بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 27 مايو 2014

"عندما صمت عبدالله الحكواتي" حزمة ضوء تشتت في عدة اتجاهات

"عندما صمت عبدالله الحكواتي" حزمة ضوء تشتت في عدة اتجاهات
محمد ولد محمدسالم
يعود بنا عرض "عندما صمت عبدالله الحكواتي" لفرقة مسرح الصواري البحرينية إلى أجواء الراوي الشعبي في المقهى والسوق وما يرويه من قصص يتناسل بعضها من بعض وتتواصل فلا تنتهي،  وذلك من خلال الراوي عبدالله الحكواتي الذي انجذب إليه جمهور حيه وأحبوه على مدى خمسة عشر عاما من الحكايات المستمرة حول شخصية "عبدالله الصياد" الذي يمتلك قدرات خارقة تجعله قادرا على أن يرتشف البحر أو يحجب الشمس بيده، أو مادون ذلك من الخوارق، لكنّ عبدالله الحكواتي يتوقف فجأة عن سرد حكاياته، ويصاب بالصمت بسبب شخصية مبهمة زارته ذات ليلة وأنذرته بأنه سيفقد القدرة على الكلام بعد سبع وعشرين كلمة، وسيكون دواؤه في ثلاثة هدايا مبهمة لم تحددها له تلك الشخصية، ويحاول أصدقاء الحكواتي شفاءه بكل الطرق التي يتيحها الطب والرُّقْيا لكنهم لا يفلحون.
ثم ينكفئون على أنفسهم ليروي كل منهم حكايته الخاصة به، والتي تكشف عن أضرب كثيرة من المعاناة والمأساة، فواحد يكتشف كيف أنه عاش مخدوعا في صديقه الذي يظنه مخلصا له، مما دفعه إلى خدمته بكل وسيلة حتى ولو كانت خديعة البريئين من أجل صديقه، لكنه في النهاية يكتشف أن هذا الصديق كان يخونه مع زوجته، وآخر توسوس له نفسه بأن زوجته تخونه مع عشيق فيقتلها، ثم يتحقق من براءتها، فيعيش حياته نادما على فعلته الشنيعة، ورابع يروي للسلطان كذبة لم يسمعها فيستحق لذلك الجائزة، لكنه لا يأخذها، وبدلا من ذلك يُبيِّن للسلطان أنه عاش طيلة ملكه يكذب على الناس، فيقرر السلطان قتله، وتنتهي تلك الحكايات بعبدالله الحكواتي واقفا في منتصف الخشبة (المقهى) وحيدا صامتا، كما كان في آخر مرة.
أعد المخرج حسين عبد علي خليل مسرحيته من ثلاثة نصوص أدبية هي رواية "حكواتي الليل" لرفيق الشامي، ورواية "أهل البياض" لمبارك ربيع، وقصص "درويش الثالث" من ألف ليلة وليلة، واختار أن يقدم عرضها في قاعة مسرح جمعية المسرحيين الإماراتيين التي أعدت بشكل دائري يحاكي شكل المقهى أو مسرح الحلقة (أو السرادق) في المجتمعات التقليدية، وهو شكل يلائم القالب الفني للحكايات المروية بدءا بعنصر الراوي ثم الحكايات نفسها المقتبسة من قصص تقليدية، وقد كان أداء الممثلين الستة: عبدالله السعداوي ومحمد الصفار وباسل حسين ومحمود الصفار وحسين خليل ومحمد المرزوق جيدا ومتناغما، عكس الحالات المتعددة التي تمر بها الحكايات، وأغنت حركة الممثلين وأصواتهم عن الكثير من الديكور والأكسسوارات وحتى الشخوص، مما يشي بأنهم فنانون محترفون أولي تجارب عميقة، وكان تمثيلهم متناغما مع الإضاءة والسينوغرافيا عامة التي عكست تقريبا كل الأجواء التي تقلب فيها الممثلون، وهي كثيرة ومتنوعة، مما جعل الجمهور يتنقل بسلاسة بين تلك الأجواء، وسمح شكل الحلقة أيضا برفع الحواجز بين الممثلين والجمهور الذي اندمج كجمهور في المقهى أو في الحارات التقليدية وكشعب في مدينة السلطان.
كل ذلك كان اجتهادات جيدة وواعية من طرف المخرج، لكنّ التساؤل الكبير الذي ظل معلقا هو لما ذا سكت الحكواتي؟، ولماذا هذا الشتات من الحكايات، وهل استلهام الشكل التقليدي للحكاية التي يتناسل بعضها عن بعض هدف في حد ذاته؟.
لقد وضع المخرج المتلقي في متاهة لم ينقذه منها، وقد حكم على اللعبة الدرامية بالتوقف عندما أخرج الحكواتي منها، وأدخلنا في جيوب من الحكايات التي لا نهاية لها، ولا دلالة لها في سياق مأساة الحكواتي الذي لم تقدم عودته صامتا في نهاية العرض أية إضافة سوى الصمت والحيرة.

قد تكون هناك إضاءات في هذه الجيوب (قهر المرأة وكذب السلطة ونفاق المجتمع)، لكنّ المسرح هو فن الرؤية الواحدة التي تجمع الشتات، وتؤلف المتفرق لتصنع منه حزمة الضوء وتسطقها في اتجاه معين، وتلك الحزمة الضوئية الموجهة هي التي ضاعت من المخرج وسط أشعة انطلقت في عدة اتجاهات.

عن "نشرة مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق