عمل على الفرنسة ومارس الإبادة الفعلية
الوجه القبيح للاستعمار في المغرب العربي
آخر تحديث:السبت ,01/08/2009
محمد ولد محمد سالم
1/1
بدأت الإمبريالية الأوروبية حركتها الاستعمارية مدفوعة بضرورات صناعاتها الناشئة التي تحتاج إلى مواد أولية لإقامة هذه الصناعة وأسواق جديدة لبيع منتجاتها، وقد احتاجت لتبرير حركتها تلك إلى زعم أنها تحمل معها التنوير وحضارة العلم والحرية والمساواة للشعوب، ولكن سياسات الإبادة واستنزاف الخيرات وطمس الحضارات ونظرة التعالي والاستهزاء بالمستعمرين واستعبادهم التي اتبعتها الدول الاستعمارية أظهرت الاستعمار على حقيقته البشعة ووحشيته، ويعد الاستعمار الفرنسي أسوأ أنواع الاستعمار لما انتهجه من قتل وتنكيل بسكان البلدان التي اجتاحها، وما سعى إليه من تغيير ثقافات مستعمراته وفرض الثقافة الفرنسية بالقوة، وتعتبر سياسته في منطقة المغرب العربي أكبر دليل على الوجه القبيح لذلك الاستعمار الذي أتم بسط سيطرته على كل بلاد المغرب العربي في سنة 1912 بفرض الحماية على المغرب بعد احتلال الجزائر سنة 1830 وتونس سنة 1881 وموريتانيا 1902.
تظهر أدبيات هذه الحقبة، كيف كان المستعمرون ينظرون بازدراء لشعوب المنطقة ويعتبرونهم حفنة من المشردين القذرين الذين هم خارج الحضارة ولا يستحقون سوى القمع والإذلال وسلب خيرات بلادهم، وسوف نتعرض لتجليات هذه النظرة انطلاقا من بعض الكتابات التي تناولت ظاهرة الاستعمار، وذلك في اتجاهين صورة الشعوب المغاربية كما رآها رجال الإدارة الاستعمارية وصورة المستعمر بعيون بعض المثقفين الفرنسيين المتنورين.
تعبر المذكرات والرسائل الإدارية والكتب الكثيرة التي أبدعها رجال الإدارة الاستعمارية الفرنسية عن الحقد الدفين الذي يكنونه للعرب وثقافتهم ودينهم، وكيف أنهم يتقززون منهم وينعتونهم بأوصاف الطمع والتحايل والهمجية البربرية هي سمات الإنسان المغربي البدوي البعيد عن الحضارة المتوحش، الذي يبحث دائما عن نهب أو نصب يوقع فيه غيره، فالشر طبع جبل عليه لا يفارقه، هذه الصفات تتجلى في الصورة التي قدمها الرائد جيلييه في كتابه: “التوغل في موريتانيا” للبيضان، واصفاً إياهم بأوصاف مشينة، وذلك في معرض حديثه عن المساومة بينهم وبين التجار الفرنسيين الذين يسعون للحصول على كميات من “الصمغ العربي”: “ليس هناك حيلة من الحيل إلا ويعرف البيضان كيف يستخدمونها، ولا نوع من أنواع الكذب والخداع إلا ويحسنون اختلاقه من أجل الحصول على ثمن أغلى من ثمن البيع في السنة السابقة، فالملوك والشيوخ يعرفون مائة نوع من أنواع الحيل والخداع ومائة ألف نوع من أجل انتزاع رسوم وهدايا أهم بالنصب والاحتيال، ويستخدمون اللطافة أحيانا والتهديد أحيانا أخرى، ودعاويهم المثيرة للسخرية تتجدد كل سنة بحذاقة وتحايل همجي. من أجل وضع العراقيل والمشاكل خلال هذه المفاوضات، فالعمال والوكلاء المكلفون بتجارة الصمغ والتجار الذين يذهبون إلى محطة (بودور) من أجل الشراء هم وحدهم الذين يعلمون ما في هذه المعارض البربرية من مشقة وهم كدر يجب تجرعه بضجر”.
ونفس النبرة الاستعلائية المتحاملة لا ترى في الآخر إلا الكذب واللؤم والقذارة ونكران الجميل، وترخص لنفسها استخدام كل وسائل العنف للقضاء عليه وعلى نمط تفكيره البدائي، نجدها في استشهاد من كلام أحد الفرنسيين أورده عبد الجليل حليم في بحثه بعنوان “الفلاحون المغاربة في الإثنولوجيا الكولونيالية: بين الجمود وقابلية التحسن” يقول هذا الفرنسي واصفاً الفلاحين المغاربة: “إنهم متعنتون تعنت العميان في التشبث بطرق تفكيرهم وأفعالهم وعيشهم، فكل أفكارنا وكل أعمالنا تبدو لهم مقيتة، والحال أن ديانتهم هي التي تغرس فيهم هذه الآراء. من أجل تغيير طريقة عيشهم لا بد من القوة، فما أن نكف عن استعمالها يتهافتون مجدداً في تقاليدهم المزمنة ليقبعوا داخلها ويزدرونا. إنهم قذرون وكذابون ولؤماء، وهم متشبثون بالمكوث على هذه الحال. أما الابتسامات التي يجودون بها علينا والآداب الحسنة التي يعاملوننا بها فليست إلا مسخرة وبهتانا. وبدل أن يعترفوا لفرنسا بفضلها عليهم لا يكفون عن الرد في كل مناسبة بتظاهرات ينغرس فيها الحقد، علاوة على أن المتظاهرين هم أولئك الأكثر تعلماً وتديناً من بينهم”.
أبطال تافهون
حتى الأمراء والسادة الذين يقودون عادة تجمعات كبيرة ويتبعهم آلاف البشر، ولهم هيبة وأبهة حيثما حلوا، والذين يكونون عادة على درجة من الحكمة والتعقل ويعرفون كيف يتصرفون في مختلف المناسبات، لم تشفع لهم معاهدات الصلح التي وقعوها مع هؤلاء المستعمرين الفرنسيين، فهم أجلاف متخلفون متسولون بطبعهم. يقول جيلييه وهو يصف ضيافة الفرنسيين للأمراء الموريتانيين حين يزورون الحاكم الفرنسي في “سان لوي”: “كانوا يُمْنحون علاوة على ذلك لضيافتهم اليومية ذبائح من البقر والقمح والسكر والخبز لكن بما أنهم متسولون بالطبيعة فلم يكن يسمح لهم بالمكوث أكثر من الوقت اللازم حتى ولو رغبوا في الإقامة أكثر في سان لويس”.
عمل الفرنسيون على مسخ ثقافة المجتمعات المغاربية ومحو اللغة العربية وإحلال القضاء الفرنسي مكان القضاء الإسلامي وتنصيب جواسيسهم كممثلين لثقافة المجتمع. ففي مذكرة لموظف في الإدارة الاستعمارية اسمه “بيرك”، كان مسؤولاً عن تسيير مديرية الشؤون الأهلية في الجزائر، يقول: “لقد وصل بنا امتهان واحتقار الدين الإسلامي درجة أننا أصبحنا لا نسمح بتسمية المفتي أو الإمام إلا من بين الذين اجتازوا سائر درجات التجسس، ولا يمكن لموظف ديني أن ينال أي ترقية إلا إذا أظهر للإدارة الفرنسية إخلاصاً منقطع النظير”، وفي رسالة د. فيتال من قسنطينة إلى أحد أصدقائه سنة 1864 يذكر بقلق ما يعانونه من عراقيل في هذا البلد بسبب أنه: “لا تزال هناك كلمات تهز هذا البلد هزا كلما ورد ذكرها، هي كلمات القومية والإسلام و الأرض المقدسة التي يجب تطهيرها من الكفر.. هذه الكلمات عندما تتردد تجعل الشعب مستعداً للثورة”، ومن أوضح صور استهداف الإسلام واللغة العربية، بل استهداف وحدة الشعب ما فعلته فرنسا في المغرب سنة 1930 حين أصدرت القانون المسمى ب”الظهير البربري” الذي قضى بإلغاء سلطة سلطان المغرب على المناطق البربرية المغربية وإخضاعها لإدارة فرنسية وإحلال القانون الفرنسي محل الشريعة الإسلامية، وإطلاق يد التبشير المسيحي فيها. وكانت قد صدرت دعوات فرنسية كثيرة للقيام بهذه السياسة. فالمستشرق الفرنسي “دي مومبين” في كتابه “المهمة الفرنسية فيما يخص التعليم في المغرب” الصادر عام (1928م) يقول: “إن الفرنسية، وليست البربرية، هي التي يجب أن تحل مكان العربية كلغة مشتركة وكلغة حضارة”، ويصرح الجنرال “بريمون” في كتابه “الإسلام والمسائل الإسلامية من وجهة النظر الفرنسية” الصادر سنة 1932 بهذه السياسة وبكل وقاحة قائلا: “يجب محو إسلام البربر وفَرْنَستهم”. ولم تكن هذه السياسة الفرنسية في الفصل العنصري بين المجموعات العرقية والعمل على مسخ دينها وكسب ولائها لفرنسا قاصرة على المغرب بل اتبعوها في الجزائر وموريتانيا أيضاً.
الجانب المقابل
هذه الصورة التي تحمل كل ألوان الكراهة وتعتبر سكان المغرب العربي مجرد كائنات بشرية تافهة لا تستحق الاحترام ولا حتى أبسط الحقوق هي التي بررت العنف ضد سكان هذه المنطقة، واسترخصت دماءهم وأعراضهم ولغتهم ونهب خيراتهم، وقد لاحظ الكثير من المثقفين الفرنسيين المتنورين هذه الكراهية الاستعمارية ونددوا بها، فالكاتب الفرنسي أناتول فرانس (1844 1924) هاجم المشروع الاستعماري ونقض مزاعمه القائلة إنه يهدف إلى إدخال الشعوب البربرية المتوحشة في الحضارة. وفي خطابه عام 1906 “ضد البربرية الاستعمارية” يقول: “لم يعرف العرب والسود وسواهم من حضارتنا حتى الآن إلا المجازر والاستغلال والقهر والاستيطان. فأين هي الحضارة إذن؟ إن الاستعمار أيها السادة هو أحقر أنواع البربرية. هل تعلمون بأن هذا الاستعمار الوحشي واللا إنساني سوف يجعل ملايين البشر في إفريقيا والهند الصينية والعالم العربي يحقدون علينا؟ ألا تباً للاستعمار والمستعمرين”، ويعبر الكاتب أندريه جيد (1869 -1951) عن نفس الفكرة، ويهاجم الشركات الاستعمارية التي فتحت مكاتب في إفريقيا من أجل التغلغل فيها واستعمارها واستغلال ثرواتها. ويصور في رواياته جشع المستوطنين، ويعلن صراحة أن ما يحدث في تلك المستعمرات يجلب العار للحضارة الأوروبية ويسقطها من أعين الآخرين يقول: “عندما سافرت إلى البلدان الإفريقية المستعمرة لأول مرة لم أكن ضد الاستعمار. ولكن عندما رأيت كيف يعاملون السكان الأصليين بكل عنصرية واحتقار أصبحت من ألدّ أعداء الاستعمار. حقاً إن الاستعمار نظام حقير ودنيء وظالم من أساسه إنه عار علينا نحن الشعوب المتحضرة أو التي تدعي الحضارة”.
ومن صور الغطرسة والاحتقار التي خلدها الكتاب الفرنسيون الحادثة التي وقعت للمؤرخ شارل روبير أجيرون الذي عايش مجازر مايو 1945 في الجزائر وتعرض للحادثة التي كشفت له عن عنصرية المستوطنين، فقد أهانه عناصر من منظمة “الأقدام السوداء” العنصرية الاستيطانية عندما تنازل لامرأة جزائرية عن مقعده في حافلة كان يركبها وهو في زيّه العسكري، دفعته تلك الأحداث التي عاينها إلى أن يتجه للتأريخ لواقع الاستعمار في الجزائر واتسمت كتاباته بالموضوعية ومعاداة الاستعمار، وقد ألف كتاب (الجزائريون المسلمون وفرنسا 1871 1919) الذي اعتبر عملا مرجعيا لسياسة الجمهورية الثالثة، التي كرست نزعة الإبادة الاستعمارية التي أرادت تقويض أركان وتنظيمات المجتمع الجزائري المسلم، من خلال السياسة الجائرة، التي مست مجالات العقار، والضرائب، واستغلال الغابات، وقانون الأهالي، فأقصت الجزائريين من المواطنة الفرنسية، وأنزلتهم إلى درجة العبيد.
الخليج - الملحق الثقافي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق