بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسرح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسرح. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 5 أكتوبر 2014

"نهارات علول": بساطة وعمق أرهقتهما بعض المشاهد الزائدة



"نهارات علول": بساطة وعمق أرهقتهما بعض المشاهد الزائدة
محمد ولد محمدسالم
ما يميز مسرحية "نهارات علول" هو الجمع بين بساطة الفكرة وعمقها، مع قوة التمثيل، فقد كان حضور الممثلين واحترافهم هو البطل الأول في هذه المسرحية التي كتبها مرعي الحليان وأخرجها حسن رجب لفرقة مسرح المسرح الحديث في الشارقة، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة، وهي آخر عروض مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر حسن.
علول الصعلوك المتمرد الذي لا يريد أن يظل هو وزملاؤه مجرد صعاليك "حرافيش" يعيشون على هامش المدينة بين الأزبال والقاذورات، ينغص عليه ذلك الوضع حياته فيهجر النوم عينيه، ويبدأ في التذمر من وضعه، ويحتج ويثور بصوت عال يجعل رفيقه يصاب بالرعب ويحاول بكل وسيلة أن يسكته لكي لا يصل صوت احتجاجه إلى سكان المدينة من أصحاب المنازل والقصور، فينزلون بهم العقاب، وفي تلك الأثناء تأتيه حبيبته قادمة من القصر الذي تعمل خادمة فيه، تجلب له الطعام، وتبادله لحظات من البوح والحلم بأولاد ومنزل وحياة كريمة، لكنّ صوت حارس القصر الخشن يقطع عليهما لحظاتهما، آمرا الخادمة بالعودة فورا إلى القصر، ويعرف علول أن الحارس يبتز حبيبته مقابل أن يسمح لها باللقاء به، فتتملكه الحمية لعرضه وزوجته، ويتجه إلى الحارس يريد أن ينتقم منه، لكنّ الحارس يطلق عليه رصاصة، تستقر في جوفه، وبعد أن يظن أصدقاؤه "الحرافيش" أنه مات ويقيمون له مأتما، يفاجأون بأنه حي، وأن جرحه التأم ولم يعد له أثر، لكن الرصاصة أصبحت تجول في جسده، مسببة له اضطرابا في الحركة والكلام، فتركته شخصا غير سوي، وورث على إثر ذلك دهشة أصدقائه الذين اعتبروا ما حدث له كرامة، واعتبروه رجلا مباركا، يستشفون بدعائه، ويستنزلون البركة بقربه.
لكنّ علول الذي أصبح على تلك الحالة، لم يفقد عقله، وأصبح يتكلم بالحكمة، ويحرض الصعاليك قائلا: ارفعو رؤوسكم عاليا، ومدوا قاماتكم أعلى فأعلى، وتنفسوا الهواء الذي على رؤوسكم، فما ثم إلا الفراغ، وعليكم أن تملأوا هذا الفراغ"، استشعر أهل المدينة الخوف من تلك الكلمات، وما تحمله في طياتها من دلالات تشكل خطورة على حياتهم فقد تقلب الموازين، وتغير القواعد التي يسوسون بها المدينة، لذلك قبضوا عليه وحاكموه بتهمة أن جسمه سرق رصاصة الحارس التي استقرت فيه ولم تخرج، وحكموا عليه بالإعدام، لكنّ الصعاليك الذين شهدوا المحاكمة، وتنفيذ الإعدام، لم يستوعبوا ذلك الحكم، فثاروا على القاضي والمحامي والحراس وطاردوهم، ثم عادوا إلى علول ليدفنوه بالعلب الفارغة التي هي وسيلتهم لاكتساب رزقهم، وعندما يتركونه، يتحرك ويتشنج جسمه، ويبدأ من جديد في شكوى الرصاصات التي تغمزه في مناطق متعددة من جسده، لتنتهي المسرحية على ذلك.
ثار علول وحلم وانتفض لشرفه، فعاقبه الأسياد بتشويه الجسد، وكافأه أصدقاؤه بالتقديس، وأصبح روحا تبث الحلم في الآخرين، فعاقب الأسياد تلك الروح بالاستئصال (الإعدام)، وكافأها أتباعها بالثورة، تلك هي نهارات علول حلم فعذابات وحلم فعذابات فثورة، الصراع الأبدي بين إرادة الحرية وتحقيق الذات، وبين قوى التجبر والقمع، لكن الحلم لا يخبو وإرادة الانعتاق لا بد أن تنتصر، ذلك هو ما يبشر به هذا العرض الذي كما قلنا آنفا كان الأداء التمثيلي فيه بارعا، وكان بلغة فصيحة شاعرية، سهلة يفهمها الجميع وممتنعة فليست من السوقي، وقد اجتهد حسن رجب في أن يقدم لعبة إخراجية رشيقة خصوصا في اختياره لقطع الديكور التي كانت عبارة عن كراسي بعجلات ومساند متحركة، فهي في الأصل عربات يجمع فيها الصعاليك العلب، وهي أيضا كرسي للقاضي، وقفص للمتهم، وغير ذلك، كما كان الاقتصاد في الموسيقى موفقا، فقد استحضر المخرج عازفا طنبور محترفاً استطاع أن يوائم إيقاعه سرعة وبطئا مع حركة الممثلين وبهدوء مريح في الأذن، أنسانا ذلك الصخب الذي كانت تجرفنا فيه بعض الإيقاعات في العروض السابقة، ورغم أن الإضاءة وظفت في بعض المواقف توظيفا جيدا إلا أن هناك إحساسا بأن الخشبة كانت غارقة في الظلمة في أغلب الأوقات خصوصا في الحالات التي تجمع الصعاليك، وفي مشهد تعذيب صديق علول، وحالات أخرى كان يمكن أن تظل الخشبة فيها مضاءة إضاءة كاملة، خصوصا وأن قطع الديكور متحركة ويمكن سحبها بسهولة، والأصل في المسرح أن تكون الخشبة مضاءة كليا، إلا في حالات استرجاع الزمن، فيكون لإظلام الخشبة، وإسقاط الضوء في بقعة محددة مبرر.
من الناحية الدرامية فقد فهناك مشهدان يمكن الاستغناء عنهما بسهولة ودون أن يخل ذلك بالعرض، وقد أصاب وجودهما العرض بشيء من الفتور، أولهما مشهد تعذيب صديق علول، فهذا المشهد لا فائدة منه اللهم إلا إذا كان يراد به الإضحاك، لأن قسوة السلطة وتجبرها ظهرت في الخوف الأول وفي الرصاصة التي أصابت علول، وفي مشهد المحاكمة، ونفس الشيء في مشهد الإعدام ففيه الكثير من الافتعال، واستجداء الإضحاك، خصوصا أن تنفيذ الإعدام كان يمكن أن يحدث في ختام مشهد المحاكمة، ومن الناحية الدرامية فإن تنفيذ الإعدام وتحرك علول بعد موته ليسا ضرورين لأن الحكم بالإعدام مبرر جيد للثورة، والثورة فعل حياة أبلغ من حركة الميت، ومما يمكن ملاحظته أيضا أن الحلم الذي يظهر فيه علول وزوجته وقد أنجبا الكثير من الأولاد وعلول يخطط لكي يكبروا وينشروا العدل والحرية والمساواة في الأرض، هذا المشهد جاء متأخرا عن وقته، لأنه ينبغي أن يكون مشهدا استهلاليا، فعلول بعد الرصاصة ليس حقيقة أو على الأقل لا جسد له، بل هو روح هائمة تبث الإيمان والثورة في شعبها الصعاليك.

لو أن العرض تخلص من تلك الهنات لكان عرضا في قمة الإبداع والجمال، وهو على كل حال عرض ناجح فيه الكثير من الإمتاع.
نشرة مهرجان الخليج المسرحي 2014

"خلخال" عرض ناجح بأقل الخسائر

"خلخال" عرض ناجح بأقل الخسائر
محمد ولد محمدسالم
ما يميز مسرحية "خلخال" لفرقة قطر المسرحية عن عروض الأيام السابقة هو أنها انصرفت لمعالجة قضية واحدة، وحاولت أن تذهب بها عميقا غائصة في أغوار التجربة الفردية عندما تحاصرها أطر اجتماعية صارمة، فهذه المسرحية التي ألفها الكاتب الإماراتي سالم الحتاوي وأخرجها فيصل حسن رشيد من قطر، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة، في إطار عروض مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر، تعالج قضية الفئوية أو التأطير الذي يفرضه المجتمع على الفرد، فلا يجد منه فِكاكا، وحين يسعى للخروج منه يواجَه برفض من طرف المجتمع، ويخوض صراعا مريرا وعنيفا، طرفاه غير متكافئين.
ذات يوم رن في أذن سهيل إيقاع الخلخال الذي يأتيه صوته من خلف الجدار فعرف أن ابنة الجيران "مريم" ترقص في حوش أهلها، ثم عاد فرن في اليوم الثاني والثالث، وأصبح سماعه عادة انفتح معها قلب سهيل الفتي لتلقي نسمات الحب والحلم بعش يجمعه بذات الخلخال التي فصلها خياله، ونسق جمالها على نسق الإيقاع الفاتن لخلخالها، وألهمته لحن الشعر وكلماته، فبدأ ينسج لها منه حللا، ويأتي اليوم الذي تتوقف فيه رنة الخلخال، ولا تعود، ويعصف الوله بسهيل فيلجأ إلى الخمر ليخفف ولهه، ويكبر وهو على تلك الحالة، لا يتستطيع نسيان رنة الخلخال، وفي غمرة سكرات الإدمان تشده رنة خلخال الراقصة "غاية"، فيتعلق بها، وينشد فيها أعذب القصائد، ويهيم بها غير مبالٍ بمعارضة أهله ومجتمعه لحبه لراقصة، وهو الشاعر المبرز الذي لا يليق به إلا النساء المصونات.
تماطل غاية وتمتنع من مبادلته الحب، لكي تستوثق من قدرته على مواجهة المجتمع إن هو ارتبط بها، وتحت إلحاحه ووعوده بأن يظل مخلصا لها، وأنه سيغير حالتها تقبل بالزواج منه، وتتخلى عن مهنة الرقص، وتقصر نفسها عليه، لكنّ سهيل يواجَه بحظر من طرف المجتمع يطيح به من مكانته العالية، فلم يعد هو الشاعر الذي يتصدر المجالس ويحتفي الجميع بقصائده، وقد تخلى عنه أهله وأصدقاؤه، وأصبح منبوذا، ولا يقوى على تحمل ذلك فيعود إلى الإدمان، ويفقد الثقة في نفسه ويصبح من سكرة لأخرى، وتصاب غاية بخيبة أمل، وهي التي ظنت أنها بزواجها من سهيل ستغسل عار ماضيها الذي وجدت نفسها فيه منذ أن كانت صبية تحب الرقص، ومنذ أن تلقفتها تلك المرأة وعلمتها الرقص وأصبحت تذهب بها لترقص في المناسبات، أرادت أن تمحو نظرة المجتمع إليها وتصبح امرأة محترمة لزوج محترم تتفانى في حبه، وحلمت بعش زوجي هادئ بعيد عن صخب الرقص ودراهمه الآثمة، وأعين الرجال المفترسة، لكنّ المجتمع قسا عليها وعلى زوجها، وحرمها من تلك الفرصة، ولم تجد من حل أمام الحالة التي تردى فيها زوجها سوى أن تعود إلى الرقص من جديد.
استغل المخرج بذكاء جو المسرحية المرتبط بموضوع الرقص، ليقدم سينوغرافيا تلعب على هذه الموضوعة، فكانت قطع الديكور الثلاث الكبيرة تحاكي سطح الطبل الدائري، وقد جعلها متحركة وشفافة ليسهل نقلها واستغلالها في تعابير ديكورية مختلفة، كأن تكون طبولا أو جدرانا أو ستائر أو فضاءً خياليا للحلم، كما استغل الجوقة لتكون مجموعة طبّالين وراقصين، وأشباحَ حلمٍ وذكريات، لكنّ شكل لبس الجوقة الذي أظهرها وكأنها مجموعة بدائية تعيش في الأدغال كان غريبا على جو المسرحية، وربما كان دافع المخرج إلى ذلك هو محاولة إبراز عضلاتهم القوية المفتولة التي تناسب عمل الطبّالين، لكنه كان يمكن أن يظهرها بلباس وهيئة تليق بمجموعة رقص في مجتمع "متحضر"، أما من ناحية الإضاءة فقد كانت مقبولة عموما، وأعطت تمايزا بين حالات الواقع والحلم والاسترجاع، ومع ذلك فقد كان يمكن الاشتغال عليها أكثر حتى تكون بمستوى الديكور.
من ناحية التمثيل فقد كان أداء الممثلة غادة الزجدالي حركيا وقدمت لوحات استعراضية جميلة تلائم شخصية الراقصة، وكان أداء فيصل حسن رشيد محترفا في حالات البوح والاستبطان المرتبطة بلحظات العشق والفقد وحالة السكر، إلا أنه في اللحظة التي كان ينبغي أن يخرج فيها من تلك الحالة ويظهر كعريس مسؤول وواع وفرح بزواجه، لم يخرج، وعوضا عن ذلك واصل تقمص حالة السكران مستغلا ما تسمح به من كوميديا، وهو خلل فني ودرامي، كان ينبغي تعديله حتى ولو كان من النص، فلكي تكون معارضة المجتمع عميقة ومؤثرة ينبغي أن تكون لحظة الوعي وتحمل المسؤولية عميقة ومؤثرة، فلا يكون السقوط مدويا إلا إذا كان شاهق، ومما أضعف تلك اللحظة الفاصلة أيضا أن المخرج كان ينبغي أن يظهر المجتمع الذي يعارض هذه الزيجة على الخشبة، فتكون معارضته مجسدة في شكل شخصيات تتحرك وتعارض وتعمل على إفشال ذلك المشروع، وأن لا تظهر تلك المعارضة بشكل عارض على لسان الزوجين أثناء الحوار، ومهما يكن فإن العرض كان ناجحا، وقد أوصل وجهة نظره دون إملال وبحلول إخراجية فيها احتراف لا بأس به.

نشرة مهرجان المسرح الخليجي 2014

"من منهم هو" اجتهاد اخطأ انتقاء أمثلته




"من منهم هو" اجتهاد اخطأ انتقاء أمثلته
محمد ولد محمدسالم
لا شك في أن محاولة إعادة قراءة الشخصيات التاريخية والبحث عن ملمح درامي يربط بينها ليكون عمادا لعمل مسرحي، لا شك ذلك مسعى اجتهادي يدل على وعي مسرحي جيد، لكنّ الإشكالية في هذا المسعى تكمن في كيفية تحديد هذا (الملمح) واختيار الشخصيات التي تجسده، واللحظات التي تعبر عنه في تاريخ تلك الشخصيات، وهذه الإشكالية هي ما وقعت فيها مسرحية "من منهم هو" لفرقة المسرح الشعبي الكويتية، التي ألفها أحمد العوضي وأخرجها خالد أمين، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة وهي خامس عروض الدورة الثالثة عشرة من مهرجان المسرح الخليجي.
تجمع المسرحية بين ثلاث شخصيات أسطورية وتاريخية من مختلف العصور، الأولى هي "ميديا" بطلة المسرحية اليونانية المسماة باسمها "ميديا" التي كتبها يوريبيديس، وتحكي قصة ميديا تلك المرأة التي ضحت بكل شيء حتى بأخيها الذي قتلته من أجل حبيبها "جيسون" الذي سوف تهرب معه وتتزوجه وينجبان، لكنه يخونها بزواجه من امرأة أخرى بحثا عن المال والجاه، فتنتقم منه بقتل زوجته، وقتل أبنائه منها هي أمام عينيه، والشخصية الثانية هي الزير سالم أبو ليلى المهلهل بطل حرب البسوس بين تغلب وشيبان الذي كان يعيش حياة لهو وطرب ونساء، قبل أن يقتل جساس أخاه كليبا، فيضطر الزير إلى ترك ملذاته، والنهوض طلبا لثأر أخيه، فأصبح رمزا للبطولة والتضحية من أجل الثأر للأخ، والشخصية الثالثة هي الليدي ماكبث زوجة القائد ماكبث في مسرحية "ماكبث" لشكسبير  التي حرضت زوجها على قتل ملكه وولي نعمته غدرا ليفوز بالملك، فكانت بذلك رمزا للغدر والطمع، فعن طريق هذه الشخصيات الثلاث يحاول المؤلف أن يبني نصه المسرحي على ملمح صرح في تقديم المسرحية بأنه ملمح النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا طرحنا جانبا شخصية "ميديا" المُشْكِلَة التي تجمع بين إرادة الخير بتضحيتها من أجل الحب، وثورتها من أجله، وإرادة الشر بقتلها لأخيها وأبنائها، إذا طرحنا هذه الشخصية جانبا فإنه لا رابط بين الزير الذي نهض ثأرا لأخيه وهو فعل خَيْرٍ محمودٌ في عصره، ولا يزال التاريخ يمجده عليه، حتى أصبح من أجله رمز البطوله وأكثر الشخصيات أسطورية في المخيلة العربية، وبين الليدي ماكبث التي تعني الإرادة الصافية للشر والغدر الدنيء، هذا الخلل في اختيار الملمح الصافي الذي لا لبس فيه، أخل برؤية المسرحية ابتداء، وانعكس على العرض الذي قدمه المخرج.
 وضع المخرج ثلاثة أقفاص مفتوحة في عمق الخشبة  على خط واحد، ووضع في كل منها إحدى الشخصيات الثلاث، وكأنه يوحي لنا بأنه يريد إلى محاكمة هذه الشخصيات، واختار أن تكون البداية مع الزير سالم من لحظة تخليه عن الخمر ورفضه لعرض الصلح الذي عرضه عليه بنوشيبان، فهو لا يريد إلا رأس جساس، ومع الليدي ماكبث من لحظة تحريضها لزوجها على القتل، ومع ميديا من لحظة شكها في زوجها الخائن، وتبدو كل الشخصيات متعطشة للدم والانتقام، ثم تظهر شخصية "هو" ذلك الشبح بهيئته البشعة، الذي يبدأ في تحريض الشخصيات الثلاث على إراقة الدم والانتقام، بادئا بميديا ثم مارا بالزير منتهيا بالليدي ماكبث ليعود إلى ميديا هذه المرة في صورة زوجها الخائن وهي تلومه وتعنفه على خيانته، ويظهر مع الزير في صورة ابنة أخيه التي تبكي بين يديه وتدعوه للأخذ لها بثأر أبيها، ثم مع الليدي في صورة زوجها وهي تحرضه على القتل، ثم يظهر هذا الهو أيضا في صورة الملك الذي يطرد ميديا عن مدينته بعد قتلها لأخيها، وفي صورة جساس وهو يتوسل إلى الزير لكي يقتله ويريحه ويريح أهله، وفي صورة ماكبث بعد أن نفذ جريمته وتسلم التاج، لتنتهي اللعبة بالشخصيات الثلاث وهي تعيش الندم وأزمة ضياع العمر في الانتقام والشر، ويظهر "هو" في القاعة أمام الجمهور مخاطبا إياه، "لقد انتهى دوري، لكنني مطمئن أن كل واحد منكم ستسلم هذا الدور".
"من منهم هو"؟ هذا السؤال يحق لنا أن نطرحه، ليس كما أراده المخرج لكن كما أثاره العرض، فمن هو هذا "الهو"، هل هو الذات الأنانية والنفس الأمارة بالسوء كما أراده المخرج، ولماذا إذاً يلعب دور شخصيات أخرى كجساس وجيسون وماكبث بنفس لباسه وهيئته التي هو عليها، أليس في ذلك إرباكا لدلالة الشخصية، أما كان يمكن أن يغير الزي والهئية لتظهر الشخصيات مغايرة لهذا الهو، ثم إذا اعتبرناه النفس الأمارة، فما الذي أضافه دخوله في المشهد الثاني وتحريضه لشخصيات بدت في المشهد الأول في ذروة تحفزها واستعدادها للانتقام، ألم يكن حريا أن تكون البداية معه، حتى يكون لتحريضه معنى.

من ناحية السينوغرافيا فإن توظيف عناصرها خدم العرض إلى حد بعيد، خاصة من ناحية الإضاءة التي عبرت بشكل جيد عن مختلف المواقف، لكن سرعة تبادل الأدوار بين الشخصيات الذي بدا على شكل مونتاج لحوارات ومونولوجات ترد هنا وهناك في حكاياتهم الثلاثة، هذه السرعة جعلت تبادل الدور بين الإضاءة والإظلام يتأخر، فتفتح الإضاءة على شخصية في وقت ما تزال إضاءة الأخرى مفتوحة، كما أنه في بعض اللحظات تبقى الأقفاص مضاءة كلها في وقت تكون شخصية واحدة هي التي تتكلم، وهو ما يخل بعامل الفرق الزمني بين الشخصيات، أما الصوت فقد شابته اختلالات ولم تكن بعض الجمل مسموعة، وهناك أخطاء فادحة في اللغة لدى الممثلين، ومن ناحية الأزياء، فقد بدا زي الممثلة فاطمة الصفي التي مثلت الليدي ماكبث مقيِّدا، وأثقل حركتها.
محمد ولد محمدسالم
نشرة مهرجان المسرح الخليجي 2014

الثلاثاء، 27 مايو 2014

"بازار" رسالة فقدت عنوان البريد

"بازار" رسالة فقدت عنوان البريد
محمد ولد محمدسالم
ضاع صك ملكية البئر فاستشرى الخلاف حولها بين عشيرتين من أبناء القبيلة الواحدة، كل تدعي ملكيتها، وتبحث عن ما يسند دعواها، ويعصف الصراع بالأفراد فتتولد منه خلافات ثانوية ونعرات لا تنتهي، وتداس أحلام كبيرة وصغيرة، وتنتعش مآرب أنانية لدى شخصيات كثيرة، فيضيع الشأن العام، وتضيع البئر وأهلها، تلك هي الخلاصة التي تنقلها إلينا مسرحية «بازار» لفرقة الدن العمانية، التي ألفها الإماراتي محمد صالح، وأخرجها العماني إدريس النبهاني
يتخذ العرض من البحث عن صك ملكية الطَّوِيّ (البئر) مولدا ومؤطرا للحدث، فمن خلال المناكفات والنقاشات حول هذه العملية تنشأ الأحداث، وقد كانت البداية باجتماع عام لرجال العشيرتين يتدارسون فيه كيفية الوصول إلى ذلك الصك الذي لا يعرفون سبب ولا كيفية اختفائه، فتقول عشيرة الزعيم سعدون إنهم سوف يأخذون برأي (سمعول)، وتقول عشيرة الزعيم حافظ إنهم سوف يأخذون برأي (بايت)، ولا يتفقون، فتقوم المرأة (نصراء) وتقول إن عليهم أن يأخذوا برأي الأسود، لأن سمعول مجنون وبايت سكير مخبول لا يفيق، لكنهم جميعا يرفضون رأيها على الرغم من إقرارهم بأن الأسود أعقل من الاثنين وأصلح لتقديم الرأي السديد.
يعمد الزعيم حافظ إلى استمالة "بايت" لكي يأتي برأي يسند دعواه في البئر، فيسعى لتزويجه "شامة" ابنة نصراء اليتيمة، لكن البنت وأمها ترفضان ذلك المخبول، ونكتشف أن حافظ هو قاتل والد البنت، وانتقاما من البنت وأمها يمنع حافظ ابنه "عذب" من أن يتزوج شامة التي يحبها وتحبه، تم تتفق العشيرتان على استقدام "سمعول" ليعرفوا منه أين ذهب الصك، لكن هذا المجنون المسلح لا يخرج لهم برأي، ويظل يشهر سلاحه في وجه كل من يترفع كلامه في اتجاهه، ولا يعرفون كيف يتصرفون معه، وأثناء نقاش بينه وبين حافظ يشهر سلاحه ليقتل حافظا فتأتي الطلقة في نصراء التي تموت، ويختفي سمعول، ليأتي دور "بايت"، لكن بايت يماطل برأيه، ويقول إنه لن يقول سر الصك إلا لشامة وبعد أخذ ورد يقنعون عم شامه بإرسالها إلى بايت، الذي يحاول الاعتداء عليها، فتصفعه وتدفعه ليسقط في البئر، ويحدث إظلام نشاهد خلاله شامه وسط دائرة من الرجال كلما اتجهت إلى جهة اعترضها أحدهم فتعود أدراجها، وهكذا حتى تسقط مغشيا عليها ويسقط الرجال حولها، وتكون النهاية.
اشتغل المخرج اشتغالا بصريا جيدا فحشد عدة عناصر سينوغرافية مهمة، فمن ناحية الإضاءة فقد كانت موفقة في عدة مواقف وعكس لونها أجواء الحدث، فتكون حمراء في لحظات المآسي والدم، ووردية  في لحظات الحب والبوح، ومفتوحة بيضاء في حالات الاجتماع والنقاش، ومن ناحية الديكور فقد عكس تكوينه وتلوينه شكل البيئة الجبلية، على الرغم من أنه يمكن المجادلة في ذلك التكوين الكبير الذي شغل نصف الخشبة الخلفية وأعاق حركة الممثلين، واضطر ثباتُه المخرجَ إلى كثير من حالات الإظلام التام وإسقاط الضوء في بقع محددة لإخفاء ذلك الديكور الهائل، وكان في غنى عن ذلك لو أنه استخدم ديكورا رشيقا قابلا للتغيير والتحريك، ومن ناحية الأزياء والأكسسوارات فقد كانت تتماشى وأجواء المجتمع التقليدي، ومن ناحية الغناء فقد كان تقليديا وبآلات تقليدية تلائم الحالة.
الملاحظة البارزة في المعالجة الدرامية في مسرحية (بازار) هي أننا لسنا أمام حكاية، لكننا أمام حالة، والحالة في المسرح الجاد هي إحدى وصفات الملل التام، إن لم تلعب على الكوميديا أو الاستبطان النفسي، وهما عنصران غائبان في هذا العرض إذا ما استثنينا مشهد بايت الأخير، ولقطة العشيقين، وعوضا عن ذلك اعتمدت المسرحية حوارا ضديا بين رأيين متصلبين، محكوم عليه بأن يظل يراوح مكانه، ويتكرر بشكل بارد وممل في جميع المشاهد، لأنه لا يأتي ضمن سياق أحداث حكاية تتنامى وتتصاعد في اتجاه نهاية ما.
ما أشبه الليلة بالبارحة، وأشبه "بازار"  ب"زوان"، لقد أراد الكاتب وتبعه المخرج في ذلك أن يعالج عدة قضايا من حالة واحدة (الصراع القبلي، قضية الفئوية "الأسود"، الآباء وتجبر الأبناء، المرأة والقهر، الغريب الذي نحكمه فينا ونسلم له قيادنا)، ونسي أن يركز على قضية واحدة عبر حكاية متنامية تشد الجمهور وتقنعه، وتجعله يتفاعل معها ويعيش تجربتها، وبذلك فقد عنوان البريد الذي يمكن أن يوصل رسالته إلينا فبقيت في الصندوق الذي وضعها فيه.

عن نشرة مهرجان الخليج المسرحي الثالث عشر

"زوّان" خلل في البينة الدرامية وغياب لدور الإضاءة

"زوّان" خلل في البينة الدرامية وغياب لدور الإضاءة
محمد ولد محمدسالم
اختار المخرج السعودي ياسر الحسن أن ينطلق من أسطورة شعبية سعودية عن عين ماء مسكونة بالجن تختطف البشر ليحولها عملا مسرحيا سماه "زوّان" وهو من إنتاج فرقة نورس المسرحية السعودية.
خلاصة العرض أن هناك قبيلتين تعيشان حول بئر وتتصارعان على مائها كل واحدة  تريدها لنفسها دون الأخرى، وتعتقد القبيلتان أن هذه البئر مسكونة بجنية تختطف البشر، لكن لا خيار لهما سوى البقاء حولها، لأنه لا يوجد بديل عنها، وقد نشأ هذا الاعتقاد عندما غرقت في البئر إحدى بنات القرية واسمها "زوان" ومن يومها، أصبح كل من يموت في ظروف غامضة من أهل القرية يعزى موته لهذه البئر الملعونة، لكنّ الوحيد الذي لا يصدق هذا الزعم هو سالم، عاشق الفتاة المختفية الذي أصيب بالخبل بعد اختفائها، وعاش حياته يناجي خيالها، ويزعم أنها محبوسة في البئر وسوف تعود إليه، ويردد على مسامع الناس أن الجنية (راعية البئر) لا تقتل بل تحرس، لكنهم لا يصدقونه.
استشرى الصراع بين القبيلتين، وتوسط بينهما رجل غريب كان قد نزل بأرضهما، فأصلح بين زعيمي القبيلتين، وطلب منهما أن يبيعاه شيئا من أرض البئر، لكنهما رفضا ذلك، ثم إن أحد الزعيمين قتل الآخر، ولجأ القاتل إلى الرجل الدخيل الذي أشاع في الناس أن الفقيد اختطفته البئر الملعونة، فاقتنعوا وهدأت الأمور، ثم إن الدخيل راود القاتل ليبعه شيئا من الأرض وهدده بإفشاء سره إن هو لم يبعها له، لكنّ الزعيم امتنع، فما كان من الدخيل إلا أن قتله، ورماه في البئر، وادعى أنها اختطفته، وعمل الدخيل على تنصيب ابن أخ الزعيم الذي قتله زعيما للقبيلتين، وحين تم له الأمر قبل الشاب أن يبيع للدخيل الأرض، وأمر بهدم البئر والرحيل بالحي عن ذلك المكان، ولم يفلح المخبول في ثنيه الزعيم الجديد عن عزمه، لتنتهي المسرحية برحيلهم تاركين الأرض للدخيل.
هذه الخلاصة بهذا التسلسل لا تعبر عن واقع العرض كما قدم على الخشبة، فقد شاب الحكاية اضطراب في التقديم والتأخير، وتوازي الأزمنة، مما لم يحكمه منطق واضح أو رؤية معينة، فقد بدأت المسرحية بحدث حاضر تخلله استرجاع عبر استحضار المخبول لذكرياته مع محبوبته وهما فَتِيَّيْنِ يلعبان الغميضة، لكنّ الإضاءة لم تلعب الدور المطلوب بحيث ظهر المخبول والفتى في نفس الإضاءة وكأنهما شخصيتان مختلفتان تعيشان في لحظة زمنية واحدة، ومثل هذا التداخل والاضطراب وقع في عدة مشاهد، وقد بدا أن المخرج لا يمتلك رؤية واضحة يوزع بها المشاهد توزيعا صحيحا وموجها، فمشهد اللقاء بين القبيلتين والاقتتال بينهما جاء متأخرا بمشاهد عن مشهد الصلح، ولا ندري لماذا فعل ذلك.
لقد عانت المسرحية من خللين عميقين أولهما أن المخرج شتت اهتماماته، بلعبه على عدة مسارات في آن واحد، فهو يريد أن يتابع قصة الحب البرئ والفتاة المختفية ويعطيها دلالة ما، ويريد ثانيا أن يتابع قصة الصراع القبلي المرير في المجتمعات التقليدية وما ينشأ عنه من قتل وتدمير لبينة الحي الواحد، ويريد ثالثا أن يعالج قضية الدخيل والمؤامرات التي يحيكها للتفرقة بين أهل الوطن الواحد من أجل أن يفوز بأرضهم وملكهم وخيراتهم، هذه المسارات مجتمعة هي التي أوقعت المخرج في هذا الاضطراب الكبير الواضح، وقد أوقعته في خطأ أعمق وهو أنه داوى الداء بالداء، فقد أظهر الزعيم القاتل حريصا على الأرض مستميتا في الدفاع عنها حتى ولو كان في ذلك موته، ولا يريد أن يبيعها بقناطير الذهب، وبذلك حول هذا القاتل إلى بطل، ولعمري فإن من يقتل لأتفه الأسباب لحري بأن يبيع من أجل أعظم أسباب الغنى وهو الذهب، أما الخلل الثاني فهو غلبة منطق السرد فالمخرج كثيرا ما يستعيد أحداثا ماضية ليفسر حدثا حاليا، وكان يمكنه أن يستغني عنها بالحوار، وباختيار مشاهد مفصلية في الحكاية، لكنّ تلك حنكة تحتاج إلى احتراف.
من الجوانب الإيجابية في هذا العرض أن المخرج اشتغل على الأداء الحركي والتشكيل الجسدي للممثلين وزيّهم الموحد فهم تارة بشر، وتارة أشباح جن وتارة أعمدة خيمة وستائرها، ومرة جثث بأكفانها، وغير ذلك، وقد أغناه هذا التشكيل البصري الجميل عن الديكور، فكانت الخشبة خالية من الديكورات ، مفتوحة للحركة الحرة للممثلين، لكن الإضاءة لم تسعفه بشيء، فقد شابتها اختلالات وكانت أوجه الممثلين معتمة أغلب الأوقات، كما أن أصوات بعض الممثلين لم تكن واضحة.

عن نشرة مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر

"عندما صمت عبدالله الحكواتي" حزمة ضوء تشتت في عدة اتجاهات

"عندما صمت عبدالله الحكواتي" حزمة ضوء تشتت في عدة اتجاهات
محمد ولد محمدسالم
يعود بنا عرض "عندما صمت عبدالله الحكواتي" لفرقة مسرح الصواري البحرينية إلى أجواء الراوي الشعبي في المقهى والسوق وما يرويه من قصص يتناسل بعضها من بعض وتتواصل فلا تنتهي،  وذلك من خلال الراوي عبدالله الحكواتي الذي انجذب إليه جمهور حيه وأحبوه على مدى خمسة عشر عاما من الحكايات المستمرة حول شخصية "عبدالله الصياد" الذي يمتلك قدرات خارقة تجعله قادرا على أن يرتشف البحر أو يحجب الشمس بيده، أو مادون ذلك من الخوارق، لكنّ عبدالله الحكواتي يتوقف فجأة عن سرد حكاياته، ويصاب بالصمت بسبب شخصية مبهمة زارته ذات ليلة وأنذرته بأنه سيفقد القدرة على الكلام بعد سبع وعشرين كلمة، وسيكون دواؤه في ثلاثة هدايا مبهمة لم تحددها له تلك الشخصية، ويحاول أصدقاء الحكواتي شفاءه بكل الطرق التي يتيحها الطب والرُّقْيا لكنهم لا يفلحون.
ثم ينكفئون على أنفسهم ليروي كل منهم حكايته الخاصة به، والتي تكشف عن أضرب كثيرة من المعاناة والمأساة، فواحد يكتشف كيف أنه عاش مخدوعا في صديقه الذي يظنه مخلصا له، مما دفعه إلى خدمته بكل وسيلة حتى ولو كانت خديعة البريئين من أجل صديقه، لكنه في النهاية يكتشف أن هذا الصديق كان يخونه مع زوجته، وآخر توسوس له نفسه بأن زوجته تخونه مع عشيق فيقتلها، ثم يتحقق من براءتها، فيعيش حياته نادما على فعلته الشنيعة، ورابع يروي للسلطان كذبة لم يسمعها فيستحق لذلك الجائزة، لكنه لا يأخذها، وبدلا من ذلك يُبيِّن للسلطان أنه عاش طيلة ملكه يكذب على الناس، فيقرر السلطان قتله، وتنتهي تلك الحكايات بعبدالله الحكواتي واقفا في منتصف الخشبة (المقهى) وحيدا صامتا، كما كان في آخر مرة.
أعد المخرج حسين عبد علي خليل مسرحيته من ثلاثة نصوص أدبية هي رواية "حكواتي الليل" لرفيق الشامي، ورواية "أهل البياض" لمبارك ربيع، وقصص "درويش الثالث" من ألف ليلة وليلة، واختار أن يقدم عرضها في قاعة مسرح جمعية المسرحيين الإماراتيين التي أعدت بشكل دائري يحاكي شكل المقهى أو مسرح الحلقة (أو السرادق) في المجتمعات التقليدية، وهو شكل يلائم القالب الفني للحكايات المروية بدءا بعنصر الراوي ثم الحكايات نفسها المقتبسة من قصص تقليدية، وقد كان أداء الممثلين الستة: عبدالله السعداوي ومحمد الصفار وباسل حسين ومحمود الصفار وحسين خليل ومحمد المرزوق جيدا ومتناغما، عكس الحالات المتعددة التي تمر بها الحكايات، وأغنت حركة الممثلين وأصواتهم عن الكثير من الديكور والأكسسوارات وحتى الشخوص، مما يشي بأنهم فنانون محترفون أولي تجارب عميقة، وكان تمثيلهم متناغما مع الإضاءة والسينوغرافيا عامة التي عكست تقريبا كل الأجواء التي تقلب فيها الممثلون، وهي كثيرة ومتنوعة، مما جعل الجمهور يتنقل بسلاسة بين تلك الأجواء، وسمح شكل الحلقة أيضا برفع الحواجز بين الممثلين والجمهور الذي اندمج كجمهور في المقهى أو في الحارات التقليدية وكشعب في مدينة السلطان.
كل ذلك كان اجتهادات جيدة وواعية من طرف المخرج، لكنّ التساؤل الكبير الذي ظل معلقا هو لما ذا سكت الحكواتي؟، ولماذا هذا الشتات من الحكايات، وهل استلهام الشكل التقليدي للحكاية التي يتناسل بعضها عن بعض هدف في حد ذاته؟.
لقد وضع المخرج المتلقي في متاهة لم ينقذه منها، وقد حكم على اللعبة الدرامية بالتوقف عندما أخرج الحكواتي منها، وأدخلنا في جيوب من الحكايات التي لا نهاية لها، ولا دلالة لها في سياق مأساة الحكواتي الذي لم تقدم عودته صامتا في نهاية العرض أية إضافة سوى الصمت والحيرة.

قد تكون هناك إضاءات في هذه الجيوب (قهر المرأة وكذب السلطة ونفاق المجتمع)، لكنّ المسرح هو فن الرؤية الواحدة التي تجمع الشتات، وتؤلف المتفرق لتصنع منه حزمة الضوء وتسطقها في اتجاه معين، وتلك الحزمة الضوئية الموجهة هي التي ضاعت من المخرج وسط أشعة انطلقت في عدة اتجاهات.

عن "نشرة مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر"