من المرابطين إلى ليوبولد سينغور
الثقافة العربية في السنغال
آخر تحديث:السبت ,08/08/2009
محمد ولد محمد سالم
1/1
السنغال دولة تقع في غرب إفريقيا، على شاطئ المحيط الأطلسي، يتكون سكانها من عرقيات زنجية متعددة أهمها (الوولف والبولار والسرير والجولا) ولكل عرق من هذه الأعراق لغته الخاصة به، ويدين معظم السكان بالإسلام حيث تبلغ نسبة المسلمين حوالي 96% ويتوزع الباقون بين المسيحية والديانات الإفريقية التقليدية. عرف السنغال الإسلام والثقافة العربية بتأثير من دول تعاقبت على منطقة غرب إفريقيا خصوصا غانا ومالي والمرابطين تلك التي تأسست في أقاليم مجاورة للسنغال وشمل نفوذها أجزاء منه، وليس هناك تاريخ محدد لانتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ويرجع المؤرخون سبب انتشاره إلى نشاط التجار المسلمين الذين كانوا يجوبون تلك البلاد منذ القرون الإسلامية الأولى قادمين من برقة والقيروان وتلمسان والسوس في شمال إفريقيا بحثا عن مناجم الذهب الأسطورية في غانا وحوض نهر النيجر.
تحديد تاريخ موثوق لوصول الإسلام إلى غربي إفريقيا ليس من السهولة بمكان لعلة بسيطة هي أن اعتناق غالبية الشعوب الافريقية للإسلام لم يتم عن طريق حملة عسكرية ليؤرخ بسقوط مملكة ما أو هزيمة جيوش معادية للمسلمين في واقعة ما وقيام نظام الإسلام على أنقاضها، إنما انتشرت الديانة الإسلامية في تلك البلاد بفعل احتكاك التجار المسلمين بسكانها، ويذكر المؤرخون أن مملكة غانا التي كانت ازدهرت في القرن العاشر الميلادي والتي ضمت الأجزاء الشرقية من السنغال الحالي، وكان للتجار المسلمين حظوة عند ملوكها، الأمر الذي خولهم نشر دعوتهم فأسلم على أيديهم كثيرون، وشيئا فشيئا أصبح المسلمون نافذين في البلاط الغاني نظرا لمعرفتهم بالكتابة والقراءة، مما زاد من انتشار الإسلام في المناطق التابعة لإمبراطورية غانا وصحب ذلك انتشار للغة العربية، وحين سقطت غانا على يد المرابطين سنة 1054م أصبح السنغال مفتوحا للدعوة المرابطية، ويزعم بعض الباحثين السنغاليين أن “الرباط” الذي انطلق منه المرابطون كان في جزيرة “غوري” عند مصب نهر السنغال، وقد تعززت مكانة الإسلام واللغة العربية في السنغال بفضل جهود المرابطين الذين نشروا وتذكر طريقة كتاتيب القرآن التي تعرف هناك ب “الدارة”، وتذكر بعض الروايات أن ملك “فوتا” في بلاد السنغال واسمه “وارا انجاي” اسهم في حملات المرابطين بعد أن أسلم وكان له دور بارز في نشر الإسلام هناك. أما مملكة مالي التي ظهرت بعد الانحسار السريع لدولة المرابطين فقد كان ملوكها مسلمين، وفي عهدهم انتشر العلم وأصبح العلماء من الخاصة المقربين، وكانت اللغة العربية وسيلة الكتابة والمراسلات، واشتهرت مدينة تمبكتو كمدينة للعلماء بلغ إشعاعها أواسط إفريقيا، وقد ضموا بدورهم الأجزاء الشرقية من السنغال وتمكن فيها الإسلام في عهدهم.
الطرق الصوفية
لم تنقطع الصلة بين السنغال والعالم الإسلامي خصوصا شمال إفريقيا بفعل نشاط العلماء الدعاة الذين تخرجوا في معاهد فاس والقيروان وتمبكتو وبلاد شنقيط ويذكر الشيخ التيجاني سي نقلا عن رحالة أوروبي زار السنغال في القرن الرابع عشر الميلادي كيف كانت لأولئك العلماء مكانة كبرى ويشير إلى ان: “ملك وأعيان إمارة جولف كانوا مسلمين ولديهم شيوخ بيض من أئمة ودعاة، كانوا يعرفون القراءة والكتابة، ويأتي هؤلاء الشيوخ من بلاد بعيدة ومن مملكة فاس بهدف إدخال السود إلى عقيدتهم” وقد كان لرحلة الحج دور كبير في تعزيز تلك الصلة، حيث لا يزال ذا مكانة كبرى وتأثير قوي في المجتمع السنغالي. وكان من نتيجة هذا التواصل أن انتشرت في السنغال الطرق الصوفية انتشارا واسعا حيث أصبح كل مسلم سنغالي يتبع طريقة صوفية، وقد دخلت إليها عن طريق شيوخ موريتانيين، وكانت أول طريقة ظهرت في السنغال هي القادرية المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني والتي انتشرت في الجزائر ووصلت إلى موريتانيا في القرن الخامس عشر الميلادي عن طريق الشيخ محمد بن عبدالكريم التلمساني الذي نشرها بين شيوخ قبيلة كنته، وفي القرن التاسع عشر عرفت القادرية انتشارا واسعا حين أخذها الشيخ محمد فاضل الموريتاني عن الشيخ سيد المختار الكنتي، فضلا عن الطريقتين التيجانية والمريدية.
هذه الطرق الثلاث هي الأكثر حضورا وقد كان لها أبلغ الأثر في استحكام الثقافة الإسلامية واللغة العربية في السنغال، فقد أسست المدارس والزوايا التربوية التي تعلم القرآن ومبادئ اللغة العربية، واهتم شيوخها كثيرا بالفصاحة وإتقان اللغة العربية ولإبراهيم انياس والشيخ أحمد بمبا أشعار في التصوف تذكر بكبار شعراء المتصوفة، ولايزال خلفاؤهم إلى اليوم يتقنونها، وقد ذكر المؤرخ توماس أرنولد أن اللغة العربية أصبحت لغة التفاهم بين نصف سكان القارة الإفريقية من غربها إلى شرقها، وهي لغة المراسلات والتدوين والتعليم والاتفاقيات والمراسيم. وحروفها هي الحروف المستخدمة لكتابة اللغات السنغالية حتى وقت قريب، يقول إبراهيم محمود جوب متحدثا عن ذلك: “إن العربية أول لغة حية دخلت السنغال وكانت لسان الحوار والتفاهم بين زعمائنا الوطنيين من أمراء وسلاطين، وبين الجنرال الفرنسي “فيدرب” أواخر القرن الثامن عشر من الميلاد، وبواسطة مترجمين جاء بهم الجنرال الفرنسي لضرورة التفاهم. وفي السنغال وثائق تثبت أن العربية ظلت حاضرةً في دواوين الحكام الفرنسيين، يكاتبون بها الأمراء والأعيان، ويستعينون بها لتعميم بعض ما كانوا يريدون إعلام الشعب السنغالي به؛ من قرارات وتوصيات، أو بلاغات عمومية”
الشعر العربي
كان لا بد لانتشار الثقافة العربية في السنغال أن يُنتج شعراً عربياً في تلك الربوع، وهكذا ظهر في السنغال شعراء لهم باع طويلة في الشعر وتجويده وتدل سمات أشعارهم على الصلات الوثيقة بين شعراء السنغال وشعراء شنقيط، فقد اعتمد السنغاليون نفس الأساليب الشعرية القديمة التي اعتمدها الموريتانيون من مدح ووصف وحكمة وغزل ورثاء وإخوانيات، فضلاً عن أشعار التوسل ومدائح الرسول .
وأورد الدكتور عمر صمب في كتابه “حول الأدب العربي السنغالي” جملة من شعراء السنغال منهم ذو النون (ت 1927) الذي سافر ليتلقى تعليمه في موريتانيا، وأتقن علوم العربية وأصبح شاعراً، وكانت له أشعار محكمة الصنعة متعددة الأغراض ومن شعره في الغزل:
الحب ما حال بين النفس والنفس
فألجأ العاشق الهاوي إلى الخرس
ذو النون نون وهذا الشوق كان له
بحرا وليس يعيش النون في اليبس
ومنهم الشاعر حامد آن تلّر الذي كان جزل اللغة قوي السبك ومن شعره في الفخر:
أنا شاعر البيضان والسوّدان
تِرْب القصائد فارس الفرسان
وأنا المجيد سليقة وجبلّة
كاللّيث عند تزاحم الأقران
مواجهة الاستعمار
كان من الطبيعي أن يواجه المستعمر في السنغال بمقاومة شديدة، وقد حمل شيوخ الطرق الصوفية لواء تلك المواجهة، ومن أشهر من واجه المستعمر الإمام الحاج عمر الفوتي شيخ الصوفية في فوتا وقد حمل لواء الجهاد وحارب الفرنسيين في معارك شهيرة، وأقام الشيوخ المدارس العربية وشجعوا مريديهم على الامتناع عن الذهاب لمدارس المستعمر وينقل عبدالقادر سلا مقوله لفيدرب أول حاكم للسنغال، “إن الإسلام لدى السود أمر معرقل أمامنا.. وفي النهاية إن وجد مسجد فلا رجوع لنا بعدئذ” ونتيجة لذلك اتخذ الفرنسيون إجراءات تعسفية ضد مدارس الإسلام واللغة العربية، وروجوا لشائعة تقول إن الإسلام لا يصلح للأفارقة وإن كل مشاكلهم إنما جاءت من اعتناقهم للإسلام يقول بول مارتي: “إن ثوب الإسلام أيا كانت بساطته ولياقته لم يفصل للسود، فهؤلاء يفصلونه من جديد لمقاييسهم ويزينونه حسب ذوقهم” وكان هدف المستعمرين من ذلك أن ينفروا السنغاليين من الإسلام والثقافة العربية ويحدثوا فجوة بينهم وبينه، وقد لخص الأستاذ إسماعيل ديم موقف الاستعمار الفرنسي السلبي تجاه اللغة العربية المتمثل في تهميش الثقافة العربية لإيقاف تأثيرها في المجتمع من خلال اتخاذ قرارات لمنع دراسة اللغة العربية في الأوقات التي تفتح فيها المدارس الحكومية أبوابها، منع صياغة قرارات المحاكم باللغة العربية حتى لا يسهم ذلك في انتشار اللغة العربية ودعم مكانة مثقفيها، ممارسة سياسة استفزاز ضد العلماء والمثقفين، بالنفي تارة والمحاصرة تارة أخرى، إحراق مكتبات زاخرة بكتب عربية ومراجع نفيسة في مختلف الفنون كما فعل الاستعمار الفرنسي في مدينة “بير” وغيرها من القرى والمدن، كما منعوا دخول الكتب والمجلات التي تحمل أخبار العالم الإسلامي.
نتيجة لهذا الاستهداف ضعفت الثقافة العربية، ولم يصل السنغال إلى الاستقلال حتى كانت الفرنسية هي السائدة في دوائر الإدارة وبين الموظفين والساسة الذين تسلموا دفة الحكم، وعلى رأسهم الشاعر الفرانكوفوني ومرشح نوبل لفترة طويلة ليوبولد سينغور أول رئيس للسنغال، والذي تبنى سياسة أن تكون اللغة الفرنسية هي لغة التفاهم بين شعوب إفريقيا الغربية وطبق ذلك في السنغال، فشجع كتابة اللهجات المحلية بأحرف فرنسية بدل الأحرف العربية التي كانت تكتب بها تلك اللهجات، وفي نظام التعليم تقرر أن تكون اللغة العربية في الابتدائية اختيارية وخارج الوقت الرسمي للمدرسة، وفي الثانوية اعتبرت مادة ثانوية. كما يعاني مدرسوها من التهميش وقلة التأطير والتكوين المستمر، كما أن التربية الدينية التي هي عامل مساعد على تعلم اللغة العربية غير مقررة في منهاج التعليم العام في السنغال.
ورغم هذا الوضع المأساوي فقد نشطت المدارس الحرة والمعاهد الخاصة والمدارس التابعة للطرق الصوفية، والهيئات الخيرية في تدريس اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وتأسس في السنغال حديثاً نادٍ للأدب العربي، ويوجد في كل من جامعتي داكار وسنلوي قسم للدراسات الإسلامية والعربية. ولا يزال الأساس القاعدي الذي يرفد اللغة العربية في السنغال موجودا وهو كما يقول إبراهيم محمود جوب: “في السنغال ألوف من الكتاتيب التي تعمل باستمرار، ومن دون عطل إطلاقاً لتحفيظ القرآن للمستعدين من البنين والبنات، وسوف نرى أن رعاية التعليم العربي، ووضع خطط ناجحة لتطويره، سوف ينشئ من هذه الكتاتيب جيشاً جراراً قادراً على استيعاب دروس الضاد، وتعميم المعارف بواسطتها في كل مكان”. لكن هذه الخطط والرعاية معلقة على العرب قبل أي أحد آخر والذين صرخ فيهم من قبل الدكتور بابكر موسى محمد بقوله: “أدركوا الإسلام واللغة العربية في السنغال قبل أن يضيعا مثلما ضاعا من قبل في الأندلس”، فحري بهم أن يستدركوا ما تبقى من تلك المنابع ويرفدوه حتى يصير نهرا هادرا يتدفق ليحمل معه هذه اللغة وثقافتها إلى أقوام وأمم أحبتها وحملت رايتها ودافعت عنها في أحلك الظروف.
صلات مستمرة
لم تنقطع الصلة بين السنغال والعالم الإسلامي خصوصا شمال إفريقيا بفعل نشاط العلماء الدعاة الذين تخرجوا في معاهد فاس والقيروان وتمبكتو وبلاد شنقيط ويذكر الشيخ التيجاني سي نقلا عن رحالة أوروبي زار السنغال في القرن الرابع عشر الميلادي كيف كانت لأولئك العلماء مكانة كبرى ويشير إلى ان: “ملك وأعيان إمارة جولف كانوا مسلمين ولديهم شيوخ بيض من أئمة ودعاة، كانوا يعرفون القراءة والكتابة، ويأتي هؤلاء الشيوخ من بلاد بعيدة ومن مملكة فاس بهدف إدخال السود إلى عقيدتهم”
تواصل الفرنسة
لم يصل السنغال إلى الاستقلال حتى كانت الفرنسية هي السائدة في دوائر الإدارة وبين الموظفين والساسة الذين تسلموا دفة الحكم، وعلى رأسهم الشاعر الفرانكوفوني ومرشح نوبل لفترة طويلة ليوبولد سينغور أول رئيس للسنغال، والذي تبنى سياسة أن تكون اللغة الفرنسية هي لغة التفاهم بين شعوب إفريقيا الغربية وطبق ذلك في السنغال، فشجع كتابة اللهجات المحلية بأحرف فرنسية بدل الأحرف العربية التي كانت تكتب بها تلك اللهجات، وفي نظام التعليم تقرر أن تكون اللغة العربية في الابتدائية اختيارية وخارج الوقت الرسمي للمدرسة.
الخليج - الملحق الثقافي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق