بوصلة الاحتجاج فيها تتوجه نحو الرجل والمجتمع بعامة
تاريخ الرواية النسائية في الخليج
آخر تحديث:السبت ,19/12/2009
محمد ولد محمد سالم
1/1
يطرح مصطلح الأدب النسوي إشكاليات كثيرة، ويتوزع المهتمون بالأدب بين قبوله بحجة أن للنساء الحق في طرح قضاياهن والتعبير عن رفضهن للظلم والتمييز ضدهن وهن أقدر على التعبير عن واقعهن وأحاسيسهن من غيرهن، وبين رفضه بحجة أن الأدب فن أساسه اللغة وقوة التخيل فمن عرف كيف يتحكم فيهما ويصوغ منهما أبنية أدبية مبتكرة، استحق صفة الأديب أيا كان جنسه أو القضية التي يتناولها، أصبح إبداعه مشاعا للجميع وليس حكر فئة معينة، ومهما يكن الموقف النظري اليوم من هذه المسألة، فإن المصطلح قد شاع وأصبح له من واقع المؤلَّفات ومن قضايا المرأة الخاصة التي يتناولها ما يبرره، بل ما يفرض به نفسه على الدارسين، ولن يحول ذلك دون اعتباره أدبا رفيعا وإنسانيا عاما إذا توفرت له شروط الإبداع، وفي أدب غادة السمان وسميرة بنت الجزيرة ووداد سكاكيني وأحلام مستغانمي وميرال الطحاوي ما يشهد على ذلك .
على خلاف ما استقر عليه الرأي في الدراسات العربية الحديثة من أن رواية “أروى بنت الخطوب” لوداد سكاكيني الصادرة سنة 1949 هي أول رواية عربية نسائية، وأن رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل الصادرة سنة 1935 هي أول رواية عربية، على خلاف ذلك فإن د .بثينة شعبان في كتابها “مائة عام من الرواية النسائية 1989- 1999” ترى أن أول رواية عربية هي “حسن العواقب أو غادة الزهراء” سنة ،1899 وهي لكاتبة اسمها زينب فواز، وقد تلتها في غرة القرن العشرين روايات كثيرة لنساء قبل أن نصل إلى هيكل وروايته، وفي الخليج تعتبر الروائية السعودية سميرة خاشقجي “بنت الجزيرة” رائدة الرواية النسوية بروايتها الأولى “ودعتُ آمالي” 1958 والتي أتبعتها برواية “ذكريات دامعة” 1961 و”بريق عينيك” 1963 و”وراء الضباب”1971 و”قطرات من الدموع” 1973 و”مأتم الورد” 1973 .
وبعد بنت الجزيرة جاءت روائيات كثيرات منهن صفية عبد الحميد “عفواً يا آدم” 1968 وفاطمة العلي “وجوه في الزحام” 1971 وهند باغفار ورواية “البراءة المفقودة” 1972 وعائشة زاهر أحمد “بسمة من بحيرات الدموع” ،1979 ثم أخذت الظاهرة تتسع وتكبر في عقدي الثمانينينات والتسعينات وصولا إلى عقد الألفين الذي كان عقد انفجار الرواية النسوية الخليجية، لكثرة ما ظهر فيه من هذه الروايات، وأصبحت بعض العناوين الروائية النسوية تصيب من الذيوع ما لم يكن في الحسبان منذ سنوات قليلة مضت، ولا نبتعد إذا قلنا إن ما نشر في هذا العقد من هذه الروايات يقارب في عدده ما نشر في العقود الماضية، خصوصا في الرواية السعودية التي هيمن عليها الصوت النسوي، وهذه الهيمنة سمة ربما لا تقتصر على السعودية وحدها، بل تعم الأدب السردي الخليجي كله، ففي السعودية ظهرت رواية “حبي” 2000 و”موقد الطير” 2002 لرجاء عالم و”بنات الرياض” 2005 لرجاء الصانع و”جاهلية” 2007 لليلى الجهني و”البحريات” 2006 لأميمة خميس، وفي الكويت ظهرت “صمت الفراشات” 2007 لليلى العثمان و”سعاد” 2005 لبثينة العيسى، وفي الإمارات “الجسد الراحل” 2004 لأسماء الزرعوني و”أوجه المرايا الأخرى” 2006 لفاطمة السويدي و”طروس إلى مولاي السلطان” لسارة الجروان ،2008 وفي سلطنة عمان “منامات” 2004 لجوخة الحارثي، وفي قطر “مهرجان الأيام والليالي” 2001 لدلال خليفة .
ناصية الكتابة
تلك مجرد أمثلة من لائحة طويلة، ولا بد أن لهذه الطفرة علاقة بما حدث في الخليج من تطورات متسارعة منذ منتصف القرن العشرين مع بدء استغلال النفط ونشوء الدول الخليجية، وما انعكست به تلك التطورات على بنية المجتمع وأفراده، فعلى مستوى المجتمع انتقل من “الفريج” والبادية والغوص والبحر إلى المدينة بما فيها من صخب الحياة وازدحامها ومن فرص للاستغناء السريع وامتلاك المال، ومن مغريات للإنفاق وإشباع الرغبات، وانعكس هذا على كثير من أفراد المجتمع، فانشغل الآباء بأعمالهم عن أبنائهم، وتراجع دور الأمهات مسلمات أبناءهن إلى خادمات أجنبيات، وانغمس كثير من الشباب في الملذات والأسفار، وحدث شرخ كبير، وبدأت البنية الاجتماعية القديمة تتغير ومعها نسقها الفكري والسلوكي، ولم يواكب ذلك تطوير هذه القوى الاجتماعية الصاعدة لبنية فكرية تصاحب هذا التغير وتوجهه، لم يكن هناك تخطيط للشكل الذي ينبغي أن تسير عليه الأمور . وفي ما يتعلق بالمرأة - خاصة الفتيات اللواتي نشأن في هذه الفترة - فقد أتيح لهن التعليم ودخول ميدان العمل، واتسع هامش الحرية المتاح لهن بعد قرون من التضييق على أمهاتهن، فخرجن للعمل العام، وانفتحت آفاق تفكيرهن إلى شيء أرحب من غرف النساء والمطبخ والأولاد، وعاينَّ بفكر متقد هذا الشرخ الاجتماعي الكبير، فكان عليهن أن يعبرن عنه . . أن ينفثن على دفاترهن ندوب الماضي وأنات الحاضر وصيحات التحذير مما هو قادم، وكانت فنون السرد والرواية بشكل خاص أقدر على القيام بهذه المهمة، والمرأة جبلت على الحكاية، وعلى بث لواعجها لصويحباتها أو لنفسها إن لم تجد من تبثها إياها، فكيف بها وقد وجدت الورقة والقلم وامتلكت ناصية العبارة، وآنست من نفسها الشجاعة على رفع الصوت بحكايتها، لقد كان ذلك هو ما أنتج هذه الظاهرة الفريدة اللافتة التي نشاهدها اليوم، وعزز من هذه الصدارة كون الرجل المثقف في الخليج غالبا ما يتولى المسؤوليات الإدارية في الدولة أو ينخرط في عالم الأعمال فيدير مشروعه الخاص به وكل ذلك يستغرق وقته جميعا، أما المرأة فقد تركت مسؤوليات البيت إلى الخادمات فوفر لها ذلك فراغا كبيرا أمكنها استخدامه في الكتابة .
لم تأت هذه الظاهرة مرة واحدة بل تدرجت كما رأينا سابقا، عبر عقود وتغيرت خلال هذا التدرج نقاط التركيز في هذه الروايات واختلفت أوجه التعامل مع الواقع وأضرب التعبير عن قضايا المرأة، وقد قسم د .سمر روحي الفيصل في كتابه “الرواية النسوية الخليجية” أنماط تعبير الكاتبات عن قضايا المرأة إلى ثلاثة اتجاهات هي:
أولا “الاحتجاج النسوي التقليدي” وفيه عالجت الروايات قضايا المرأة من زاوية المقبول اجتماعيا ولم تحاول الصدام مع المواضعات الاجتماعية واكتفت بالاحتجاج الهادئ على الظّلم الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة ضمن معالجتها للظلم العام في المجتمع، وهذا شأن الغالبية من الروايات النسوية الخليجية، نجده في كل روايات سميرة خاشقجي رائدة الرواية الخليجية وفي مرحلة لاحقة عند دلال خليفة في روايتها “أسطورة الإنسان والبحيرة” التي عالجت قضية اغتصاب الحكم وظلم الشعب، وتعرضت خلال ذلك لمشاهد من ظلم المرأة، ونجده عند فاطمة يوسف العلي في “وجوه في الزحام” والتي تعرضت لمشكلة انبهار الشباب المغتربين بالغرب وزواجهم بالأجنبيات واحتقارهم لبنات جلدتهم وما ينشأ عن ذلك من انحراف وفشل لهؤلاء الشباب، وأكدت الرواية أن كرامة الفتاة وكبرياءها فوق كل اعتبار، ونجد مثل هذا الاحتجاج أيضا عند ليلى العثمان في “المرأة والقطة” وبدرية الشحي “الطواف حيث الجمر” وسارة الجروان في “شجن بنت القدر الحزين” .
ثانيا “الانقلاب الروائي النسوي” حسب مصطلح د . الفيصل حيث نزعت المرأة عنها رداء معالجة القضايا العامة الذي كانت تتستر به، وراحت تطرح قضاياها وتجاهر بثورتها متحدية المواضعات الاجتماعية، وكشفت العلاقات الجنسية والاجتماعية الشاذة التي تغلغلت في المجتمع، ومثلت هذا الاتجاه ليلى العثمان في “صمت الفراشات” وأميمة خميس في “البحريات” وليلى الجهني في “الفردوس اليباب” وزينب حفني في “ملامح” ورجاء الصانع في “بنات الرياض” وسارة الجروان في “طروس إلى مولاي السلطان” وقد طرحت معظم هذه الروايات سؤالا احتجاجيا هو: لماذا تواجه المرأة المذنبة العقاب والعار، بينما ينجو الرجل المذنب من كل ذلك؟ رغم اختلاف زوايا النظر التي نظرت منها هذه الروايات إلى قضية المرأة ورغم حضور الجنس فيها إلا أنها كانت كلها ترتد في النهاية على نوع من الحكم شبه المستقر بأن الثورة على المجتمع والتحرر والانحراف الذي تسلكه المرأة نشدانا لحريتها لا يمكن أن يسلمها إلا على النبذ والمحاصرة أو العقاب من طرف المجتمع، وكأن القصد كان إيقاظ المجتمع على مفاسده، الصراخ في وجه الظلم الذي تواجهه المرأة، وليس البحث عن حرية مطلقة قد لا تسلم المرأة إلى خير .
ثالثا: “الذات والسرد الذاتي” وهو اتجاه السيرة الذاتية للشخصية الحقيقية “الكاتب” أو المتخيلة “بطل الرواية” وتمثله في الرواية الخليجية رواية “حلم كزرقة البحر” لأمنيات سالم و”أوجه المرايا الأخرى” لفاطمة السويدي و”منامات” لجوخة الحارثي، وفي هذه الروايات يحس القارئ نبض الذات الأنثوية في نقد نظرة المجتمع الصغير وفي الوعي الشقي بنفسها في مجتمع ذكوري، وفيها كذلك تركيز على طبيعة المشاعر الأنثوية للفتيات في مرحلتي الطفولة والمراهقة، وفي استنتاج الفيصل للروايات النسوية الخليجية يلاحظ حضورا مركزيا للجدة وحكاياتها وغياب الأم التي أصبحت مشغولة في أمور أخرى وحنينا مستمرا إلى الأب الذي قد يكون ترك البيت ليتزوج بزوجة أخرى، وهي مظاهر سلبية للمجتمع الخليجي الحديث الذي غاب فيه الأبوان عن عالم أولادهما .
وفي ما يتعلق بتقنيات الكتابة فقد كرست الكتابة الروائية النسوية الخليجية تقاليد مميزة في الكتابة أبرزها الاتكاء على حكايات غرف الحريم الشبيهة بحكايات ألف ليلة وليلة وما تحمله في بعض الأحيان من أجواء أسطورية، وكذلك حضور قصص الجدات كتقنية سردية مساعدة في تعميق الأحداث وتجذير درامية موقف المجتمع من المرأة، ومنها أيضا الاستعانة بالحلم لسرد ما لا يمكن سرده مما هو ممنوع اجتماعيا، وكذلك الاعتماد على البوح الذاتي للشخصية للوصول إلى الجروح الغائرة في الذات الأنثوية، كما فتحت المواقع الاجتماعية الافتراضية وطرق الاتصال عبر الإنترنت الباب لأساليب جديدة من الاتصال مثل “المحادثة الإلكترونية والإيملات وتعليقات الزوار” استفادت منها هؤلاء الكاتبات كثيرا يظهر ذلك جليا في رواية “بنات الرياض” التي تقوم بنيتها الفنية على تقنية الرسائل الإلكترونية، وفي بعض الحالات تتجلى براعة الروائيات في استخدام المفردة بطريقة شاعرية تضفي لغة السرد حرارة قليلا ما تتأتى لها .
ويلاحظ الباحث صالح الحباشة في دراسة له بعنوان “الأدب النسائي في الخليج العربي” أن كثيرا من الروايات النسوية الصادرة في السنوات الأخيرة تفتقر إلى النضج الفني وإلى امتلاك ناصية التعبير السليم، فهي تعج بالأخطاء اللغوية، وقد تأتى ذلك من ضعف رصيد الكاتبات من الثقافة العميقة، التي تمتعت بها روائيات الرعيل الأول .
إن الرواية النسوية الخليجية استطاعت أن توجد لنفسها مكانتها، في عالم ثقافي ظل يطغى فيه صوت الرجولة، واستطاعت أن تعبر عما يجيش في نفس المرأة الخليجية، الشابة خاصة، من مشاعر مضطربة بين واقع لم تزده التغيرات الحديثة إلا حيفا في حقها واستغلالا لضعفها، وبين طموح إلى مستقبل عادل عامر بالحب والتقدير لشخصها، تكون هي نفسها طرفا في صناعته .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق