلم واتجاهه إلى القارئ، يضعه أمام مسؤولية أنه يوجه رسالة إلى هذا القارئ، وأن عليه أن يحترم قارئه بدرجاته المختلفة، بدءاً بقارئه المواطن، فيسعى إلى ما يعزز الوطنية والإحساس بالانتماء إلى الأرض والشعب، وانتهاءً بقارئه القومي بما يعزز هويته وتطوره ويحترم قيمه وحضارته ويسهم في حضوره وفاعليته بين الأمم، وقارئه الإنساني بما يدافع عن قيم الحق والمساواة والعدل والحرية، ويؤازر التفاهم والأخوة والتسامح بين بني البشر .
تلك هي مسؤولية الروائي كما هي مسؤولية كل كاتب ومؤلف ومفكر، واع بخطورة موقعه في صناعة وتوجيه فكر الإنسان، وهي مهمات لا تتعارض لأن قيم الإنسانية مهما اختلفت أوعيتها الثقافية وأساليب تحقيقها بين الشعوب، متشابهة في جوهرها، فالعدل واحد سواء كان في حق فرد أو شعب أو أمة أو البشرية، ومن هنا كانت مهمة الرواية - كما هي مهمة الحدث الدرامي عامة - أن يدافع عن الخير وينحاز له، ويدين الشر ويقف ضده . ويحار المرء حين يقرأ رواية بأكملها فلا يعرف أين يقف منها، إذ تبدو باهتة الرؤية عديمة الملامح، لا يمكن تصنيفها في خانة معينة، ولا تقود إلى التعاطف مع بعض الشخصيات أو النفور من بعضها الآخر، ولا نعني هنا أن نقوّم الأمور بالأبيض والأسود، فتكون الشخصية إما خيّرة فنتعاطف معها، وإما شرّيرة فنمقتها، فليس هذا ما يبحث عنه القارئ، لأن الشخصية قد تكون شريرة لكن لها ما يبرر شرها في الرواية، فتكون الإدانة للظروف التي دفعتها إلى ذلك، وليس لها كإنسان ضعيف مسلوب الإرادة يصارع قوى أكبر منه، فالموقف من الشر أو الخير لا يرتبط بالضرورة بمظهر الشخصيات، لكنه جو عام يشيع في الرواية ويحسه القارئ عن طريق وجود صراع ما، ظاهر أو باطن، ونعود هنا إلى فكرة (الصراع) التقليدية التي نشأت عليها الدراما قصداً لأنها أزلية في الوجود الإنساني .
مثل تلك الروايات الباهتة الرؤية قد كثرت في الأدب العربي في السنوات الأخيرة، وليت الأمر قاصر على روايات مغمورة لكتاب لا يعرفهم أحد، لكنه موجود في روايات ذات شهرة، فما هو الموقف الذي يمكن أن نتخذه من بطلة رواية “بروكلين هايتس” لميرال طحاوي، وما هو المنظور الروائي الذي يمكن أن تقدمه لنا الرواية غير تلك التداعيات السردية لحكاية بسيطة لامرأة عاشت في وطنها بلا أهداف وسافرت إلى أمريكا من دون طموحات، وعاشت هي وابنها حياة عادية ككل المهاجرين؟ والتساؤلات نفسها تطرح عن رواية “روائح ماري كلير” للحبيب السالمي، ويضيق المقام عن الأمثلة وشرحها .
dah_tah@yahoo.fr

بلطجية الثقافة


أفق
الثقافة والحرية
آخر تحديث:الأحد ,17/04/2011
محمد ولد محمد سالم
تعني “البلطجية” في القاموس السياسي الراهن مجموعات العنف والقتل المدنية أو التي تتخفى في أزياء مدنية وتتخذها الأنظمة القمعية للتصدي الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والمشاركة السياسية، لكن هذا المفهوم لم يعد قاصراً على المفهوم السياسي، بل يمكن اليوم وفي ظل ما يجري من أحداث وما نشاهده على شاشات التلفزيون أو نقرأه من مقالات، سحب مفهوم البلطجية على قطاع كبير من المثقفين العرب الذين انبروا للدفاع عن تلك الأنظمة الاستبدادية، وراهنوا على موالاتها رهاناً خاسراً، ولم يستطيعوا أن يروا الضوء الذي سطع في نهاية النفق، وأعمتهم سنوات من التذلل والخضوع لتلك الأنظمة، وتفصيل أثواب من الثقافة المرقعة الخشنة لها .
ظن أولئك المساكين الذين عاشوا عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة من صناعة خطاب ثقافي مقلوب رأسه إلى الأسفل ورجلاه في الهواء، يعرف القتل والسجن وتكميم الأفواه وعسكرة الإعلام بأنها إجراءات أمنية ضرورية لمسيرة البلاد، ويعد القصيدة التي تتنشق نسيم الحرية، وتختلق لغة طافحة بالجمال وتمجيد الإنسان، خيانة عظمى، وكل رواية تمجد الحرية والعدالة والمساواة وتحمل هم المواطن البسيط، هي معادية لأهداف البناء، وكل كتابة للتاريخ لا توثق لمآثر وعطاءات الحاكم بطل الثورة والوطن والحرب والسلام والزعيم التاريخي الأعظم، هي كتابة منافية للحق وتشوه التاريخ وتسعى لضرب حقائق نضال الأمة، وكل فكر وعلم هو خارج عن السياق إذا لم يتضمن شيئاً عن ذلك النظام القمعي، وينبغي أن يحاكم أصحاب تلك الآداب والعلوم ويزج بهم في السجون أو يقتلوا بتهمة المساس بأمن الدولة .
هذا الواقع جعل المثقف بين موقفين إما أن ينخرط في التشكيلة ويكون عضواً في الأوركسترا، أو أن يهرب بنفسه إلى ركن قصي مظلم ليقبع في زوايا النسيان، حتى يموت غير مأسوف عليه، وانتهى الأمر إلى خطاب واحد منسجم مع الرؤية السائدة، خطاب يخترع طرقاً للتدجين والتخدير لا تنتهي، ولم يعد يسمع لتلك الخطابات الأخرى المغايرة أو الباحثة عن صوت خارج الثكنة أي صوت، واطمأن المطبلون إلى أن العجلة ستظل تسير باستمرار وما عليهم إلا أن يواصلوا إعادة تفصيل تلك المرقعات .
ما حدث في الآونة الأخيرة من حركات تتنسم عبير الحرية في تلك البلدان كشف عن أن أولئك “البلطجية” من بعض المثقفين أخطر من بلطجية الأمن والسياسة لأن لهم القدرة على إنكار الشمس في رابعة النهار وقلب المفاهيم، وغسل الأدمغة بأفكارهم المنمقة، وتوصيل أجزائها حتى تخفي ما وراءها من قبح، وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يكونوا أول من يستشعر ما هو قادم من تغيير ويسمعوا صوت الحق، ويحسوا بما يتشكل في الواقع، في الوقت الذي كان ينتظر أن يستيقظ في هؤلاء الضمير تجدهم يستميتون في دفع الأمواج عن تلك السفينة الغارقة حتى تكل أيديهم فيغرقوا، ومن أين لهم أن تستيقظ ضمائرهم وقد طمروها تحت طبقات وطبقات من النفاق والذل والتملق .
dah_tah@yahoo.fr

الأفكار المؤسسة للتغيير


أفق
الأفكار المؤسسة للتغيير
آخر تحديث:الاثنين ,25/04/2011
محمد ولد محمد سالم
النظر في تراث كتاب النهضة العربية ومثقفي فترة التحرر من الاستعمار يدلنا على أن الموضوع المركزي في ذلك الإنتاج كان هو الدعوة إلى المساواة بين أفراد المجتمع، وحفلت كتاباتهم بالتأصيل لهذه المساواة سواء عن طريق الرجوع إلى التراث العربي الإسلامي، أو عن طريق الرجوع إلى الفكر الفلسفي والسياسي الغربي، واختلطت نشوة التحرر من الاستعمار في أجزاء من الوطن العربي بنشوة تسلم تيارات فكرية وسياسية تنبني رؤيتها على أطروحة المساواة، وكان تمثيلها الأبرز في تلك الأنظمة العسكرية التي وصلت إلى السلطة بثورات لندخل في ما عرف بالاشتراكيات العربية، وتبع ذلك أن ترجمت أفكار المساواة والاشتراكية إلى دساتير تحكم تلك الدول .
لفترة ظن المواطن العربي أنه قد وضع الأساس الحضاري لنهضته واستعادة هويته التي طمستها قرون من الانحطاط قبل أن يأتي الاستعمار على بقيتها، وظن أنه سيصل إلى ما حلم به من رغد العيش وما يوفره له مبدأ المساواة من انتفاء للطبقية وتشارك في وسائل الإنتاج، ومن إمكانيات الوصول إلى حقوقه، ونسي ذلك المواطن المسكين أن تحقق مبدأ المساواة رهين بمبدأ آخر هو مبدأ “الحرية” التي هي شرط لممارسته أي نشاط، وشرط لإمكانات تعامله مع السلطة .
لم يقدم الفكر العربي غداة النهضة كبير شيء في ما يتعلق بمبدأ “الحرية” اللهم إلا في جانب علاقتها بالتحرر من الاستعمار، لكن ما يتعلق منها بالمواطنة (الحرية السياسية وحرية الكلمة والفكر وإبداء الرأي) ظل غائباً، وطغى على صوته صوت مشروعات إقامة دولة المساواة التي لم تلبث أن حُرفت إلى طغيان حول الدولة إلى جهاز أمن، والفكر إلى خادم له، والمواطن إلى رهينة، وتسربت قصداً كل أطروحات النهضة وكل أفكار المواطنة .
في ظل هذا الوضع بدأ الفكر العربي يتنبه شيئاً فشيئاً إلى الخطأ الجسيم الذي ارتكبه ابتداء، فكان أن ظهرت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين تنظيرات حول حرية الممارسة السياسية وحرية الرأي وحرية الإعلام وغيرها من الحريات، واقتنعت قطاعات اجتماعية كثيرة بأنه لا يمكن للمجتمع أن يحقق نهضته ويستعيد هويته بصدق من دون حصوله على تلك الحريات، وأنه ليس ب”الخبز وحده يحيا الإنسان”، وحتى هذا الخبز لا يمكن الحصول عليه من دون تلك الحرية، لأنه في غيابها سيكون إما خبزاً مشروطاً بقبول الظلم وإما تجويعاً حتى الموت .
مع تزايد ضغط ذلك الاستعباد والتجويع وتفشيه في المجتمع، ومع انفتاح فضاء الإعلام وتكشف بشاعة الظلم والقهر الذي كان سائداً في تلك الأنظمة، وانفتاح فضاء التواصل أمام الجمهور، ورواج الفكر الديمقراطي المؤسس على مبادئ الحرية، كان لا بد من الوصول إلى لحظة الانفجار، والهبة العظيمة لاستعادة الكرامة والهوية، وهو ما نراه اليوم في الثورات التي تشهدها بعض من الأقطار العربية .
dah_tah@yahoo.fr

الأحد، 20 مارس 2011

حان وقت التخلص من الأوهام

حان وقت التخلص من الأوهام

في ظرف تتصاعد فيه الدعوات لمظاهرات شبابية في موريتانيا على غرار ما جرى ويجري في عدد من الدول العربية، وبعد أن شهدت الجمعة الماضية أول تجسيد فعلي لتلك الدعوات، ومع توقع أن تتبعها جمعات أخرى، لا يبدو الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز مستعدا للتجاوب الدعوات الكثيرة التي تطالبه بالحوار مع القوى السياسية في البلد من أجل الوصول إلى تصور مشترك للخروج من أزمة هذا الوطن المستعصية على مدى ما يزيد على ثلاثين سنة من حكم العسكر سئم فيها الشعب من الوعود الجوفاء بتنمية وطنية قادرة على توفير مستوى من العيش الكريم للمواطن، وتضاعفت فيها أزماته وتراكم بعضها فوق بعض حتى باتت تنذر بانفراط عقد الدولة على ضعف السلك الناظم لها أصلا.
ويعتمد ولد عبد العزيز في رفضه للحوار على مقولة أنه منتخب من الشعب ومفوض منه لتنفيذ برنامجه السياسي الذي طرحه في حملته الانتخابية، وأنه لا يمكنه أن يحيد عن ذلك البرنامج لأنه هو الذي سيسأله عنه من انتخبوه، لكن وبعد قرابة سنتين من الحكم لا يبدو أن هذا البرنامج الباهت أصلا والذي لم يعرف منه المواطنون الأميون في أغلبهم سوى شعارات انتخابية، لم يستطع بعد انتخابه أن يحولها إلى عمل على الأرض أو على الأقل يقدمها في شكل خطة مدروسة ذات مفاصل محددة زمنيا بمدد عاجلة ومتوسطة وطويلة، ويعهد إلى حكومته بتنفيذها وإلى الإعلام بشرحها وتفصيلها ومناقشتها حتى يفهمها الشعب ويتجاوب معها، ويكون مستعدا لإعطاء الفرصة لتحقيقها، وهو ما يعني ضبابية الرؤية لدى الرئيس وحاشيته وعدم امتلاكهم لبرنامج واضح، ويمكن لأي مراقب للشأن الموريتاني وحتى أي مواطن عاد بحسه البسيط أن يستدل على تلك الضبابية من غير ما عناء ومن خلال مجريات الأحداث اليومية، وربما أبانت عنها بشكل واضح الإقالات التي أجراها الرئيس لبعض الوزراء الذين كانوا يمسكون بملفات أساسية في البلاد، كالصحة، والصناعة والمعادن، والطاقة والنفط، وكذلك إقالة ثلاثة أمناء عامين دفعة واحدة من وزارات الشؤون الإسلامية، والتعليم العالي، والصيد، وكل ذلك بسبب ما تردد من استشراء الفساد في دوائر الدولة، وقبل ذلك كان أحد الناشطين السياسيين في الحزب الحاكم قد عين مفتشا عاما للدولة بعد أن أقيل سلفه بسبب شكوى من متنفذين في الدولة خافوا من نشاط المفتشية وأرادوا أن يضمنوا ولاءها وصمتها على جرائمهم، ورغم أن هذا الأخير أقيل بسبب الحملة التي قامت ضد تعيينه، إلا أن رمزية الخطوة كانت دالة لأن دور هذا المنصب خطير في تسيير شؤون المال في الدولة، يضاهي منصب رئيس المحكمة العليا في القضاء، ويفترض في صاحبه أن يكون خبيرا ماليا صرفا، بعيدا عن الولاءات السياسية، وكان عفو عيد المولد النبوي الشريف عن محكوم عليهم في قضايا المخدرات أحد تلك المظاهر الدالة على ما اتجهت إليه حكومة من تَسمى ب"رئيس الفقراء"، وكل تلك المعطيات البسيطة تضرب في الصميم الشعار الأكبر لحملة ولد عبد العزيز الانتخابية وهو "مكافحة الفساد"، وقد تردد أخيرا أن الرئيس مستاء من الدرجة التي وصل إليها الفساد في أجهزة الدولة، وهو شيء غريب أن يجد رئيس نفسه وحكومته يعملان بعد ما يقارب سنتين من الحكم ضد شعار رفعه كمبدأ يسعى لتحقيقه، وتكون الحصيلة هي زيادة فساد قد فاضت أنهاره منذ زمن بعيد حتى وصل ماءه الأعناق، ويوشك أن يغرق الوطن نهائيا. قد يكون ولد عبد العزيز في رفضه المستمر للحوار يستند إلى تصورات هي أقرب إلى الأوهام منها إلى واقع الحال، وأحد تلك الأوهام أنه في سعيه للتمسك بالسلطة ظن أنه قادر على تنفيذ الإصلاح الذي يريده أيا كانت طبيعة الأشخاص المحيطين به، وقد أسقطه هذا الوهم في شرك المفسدين منذ أول يوم دخل فيه معترك السياسة ببدلته العسكرية ونجومها المذهبة التي فقد المجتمع غواية السقوط في حبها، فكان لا بد له في المرتين التين اختطف فيهما السلطة من أن يجد من هو مستعد لتمثيل دور العاشق لتلك البدلة، وبحكم أن المجتمع كان يومها معبئا بين قوى المعارضة وزمرة الفساد في حزب الرئيس الغابر معاوية ولد الطايع، لم يكن ولد عبد العزيز ليجد ليجد هذا الاستعداد إلا في فلول أولئك حزب ولد الطايع الذين جبلت نفوسهم على التلون وتغيير المواقف كلما كان ذلك يحقق مصالحهم الشخصية، فكانوا هم الركيزة الأساسية لحملته الأولى ورأس الحربة في عملية الاختطاف الأولى التي جاءت بسيد محمد ولد الشيخ عبد الله إلى الرئاسة، ثم كانوا جاهزين أيضا للدفاع عنه عندما أزاح ولد الشيخ عبد الله في عملية الاختطاف الثانية، ليتوجوه رئيسا بعد انتخابات معجلة استطاعوا يحصدوها بسبب تجربتهم الطويلة في نظام حكم ولد الطايع وما خلقوه خلالها من شبكات وتحالفات للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية التين هما المفتاح للسيطرة السياسية، وبشعارات براقة انطلت حيلتها على فئات من هذا الشعب الذي تبلغ فيه نسبة الأمية والجهل والفقر درجات مخيفة، تجعله مستعدا لتصديق تلك الأكاذيب والتشبث بأي حبل أمل يلقى إليه خصوصا إذا كان من سلطة مسيطرة هي الوحيدة التي تمتلك أجهزة الإعلام وتصرفها تجميع الرأي حولها.كيف لولد عبد العزيز إذن أن يتخلص من الفساد وهو قد جمع حوله رموزه المعروفة، وازدانت حملاته الانتخابية بسياراتهم الفارهة ودراريعهم المزركشة الأنيقة، كما تجمل بهم برلمانه وحكومته، ولكي لا يضيع الأمر من بين أيديهم، وليجمعوا شملهم الذي تشتت منذ رحيل رئيسهم ولد الطايع، كان عليهم أن يبادروا بتأسيس حزب جديد يتبرأون به ظاهريا من الحزب البالي "الحزب الجمهوري"، ويحكمون به الطوق حول الرئيس الجديد ويعيدون فيه ترتيب أوراقهم لكي لا يشذ عن سيطرتهم شي من زمام الأمور، فكان "حزب الاتحاد من الجمهورية" هو الدثار الجديد الذي يخفي ندوب الماضي السوداء على أكتافهم، ورأينا كيف تداعوا إليه سراعا من أحزاب سياسية كانوا تفرقوا فيها بعد الهزة الكبرى سنة 2005، وهكذا وجد ولد عبد العزيز نفسه عن قصد أو بغير قصد رهينة لأولئك القوم.لم يلبث هذا "الاتحاد" أن سيطر على جميع مناحي الحكم، ورجع إلى أساليب الحزب الجمهوري في ممارسته الإرهاب السياسي ضد كل مخالفيه، وحتى ضد منتسبيه الذين طالبوا بإعادة النظر في طرق انتخابه ووسائل اتخاذ القرار فيه، كما عكسه البيان الذي أصدرته منذ أيام مجموعة أطره والذي حمل تنديدا " بما تشهده ساحته من انقلاب فاضح ومكشوف على كل القيم والمبادئ ضاربا عرض الحائط بجملة الوعود التي أطلقها صاحب المشروع (رئيس الجمهورية) علنا بأن التغيير القادم سيؤسس على قاعدة صلبة قوامها الكفاءة والنزاهة والإخلاص"، وقد رد الحزب بعنف على ذلك البيان واعتبر أصحابه يخدمون أجندات تخريبية، لكنه من حيث لا يدري دلل على ذلك "الانقلاب المكشوف والفاضح" الذي تحدث عنه بيان المجموعة حين أراد أن يعين لجنة شبابية تابعة له سعيا منه إلى مواجهة ما سمي بحركة الشباب الموريتاني تطالب بالإصلاح والتي أخذت في تنظيم سلسلة من المظاهرات، ولتكون تلك اللجنة عاملا لجذب الشباب إلى الحزب، فكان أن جعل صهر رئيس الجمهورية رئيسا لها، قبل أن يفطن الرئيس أو مستشاروه إلى مزالق تلك الخطوة التي تذكر بنفوذ عائلات رؤساء الجمهورية وشؤمه على الشعوب العربية في وقت لم يكن فيه ولد عبد العزيز بحاجة لمثل هذا التذكر، فأمر على الفور بإقالة ذلك الشاب، وهو ما تم بعد ساعات قليلة من تعيينه.الوهم الثاني الذي قد يكون رئيس الجمهورية يتوهمه هو أن الإصلاح المرجو يتمثل في مد بعض الشوارع الإسفلتية في نواكشوط وبين بعض المدن داخل البلاد، وفتح دكاكين لبيع بعض المواد الغذائية بسعر مخفض، وتحويل بعض الأحياء العشوائية في نواكشوط إلى مناطق ترحيل توزع عليهم فيها قطع أرضية في مناطق نائية من مركز المدينة تضاعف عليهم نفقات المواصلات ولا يجدون فيها أبسط مقومات الخدمات المدنية، وغير ذلك من المبادرات الآنية التي يقوم بها من حين لآخر هنا وهناك، فهذا وهم كبير وفهم خاطئ للأمور، فإن الإصلاح المطلوب كان يقتضي أولا تطهير إدارة الدولة من الفساد، وهذه الخطوة كان يمكن تستغرق أشهرا قليلة من حكم ولد عبد العزيز وتعطي ثقة في ما يسعى إليه، لأنها بمثابة ما يسميه المتصوفة التخلية التي تطهر قلب السالك وجوارحه من مآرب النفس الدنوية، فيطهر الإدارة من المفسدين حتى يتسنى له أن يتحرك إلى الأمام في اتجاه تنمية حقيقية دائمة تعود على المواطن بعيش كريم، وتلك الخطوة لم تحدث، وبدلا منها أغرق الرئيس نفسه في تلك القضايا الجانبية التي أرهقته وبددت وقته فيما كان يمكن أن يعهد به إلى أصغر الخبراء النزهاء في وزارة الإسكان و النقل و التجارة وغيرها، وفي إحدى اللحظات الكاشفة التي اتسع فيها الخرق على الرئيس ولم يعد يعرف كيف يعالج الأمر بسبب تضاعف مشكلة الأحياء العشوائية التي أراد حلها بسرعة خاطب السكان قائلا: "ساعدونا كي ننتهي من مشكلة هذه الأحياء ونتجه إلى مشكلة التعليم"، وهو ما يوحي بتلك النظرة الجزئية للتنمية وبمركزية القرار في كل التفاصيل، وهو خطر لأنه يجعل كل شيء مُرجئا ومرهونا بقرار أعلى، ويسهل انفراط عقد الأمر من يد الرئيس حين تتفاقم المشاكل ويصبح غير قادر على متابعتها كلها.الوهم الثالث هو أنه يظن أن الشعب الذي (أعطاه) نسبة 52% في انتخابات 2009 سيظل مستعدا لانتظاره حتى ينهي مأموريته بعد خمس سنوات، خصوصا وأنه رئيس حديث العهد بالرئاسة، ولا يمكن تحميله تبعات الماضي، لكن ولد عبد العزيز يغيب عنه أن البسطاء من الشعب الذين خدعوا فيه وصوتوا له قد نفضوا اليوم أيديهم منه، ولم يعودوا بعد سبعة عشر شهرا من حكم متخبط وتزايد للازمات يرون فيه مخلصا، ولم يعد له سوى تلك الزمرة التي حددنا نواياها وأدوارها سلفا، وفي هذا الواقع أصبح من حيث لا يشعر امتدادا لمعاوية وحكمه الثقيل، وهو ببدلته المعلقة في خزانة غرفة نومه، وبجيشه امتداد طبيعي لحكم عسكري طويل سام البلاد والعباد قهرا حتى سئموا منه، ولذا فليس لدى الشعب هذا النفس المفترض للانتظار بعد أن لم ير شيئا يشجعه على ذلك منذ البداية.إن هذا الواقع السياسي الذي يعيشه حكم ولد عبد العزيز يجعل المطالب السياسية للمعارضة وما يسمى بحركة الشباب مطالب حقيقية لا وهمية أو شفونية، وليست من باب المنافسة والعداء السياسي بين معارضة وموالاة، وإن كانت المنافسة واردة، لكنها ليست الوقود في التحركات الأخيرة، وهو ما يستدعي من الرئيس الموريتاني اتخاذ قرار سريع بالجلوس للحوار مع ممثلي القوى السياسية الموريتانية بكافة أطيافها، والاستعداد لتنفيذ القرارات التي يُتفق عليها خلال ذلك الحوار، حتى ولو كان فيها المطالبة بانتخابات معجلة أو بتنازله عن الحكم، لأن ذلك من شأنه أن يجنبه هو أولا سيناريوهات كتلك التي واجهها ابن علي ومبارك أو التي يواجهها القذافي، ويجنب الوطن هزات لا يعرف مستقبلها، ولن ينفعه حينئذ أن يظهر أمين حزبه ليقلل من شأن الحركة الطلابية ويتغنى بعجز المعارضة عن تحريك الشارع، وكأن تحريك الشارع هو الرهان وليس الرهان تنمية وطن، ولن ينفع كذلك فرضية أن الإنترنت ضعيف الانتشار في موريتانيا وقليلون هم الشباب الذين يرتادونه ويتواصلون عن طريقه، فالشباب الموريتاني له ميزة إضافية هي أنه شباب مسيّس خاض عدة انتخابات وآمن بشعارات وطنية، وهو واع - قبل الفيسبوك وبعده - بحقوق المواطنة ومستلزمات التنمية.
محمد ولد محمد سالم

dah_tah@yahoo.fr
تاريخ الإضافة: 04-03-2011 14:17:

وكالة أخبار نواكشوط