بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 5 أكتوبر 2014

رواج الرواية

أفق
رواج الرواية


سيادة الرواية على الشعر في اللحظة الراهنة لا تعود إلى ميزة فنية أو معيارية تَفْضُل بها الرواية الشعر، لكنها تعود إلى ظروف تاريخية، أسهم فيها الشعراء أنفسهم بقسط وافر، فمع ضغط المدينة والحياة المادية القاهرة، كان لا بد للإنسان من فسحة من الخيال والغرائبية، لا بد له من شكل من البطولة قائم على إعلاء قيم الإنسان والدفاع عن جوهر تلك القيم، ما يمكنه أن يغذي ذلك الفراغ الروحي والتخيلي الذي خلفه تغوال المدينة وعجرفة المادة التي حجمت الإنسان في جانبه البيولوجي ومتطلبات غرائزه البشرية، وأغلقت الباب أمام توقه الأصيل إلى التحرر من إسار الجسد، وإسار اللحظة الزمنية ليصل إلى الحلم، إلى السعادة وتحقيق الذات بما هي جماع من المادة والروح، فكانت الرواية هي تلك الفسحة، والاستجابة المناسبة على تلك الحاجة بما تحتويه من التخيل والبطولة والتوق إلى عالم آخر جميل، وباعتبارها وريثة الأسطورة القديمة التي كانت تؤدي هذا الدور في المجتمعات البشرية .
قد لا تكون الرواية هي وحدها التي نهضت بذلك الدور حديثاً فأشكال السرد الراهنة من قصة ومسرحية وسيرة ذاتية وأدب خيالي، وحتى الشعر، كلها تلعب هذا الدور بدرجات متفاوتة، وأشكال مختلفة، لكنّ ما ميز الرواية راهناً هو أنها بخلاف المسرحية لا تحتاج إلى أن تحول إلى عرض تمثيلي لكي يكون تأثيرها كاملاً وفي عالم اليوم أصبح الجمهور غير متحمس كثيراً لارتياد قاعات المسرح، بسبب وجود بدائل إعلامية وإلكترونية تشغله عنه، وعلى عكس القصة القصيرة، يجد القارئ في الرواية اتساعاً في الشرح والتفصيل وغوصات في الشعور الإنساني للشخصيات، وانبساطاً في مدى الرؤية الكلية، وما يميزها عن السيرة الذاتية هو كونها قصة وليست عملاً كرونولوجيا ينبني على التتابع الزمني وحده، أما الشعر فإن رواج الرواية في مقابله جاء من تقاصر الشعر عن أداء دوره، وتنازله عن جزء أصيل في مهمته، على الأقل فيما يخص الشعر العربي، وهو الإطراب الذي يأخذ بجماع نفس السامع، ما جعله يفقد جزءاً كبيراً من جمهوره .
لقد تخلى الشعر، والعربي منه خاصة، طواعية عن دوره في الإطراب ونزل من منبر الإنشاد إلى طاولة التفكير، ومن إيقاع القصيدة الحية الحارة المحركة للنفس إلى رتابة النص الذي يستدعي التفكير الهادئ البعيد عن الصخب، فانتقل بذلك إلى دور لم يخلق له، وعالم ليس هو عالمه، فأصبح متذبذباً بين مقتضيات اللغة وإيقاعها العالي الآسر، ومقتضيات التفكير الهادئ، فخسر الاثنين، وخسر بهما جمهوره، في وقت لم تنجرف فيه الرواية وراء التيارات التي كانت ستحيد بها عن طريقها الصحيح في تأدية دورها بصورة تحافظ بها على جمهورها، بل تعززه بسبب الرواج الذي رفدتها به دور السينما، وعالم الإنترنت، وتطور عالم النشر والتوزيع .
محمد ولد محمد سالم
dah_tah@yahoo.f

 - See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/ddd1f8f5-e18c-4696-b36a-27328b622b2a#sthash.4afqNEYy.dpuf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق