بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أكتوبر 2014

"من منهم هو" اجتهاد اخطأ انتقاء أمثلته




"من منهم هو" اجتهاد اخطأ انتقاء أمثلته
محمد ولد محمدسالم
لا شك في أن محاولة إعادة قراءة الشخصيات التاريخية والبحث عن ملمح درامي يربط بينها ليكون عمادا لعمل مسرحي، لا شك ذلك مسعى اجتهادي يدل على وعي مسرحي جيد، لكنّ الإشكالية في هذا المسعى تكمن في كيفية تحديد هذا (الملمح) واختيار الشخصيات التي تجسده، واللحظات التي تعبر عنه في تاريخ تلك الشخصيات، وهذه الإشكالية هي ما وقعت فيها مسرحية "من منهم هو" لفرقة المسرح الشعبي الكويتية، التي ألفها أحمد العوضي وأخرجها خالد أمين، وعرضت مساء أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة وهي خامس عروض الدورة الثالثة عشرة من مهرجان المسرح الخليجي.
تجمع المسرحية بين ثلاث شخصيات أسطورية وتاريخية من مختلف العصور، الأولى هي "ميديا" بطلة المسرحية اليونانية المسماة باسمها "ميديا" التي كتبها يوريبيديس، وتحكي قصة ميديا تلك المرأة التي ضحت بكل شيء حتى بأخيها الذي قتلته من أجل حبيبها "جيسون" الذي سوف تهرب معه وتتزوجه وينجبان، لكنه يخونها بزواجه من امرأة أخرى بحثا عن المال والجاه، فتنتقم منه بقتل زوجته، وقتل أبنائه منها هي أمام عينيه، والشخصية الثانية هي الزير سالم أبو ليلى المهلهل بطل حرب البسوس بين تغلب وشيبان الذي كان يعيش حياة لهو وطرب ونساء، قبل أن يقتل جساس أخاه كليبا، فيضطر الزير إلى ترك ملذاته، والنهوض طلبا لثأر أخيه، فأصبح رمزا للبطولة والتضحية من أجل الثأر للأخ، والشخصية الثالثة هي الليدي ماكبث زوجة القائد ماكبث في مسرحية "ماكبث" لشكسبير  التي حرضت زوجها على قتل ملكه وولي نعمته غدرا ليفوز بالملك، فكانت بذلك رمزا للغدر والطمع، فعن طريق هذه الشخصيات الثلاث يحاول المؤلف أن يبني نصه المسرحي على ملمح صرح في تقديم المسرحية بأنه ملمح النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا طرحنا جانبا شخصية "ميديا" المُشْكِلَة التي تجمع بين إرادة الخير بتضحيتها من أجل الحب، وثورتها من أجله، وإرادة الشر بقتلها لأخيها وأبنائها، إذا طرحنا هذه الشخصية جانبا فإنه لا رابط بين الزير الذي نهض ثأرا لأخيه وهو فعل خَيْرٍ محمودٌ في عصره، ولا يزال التاريخ يمجده عليه، حتى أصبح من أجله رمز البطوله وأكثر الشخصيات أسطورية في المخيلة العربية، وبين الليدي ماكبث التي تعني الإرادة الصافية للشر والغدر الدنيء، هذا الخلل في اختيار الملمح الصافي الذي لا لبس فيه، أخل برؤية المسرحية ابتداء، وانعكس على العرض الذي قدمه المخرج.
 وضع المخرج ثلاثة أقفاص مفتوحة في عمق الخشبة  على خط واحد، ووضع في كل منها إحدى الشخصيات الثلاث، وكأنه يوحي لنا بأنه يريد إلى محاكمة هذه الشخصيات، واختار أن تكون البداية مع الزير سالم من لحظة تخليه عن الخمر ورفضه لعرض الصلح الذي عرضه عليه بنوشيبان، فهو لا يريد إلا رأس جساس، ومع الليدي ماكبث من لحظة تحريضها لزوجها على القتل، ومع ميديا من لحظة شكها في زوجها الخائن، وتبدو كل الشخصيات متعطشة للدم والانتقام، ثم تظهر شخصية "هو" ذلك الشبح بهيئته البشعة، الذي يبدأ في تحريض الشخصيات الثلاث على إراقة الدم والانتقام، بادئا بميديا ثم مارا بالزير منتهيا بالليدي ماكبث ليعود إلى ميديا هذه المرة في صورة زوجها الخائن وهي تلومه وتعنفه على خيانته، ويظهر مع الزير في صورة ابنة أخيه التي تبكي بين يديه وتدعوه للأخذ لها بثأر أبيها، ثم مع الليدي في صورة زوجها وهي تحرضه على القتل، ثم يظهر هذا الهو أيضا في صورة الملك الذي يطرد ميديا عن مدينته بعد قتلها لأخيها، وفي صورة جساس وهو يتوسل إلى الزير لكي يقتله ويريحه ويريح أهله، وفي صورة ماكبث بعد أن نفذ جريمته وتسلم التاج، لتنتهي اللعبة بالشخصيات الثلاث وهي تعيش الندم وأزمة ضياع العمر في الانتقام والشر، ويظهر "هو" في القاعة أمام الجمهور مخاطبا إياه، "لقد انتهى دوري، لكنني مطمئن أن كل واحد منكم ستسلم هذا الدور".
"من منهم هو"؟ هذا السؤال يحق لنا أن نطرحه، ليس كما أراده المخرج لكن كما أثاره العرض، فمن هو هذا "الهو"، هل هو الذات الأنانية والنفس الأمارة بالسوء كما أراده المخرج، ولماذا إذاً يلعب دور شخصيات أخرى كجساس وجيسون وماكبث بنفس لباسه وهيئته التي هو عليها، أليس في ذلك إرباكا لدلالة الشخصية، أما كان يمكن أن يغير الزي والهئية لتظهر الشخصيات مغايرة لهذا الهو، ثم إذا اعتبرناه النفس الأمارة، فما الذي أضافه دخوله في المشهد الثاني وتحريضه لشخصيات بدت في المشهد الأول في ذروة تحفزها واستعدادها للانتقام، ألم يكن حريا أن تكون البداية معه، حتى يكون لتحريضه معنى.

من ناحية السينوغرافيا فإن توظيف عناصرها خدم العرض إلى حد بعيد، خاصة من ناحية الإضاءة التي عبرت بشكل جيد عن مختلف المواقف، لكن سرعة تبادل الأدوار بين الشخصيات الذي بدا على شكل مونتاج لحوارات ومونولوجات ترد هنا وهناك في حكاياتهم الثلاثة، هذه السرعة جعلت تبادل الدور بين الإضاءة والإظلام يتأخر، فتفتح الإضاءة على شخصية في وقت ما تزال إضاءة الأخرى مفتوحة، كما أنه في بعض اللحظات تبقى الأقفاص مضاءة كلها في وقت تكون شخصية واحدة هي التي تتكلم، وهو ما يخل بعامل الفرق الزمني بين الشخصيات، أما الصوت فقد شابته اختلالات ولم تكن بعض الجمل مسموعة، وهناك أخطاء فادحة في اللغة لدى الممثلين، ومن ناحية الأزياء، فقد بدا زي الممثلة فاطمة الصفي التي مثلت الليدي ماكبث مقيِّدا، وأثقل حركتها.
محمد ولد محمدسالم
نشرة مهرجان المسرح الخليجي 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق