"زوّان" خلل في البينة الدرامية
وغياب لدور الإضاءة
محمد ولد محمدسالم
اختار المخرج السعودي ياسر الحسن أن ينطلق
من أسطورة شعبية سعودية عن عين ماء مسكونة بالجن تختطف البشر ليحولها عملا مسرحيا
سماه "زوّان" وهو من إنتاج فرقة
نورس المسرحية السعودية.
خلاصة العرض أن هناك قبيلتين تعيشان حول بئر
وتتصارعان على مائها كل واحدة تريدها
لنفسها دون الأخرى، وتعتقد القبيلتان أن هذه البئر مسكونة بجنية تختطف البشر، لكن
لا خيار لهما سوى البقاء حولها، لأنه لا يوجد بديل عنها، وقد نشأ هذا الاعتقاد
عندما غرقت في البئر إحدى بنات القرية واسمها "زوان" ومن يومها، أصبح كل
من يموت في ظروف غامضة من أهل القرية يعزى موته لهذه البئر الملعونة، لكنّ الوحيد
الذي لا يصدق هذا الزعم هو سالم، عاشق الفتاة المختفية الذي أصيب بالخبل بعد
اختفائها، وعاش حياته يناجي خيالها، ويزعم أنها محبوسة في البئر وسوف تعود إليه،
ويردد على مسامع الناس أن الجنية (راعية البئر) لا تقتل بل تحرس، لكنهم لا يصدقونه.
استشرى الصراع بين القبيلتين، وتوسط بينهما
رجل غريب كان قد نزل بأرضهما، فأصلح بين زعيمي القبيلتين، وطلب منهما أن يبيعاه
شيئا من أرض البئر، لكنهما رفضا ذلك، ثم إن أحد الزعيمين قتل الآخر، ولجأ القاتل إلى
الرجل الدخيل الذي أشاع في الناس أن الفقيد اختطفته البئر الملعونة، فاقتنعوا
وهدأت الأمور، ثم إن الدخيل راود القاتل ليبعه شيئا من الأرض وهدده بإفشاء سره إن
هو لم يبعها له، لكنّ الزعيم امتنع، فما كان من الدخيل إلا أن قتله، ورماه في
البئر، وادعى أنها اختطفته، وعمل الدخيل على تنصيب ابن أخ الزعيم الذي قتله زعيما
للقبيلتين، وحين تم له الأمر قبل الشاب أن يبيع للدخيل الأرض، وأمر بهدم البئر
والرحيل بالحي عن ذلك المكان، ولم يفلح المخبول في ثنيه الزعيم الجديد عن عزمه، لتنتهي
المسرحية برحيلهم تاركين الأرض للدخيل.
هذه الخلاصة بهذا التسلسل لا تعبر عن واقع
العرض كما قدم على الخشبة، فقد شاب الحكاية اضطراب في التقديم والتأخير، وتوازي
الأزمنة، مما لم يحكمه منطق واضح أو رؤية معينة، فقد بدأت المسرحية بحدث حاضر تخلله
استرجاع عبر استحضار المخبول لذكرياته مع محبوبته وهما فَتِيَّيْنِ يلعبان
الغميضة، لكنّ الإضاءة لم تلعب الدور المطلوب بحيث ظهر المخبول والفتى في نفس
الإضاءة وكأنهما شخصيتان مختلفتان تعيشان في لحظة زمنية واحدة، ومثل هذا التداخل
والاضطراب وقع في عدة مشاهد، وقد بدا أن المخرج لا يمتلك رؤية واضحة يوزع بها
المشاهد توزيعا صحيحا وموجها، فمشهد اللقاء بين القبيلتين والاقتتال بينهما جاء
متأخرا بمشاهد عن مشهد الصلح، ولا ندري لماذا فعل ذلك.
لقد عانت المسرحية من خللين عميقين أولهما
أن المخرج شتت اهتماماته، بلعبه على عدة مسارات في آن واحد، فهو يريد أن يتابع قصة
الحب البرئ والفتاة المختفية ويعطيها دلالة ما، ويريد ثانيا أن يتابع قصة الصراع
القبلي المرير في المجتمعات التقليدية وما ينشأ عنه من قتل وتدمير لبينة الحي
الواحد، ويريد ثالثا أن يعالج قضية الدخيل والمؤامرات التي يحيكها للتفرقة بين أهل
الوطن الواحد من أجل أن يفوز بأرضهم وملكهم وخيراتهم، هذه المسارات مجتمعة هي التي
أوقعت المخرج في هذا الاضطراب الكبير الواضح، وقد أوقعته في خطأ أعمق وهو أنه داوى
الداء بالداء، فقد أظهر الزعيم القاتل حريصا على الأرض مستميتا في الدفاع عنها حتى
ولو كان في ذلك موته، ولا يريد أن يبيعها بقناطير الذهب، وبذلك حول هذا القاتل إلى
بطل، ولعمري فإن من يقتل لأتفه الأسباب لحري بأن يبيع من أجل أعظم أسباب الغنى وهو
الذهب، أما الخلل الثاني فهو غلبة منطق السرد فالمخرج كثيرا ما يستعيد أحداثا
ماضية ليفسر حدثا حاليا، وكان يمكنه أن يستغني عنها بالحوار، وباختيار مشاهد
مفصلية في الحكاية، لكنّ تلك حنكة تحتاج إلى احتراف.
من الجوانب الإيجابية في هذا العرض أن المخرج
اشتغل على الأداء الحركي والتشكيل الجسدي للممثلين وزيّهم الموحد فهم تارة بشر،
وتارة أشباح جن وتارة أعمدة خيمة وستائرها، ومرة جثث بأكفانها، وغير ذلك، وقد
أغناه هذا التشكيل البصري الجميل عن الديكور، فكانت الخشبة خالية من الديكورات ،
مفتوحة للحركة الحرة للممثلين، لكن الإضاءة لم تسعفه بشيء، فقد شابتها اختلالات
وكانت أوجه الممثلين معتمة أغلب الأوقات، كما أن أصوات بعض الممثلين لم تكن واضحة.عن نشرة مهرجان المسرح الخليجي الثالث عشر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق