بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أكتوبر 2014

"نهارات علول": بساطة وعمق أرهقتهما بعض المشاهد الزائدة



"نهارات علول": بساطة وعمق أرهقتهما بعض المشاهد الزائدة
محمد ولد محمدسالم
ما يميز مسرحية "نهارات علول" هو الجمع بين بساطة الفكرة وعمقها، مع قوة التمثيل، فقد كان حضور الممثلين واحترافهم هو البطل الأول في هذه المسرحية التي كتبها مرعي الحليان وأخرجها حسن رجب لفرقة مسرح المسرح الحديث في الشارقة، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة، وهي آخر عروض مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر حسن.
علول الصعلوك المتمرد الذي لا يريد أن يظل هو وزملاؤه مجرد صعاليك "حرافيش" يعيشون على هامش المدينة بين الأزبال والقاذورات، ينغص عليه ذلك الوضع حياته فيهجر النوم عينيه، ويبدأ في التذمر من وضعه، ويحتج ويثور بصوت عال يجعل رفيقه يصاب بالرعب ويحاول بكل وسيلة أن يسكته لكي لا يصل صوت احتجاجه إلى سكان المدينة من أصحاب المنازل والقصور، فينزلون بهم العقاب، وفي تلك الأثناء تأتيه حبيبته قادمة من القصر الذي تعمل خادمة فيه، تجلب له الطعام، وتبادله لحظات من البوح والحلم بأولاد ومنزل وحياة كريمة، لكنّ صوت حارس القصر الخشن يقطع عليهما لحظاتهما، آمرا الخادمة بالعودة فورا إلى القصر، ويعرف علول أن الحارس يبتز حبيبته مقابل أن يسمح لها باللقاء به، فتتملكه الحمية لعرضه وزوجته، ويتجه إلى الحارس يريد أن ينتقم منه، لكنّ الحارس يطلق عليه رصاصة، تستقر في جوفه، وبعد أن يظن أصدقاؤه "الحرافيش" أنه مات ويقيمون له مأتما، يفاجأون بأنه حي، وأن جرحه التأم ولم يعد له أثر، لكن الرصاصة أصبحت تجول في جسده، مسببة له اضطرابا في الحركة والكلام، فتركته شخصا غير سوي، وورث على إثر ذلك دهشة أصدقائه الذين اعتبروا ما حدث له كرامة، واعتبروه رجلا مباركا، يستشفون بدعائه، ويستنزلون البركة بقربه.
لكنّ علول الذي أصبح على تلك الحالة، لم يفقد عقله، وأصبح يتكلم بالحكمة، ويحرض الصعاليك قائلا: ارفعو رؤوسكم عاليا، ومدوا قاماتكم أعلى فأعلى، وتنفسوا الهواء الذي على رؤوسكم، فما ثم إلا الفراغ، وعليكم أن تملأوا هذا الفراغ"، استشعر أهل المدينة الخوف من تلك الكلمات، وما تحمله في طياتها من دلالات تشكل خطورة على حياتهم فقد تقلب الموازين، وتغير القواعد التي يسوسون بها المدينة، لذلك قبضوا عليه وحاكموه بتهمة أن جسمه سرق رصاصة الحارس التي استقرت فيه ولم تخرج، وحكموا عليه بالإعدام، لكنّ الصعاليك الذين شهدوا المحاكمة، وتنفيذ الإعدام، لم يستوعبوا ذلك الحكم، فثاروا على القاضي والمحامي والحراس وطاردوهم، ثم عادوا إلى علول ليدفنوه بالعلب الفارغة التي هي وسيلتهم لاكتساب رزقهم، وعندما يتركونه، يتحرك ويتشنج جسمه، ويبدأ من جديد في شكوى الرصاصات التي تغمزه في مناطق متعددة من جسده، لتنتهي المسرحية على ذلك.
ثار علول وحلم وانتفض لشرفه، فعاقبه الأسياد بتشويه الجسد، وكافأه أصدقاؤه بالتقديس، وأصبح روحا تبث الحلم في الآخرين، فعاقب الأسياد تلك الروح بالاستئصال (الإعدام)، وكافأها أتباعها بالثورة، تلك هي نهارات علول حلم فعذابات وحلم فعذابات فثورة، الصراع الأبدي بين إرادة الحرية وتحقيق الذات، وبين قوى التجبر والقمع، لكن الحلم لا يخبو وإرادة الانعتاق لا بد أن تنتصر، ذلك هو ما يبشر به هذا العرض الذي كما قلنا آنفا كان الأداء التمثيلي فيه بارعا، وكان بلغة فصيحة شاعرية، سهلة يفهمها الجميع وممتنعة فليست من السوقي، وقد اجتهد حسن رجب في أن يقدم لعبة إخراجية رشيقة خصوصا في اختياره لقطع الديكور التي كانت عبارة عن كراسي بعجلات ومساند متحركة، فهي في الأصل عربات يجمع فيها الصعاليك العلب، وهي أيضا كرسي للقاضي، وقفص للمتهم، وغير ذلك، كما كان الاقتصاد في الموسيقى موفقا، فقد استحضر المخرج عازفا طنبور محترفاً استطاع أن يوائم إيقاعه سرعة وبطئا مع حركة الممثلين وبهدوء مريح في الأذن، أنسانا ذلك الصخب الذي كانت تجرفنا فيه بعض الإيقاعات في العروض السابقة، ورغم أن الإضاءة وظفت في بعض المواقف توظيفا جيدا إلا أن هناك إحساسا بأن الخشبة كانت غارقة في الظلمة في أغلب الأوقات خصوصا في الحالات التي تجمع الصعاليك، وفي مشهد تعذيب صديق علول، وحالات أخرى كان يمكن أن تظل الخشبة فيها مضاءة إضاءة كاملة، خصوصا وأن قطع الديكور متحركة ويمكن سحبها بسهولة، والأصل في المسرح أن تكون الخشبة مضاءة كليا، إلا في حالات استرجاع الزمن، فيكون لإظلام الخشبة، وإسقاط الضوء في بقعة محددة مبرر.
من الناحية الدرامية فقد فهناك مشهدان يمكن الاستغناء عنهما بسهولة ودون أن يخل ذلك بالعرض، وقد أصاب وجودهما العرض بشيء من الفتور، أولهما مشهد تعذيب صديق علول، فهذا المشهد لا فائدة منه اللهم إلا إذا كان يراد به الإضحاك، لأن قسوة السلطة وتجبرها ظهرت في الخوف الأول وفي الرصاصة التي أصابت علول، وفي مشهد المحاكمة، ونفس الشيء في مشهد الإعدام ففيه الكثير من الافتعال، واستجداء الإضحاك، خصوصا أن تنفيذ الإعدام كان يمكن أن يحدث في ختام مشهد المحاكمة، ومن الناحية الدرامية فإن تنفيذ الإعدام وتحرك علول بعد موته ليسا ضرورين لأن الحكم بالإعدام مبرر جيد للثورة، والثورة فعل حياة أبلغ من حركة الميت، ومما يمكن ملاحظته أيضا أن الحلم الذي يظهر فيه علول وزوجته وقد أنجبا الكثير من الأولاد وعلول يخطط لكي يكبروا وينشروا العدل والحرية والمساواة في الأرض، هذا المشهد جاء متأخرا عن وقته، لأنه ينبغي أن يكون مشهدا استهلاليا، فعلول بعد الرصاصة ليس حقيقة أو على الأقل لا جسد له، بل هو روح هائمة تبث الإيمان والثورة في شعبها الصعاليك.

لو أن العرض تخلص من تلك الهنات لكان عرضا في قمة الإبداع والجمال، وهو على كل حال عرض ناجح فيه الكثير من الإمتاع.
نشرة مهرجان الخليج المسرحي 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق