بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أكتوبر 2014

"خلخال" عرض ناجح بأقل الخسائر

"خلخال" عرض ناجح بأقل الخسائر
محمد ولد محمدسالم
ما يميز مسرحية "خلخال" لفرقة قطر المسرحية عن عروض الأيام السابقة هو أنها انصرفت لمعالجة قضية واحدة، وحاولت أن تذهب بها عميقا غائصة في أغوار التجربة الفردية عندما تحاصرها أطر اجتماعية صارمة، فهذه المسرحية التي ألفها الكاتب الإماراتي سالم الحتاوي وأخرجها فيصل حسن رشيد من قطر، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة، في إطار عروض مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر، تعالج قضية الفئوية أو التأطير الذي يفرضه المجتمع على الفرد، فلا يجد منه فِكاكا، وحين يسعى للخروج منه يواجَه برفض من طرف المجتمع، ويخوض صراعا مريرا وعنيفا، طرفاه غير متكافئين.
ذات يوم رن في أذن سهيل إيقاع الخلخال الذي يأتيه صوته من خلف الجدار فعرف أن ابنة الجيران "مريم" ترقص في حوش أهلها، ثم عاد فرن في اليوم الثاني والثالث، وأصبح سماعه عادة انفتح معها قلب سهيل الفتي لتلقي نسمات الحب والحلم بعش يجمعه بذات الخلخال التي فصلها خياله، ونسق جمالها على نسق الإيقاع الفاتن لخلخالها، وألهمته لحن الشعر وكلماته، فبدأ ينسج لها منه حللا، ويأتي اليوم الذي تتوقف فيه رنة الخلخال، ولا تعود، ويعصف الوله بسهيل فيلجأ إلى الخمر ليخفف ولهه، ويكبر وهو على تلك الحالة، لا يتستطيع نسيان رنة الخلخال، وفي غمرة سكرات الإدمان تشده رنة خلخال الراقصة "غاية"، فيتعلق بها، وينشد فيها أعذب القصائد، ويهيم بها غير مبالٍ بمعارضة أهله ومجتمعه لحبه لراقصة، وهو الشاعر المبرز الذي لا يليق به إلا النساء المصونات.
تماطل غاية وتمتنع من مبادلته الحب، لكي تستوثق من قدرته على مواجهة المجتمع إن هو ارتبط بها، وتحت إلحاحه ووعوده بأن يظل مخلصا لها، وأنه سيغير حالتها تقبل بالزواج منه، وتتخلى عن مهنة الرقص، وتقصر نفسها عليه، لكنّ سهيل يواجَه بحظر من طرف المجتمع يطيح به من مكانته العالية، فلم يعد هو الشاعر الذي يتصدر المجالس ويحتفي الجميع بقصائده، وقد تخلى عنه أهله وأصدقاؤه، وأصبح منبوذا، ولا يقوى على تحمل ذلك فيعود إلى الإدمان، ويفقد الثقة في نفسه ويصبح من سكرة لأخرى، وتصاب غاية بخيبة أمل، وهي التي ظنت أنها بزواجها من سهيل ستغسل عار ماضيها الذي وجدت نفسها فيه منذ أن كانت صبية تحب الرقص، ومنذ أن تلقفتها تلك المرأة وعلمتها الرقص وأصبحت تذهب بها لترقص في المناسبات، أرادت أن تمحو نظرة المجتمع إليها وتصبح امرأة محترمة لزوج محترم تتفانى في حبه، وحلمت بعش زوجي هادئ بعيد عن صخب الرقص ودراهمه الآثمة، وأعين الرجال المفترسة، لكنّ المجتمع قسا عليها وعلى زوجها، وحرمها من تلك الفرصة، ولم تجد من حل أمام الحالة التي تردى فيها زوجها سوى أن تعود إلى الرقص من جديد.
استغل المخرج بذكاء جو المسرحية المرتبط بموضوع الرقص، ليقدم سينوغرافيا تلعب على هذه الموضوعة، فكانت قطع الديكور الثلاث الكبيرة تحاكي سطح الطبل الدائري، وقد جعلها متحركة وشفافة ليسهل نقلها واستغلالها في تعابير ديكورية مختلفة، كأن تكون طبولا أو جدرانا أو ستائر أو فضاءً خياليا للحلم، كما استغل الجوقة لتكون مجموعة طبّالين وراقصين، وأشباحَ حلمٍ وذكريات، لكنّ شكل لبس الجوقة الذي أظهرها وكأنها مجموعة بدائية تعيش في الأدغال كان غريبا على جو المسرحية، وربما كان دافع المخرج إلى ذلك هو محاولة إبراز عضلاتهم القوية المفتولة التي تناسب عمل الطبّالين، لكنه كان يمكن أن يظهرها بلباس وهيئة تليق بمجموعة رقص في مجتمع "متحضر"، أما من ناحية الإضاءة فقد كانت مقبولة عموما، وأعطت تمايزا بين حالات الواقع والحلم والاسترجاع، ومع ذلك فقد كان يمكن الاشتغال عليها أكثر حتى تكون بمستوى الديكور.
من ناحية التمثيل فقد كان أداء الممثلة غادة الزجدالي حركيا وقدمت لوحات استعراضية جميلة تلائم شخصية الراقصة، وكان أداء فيصل حسن رشيد محترفا في حالات البوح والاستبطان المرتبطة بلحظات العشق والفقد وحالة السكر، إلا أنه في اللحظة التي كان ينبغي أن يخرج فيها من تلك الحالة ويظهر كعريس مسؤول وواع وفرح بزواجه، لم يخرج، وعوضا عن ذلك واصل تقمص حالة السكران مستغلا ما تسمح به من كوميديا، وهو خلل فني ودرامي، كان ينبغي تعديله حتى ولو كان من النص، فلكي تكون معارضة المجتمع عميقة ومؤثرة ينبغي أن تكون لحظة الوعي وتحمل المسؤولية عميقة ومؤثرة، فلا يكون السقوط مدويا إلا إذا كان شاهق، ومما أضعف تلك اللحظة الفاصلة أيضا أن المخرج كان ينبغي أن يظهر المجتمع الذي يعارض هذه الزيجة على الخشبة، فتكون معارضته مجسدة في شكل شخصيات تتحرك وتعارض وتعمل على إفشال ذلك المشروع، وأن لا تظهر تلك المعارضة بشكل عارض على لسان الزوجين أثناء الحوار، ومهما يكن فإن العرض كان ناجحا، وقد أوصل وجهة نظره دون إملال وبحلول إخراجية فيها احتراف لا بأس به.

نشرة مهرجان المسرح الخليجي 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق