بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 30 سبتمبر 2009

العلاقات الثقافية بين موريتانيا والخليج


الرحلة إلى أقاصي المغرب العربي
العلاقات الثقافية بين موريتانيا والخليج
آخر تحديث:السبت ,25/07/2009
محمد ولد محمد سالم


1/1


كلمة “موريتانيا” هي النسبة من “مور” وهي لفظة رومانية كانت تطلق على سكان منطقة الصحراء الممتدة من شواطئ المحيط الأطلسي غربا إلى تنبكتو شرقا ومن بلاد السوس في المغرب إلى نهر السنغال جنوبا، ولم تكن هذه التسمية معروفة قبل مجيء الاستعمار الفرنسي للبلاد، وكان اسمها بلاد شنقيط وأرض البيضان. والبيضان هم مجموعة عربية تكونت في القرون اللاحقة للإسلام من امتزاج بين البربر وهم السكان الأصليون والعرب الذين وصلوا إلى المنطقة في هجرات بشرية واسعة، وتغلبوا عليها وكونوا الإمارات الحسانية المعروفة. وموريتانيا اليوم أصغر مساحة من الأرض التاريخية للبيضان، كما أنها ضمت غداة الاستقلال أقلية زنجية كانت تعيش تحت سلطة الإمارات البيضانية قبل الاستعمار، ومنذ وصل الإسلام المغرب عرفت موريتانيا تبادلاً ثقافياً مطرداً مع الخليج العربي.
كان أول دخول الإسلام إلى موريتانيا في عهد عبد الله بن الحجاب(ت 122) والي المغرب من قبل بني أمية الذي أرسل حملة بقيادة حبيب بن أبي عبيدة وصلت إلى مدينة (أوداغست) في وسط البلاد، ومهد ولاة المغرب الطريق إلى المنطقة بحفر الآبار فأصبحت قوافل التجار العرب المسلمين تترى عليها، وقد نشروا تعاليم الإسلام في تلك الربوع ووصل تأثيرهم إلى المناطق الإفريقية المجاورة، وكان لظهور دولة المرابطين(453 ه) التي انطلقت من موريتانيا ووحدت المغرب وبلاد الأندلس وتوغلت جنوبا في إفريقيا أعظم الأثر في تعميق الدين الإسلامي ونشر المدارس التي تحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية والفقه، وجلب الفقهاء العرب لتدريس العلم، وقد اعترف المرابطون بالخلافة العباسية وأعلنوا الولاء لها. ومن الطريف أن الفرنسيين تنبهوا مبكراً إلى التأثير الروحي والسياسي لأهل الجزيرة العربية على الموريتانيين، فحين أرادت فرنسا أن تربط بين مستعمراتها في السنغال والجزائر بسكة حديد في منتصف القرن التاسع عشر وقبل احتلال موريتانيا سعت إلى الحصول من الشريف حسين شريف مكة على توصية إلى الشيخ سعدبوه شيخ الطريقة القادرية في موريتانيا لمساعدة المبعوث الفرنسي (بول صولي)، وكانت تلك التوصية كافية ليلقى ذلك المبعوث كل صنوف الترحيب والإكرام.
مدينة شنقيط
من الأمور الحاسمة في تأثير الخليج العربي في موريتانيا تأسيس مدينة شنقيط (660 ه) التي ستصبح علماً على تلك البلاد نظرا للنهضة العلمية والثقافية التي شهدتها وكثرة من استقر فيها من العلماء، ولكونها نقطة انطلاق القوافل في رحلة الحج إلى المشرق، تلك التي استهوت عموم الشناقطة فطفقوا يتسابقون إلى الجزيرة العربية بحثاً عن الإجازات في العلوم، وعن أمهات الكتب في شتى علوم العصر، وأثمرت هذه الرحلات طبقة من العلماء تتمتع بإجازات في مرويات ومسموعات علماء الحجاز. فالطالب المختار ولد بلعمش العلوي (ت سنة 1107) زار المدينة المنورة ولقي علماءها وحاورهم وسمع من عالمها أبي إسحاق إبراهيم بن الحسن الشبهاني الذي أجازه في رواية الموطأ والصحيحين، وقد عني الشناقطة بجلب الكتب العلمية التي كان لها دور في تأسيس الثقافة العلمية الشنقيطية، ثقافة المحضرة الشنقيطية.
يقول الباحث سيد أحمد ولد أحمد سالم “لا شك أن رحلات الحج التي كانت تنطلق من شنقيط نحو الحجاز.. كانت إطاراً لاستيراد المخطوطات المشرقية إلى موريتانيا، وإن مطالعة بعض النصوص الحجية توضح بصورة جلية قيمة الكتب عند الشناقطة والسعي إلى اقتنائها”. ويذكر الباحث الدكتور محمد المختار بن السعد في معرض حديثه عن عبد الله ولد بو المختار أنه: حج البيت الحرام عام 1077ه وأخذ عن أبي مهدي عيسى الثعالبي وغيره من علماء الحجاز، وأحضر معه كتبا من بينها أول نسخة جاءت إلى البلاد “من إضاءة الدجنة في اعتقاد أهل السنة” للمقري.
تكتمل حلقة التأثير القادم من الجزيرة العربية بهجرة أفواج من بني حسان وهم من القبائل الهلالية العربية من اليمن مع بدايات الفتوح الإسلامية وجابت شمال إفريقيا حتى استقرت طلائعها في موريتانيا في حدود القرن الخامس عشر الهجري، وتغلب بنو حسان على قبائل صنهاجة البربرية، وكونوا الإمارات العربية الحسانية التي ظلت تحكم البلاد إلى أن دخلها الاستعمار. وتعربت القبائل الصنهاجية من تلقاء أنفسها وبتأثير من سيادة اللهجة الحسانية العربية، وانتشار الإسلام ونشاط المدارس العلمية (المحاضر)، وانتهى الأمر إلى ضمور اللهجة البربرية شيئاً فشيئاً حتى اضمحلت واختلطت القبائل الصنهاجية بالقبائل العربية.
ومن مظاهر تأثير بني حسان أيضا سيادة الثقافة الشعبية العربية من قصص وعادات وتقاليد حملها بنو حسان معهم في رحلتهم الطويلة من الجزيرة العربية. يقول محمد ولد أحظانا متحدثاً عن هذا التأثير العربي: “مع كل تمدد كانت تحدث انزياحات لما يسمى الثقافة الشعبية المصاحبة للأقوام لأنهم يحملونها معهم قبل زادهم وأمتعتهم فحملوا معهم سيرة الزير سالم أبي ليلى المهلهل وسيف بن ذي يزن وعنترة بن شداد وإساف ونائلة، ونبوءات الكهان وأيام العرب قبل الإسلام وقصص الصعاليك مثل عروة بن الورد مع الأسود وتأبط شراً الفهمي مع السعالي وغير ذلك كثير، وهي منمنمات شكلت زادا ثقافياً سائغاً لهذه الحركة البشرية وحديثاً للسمار تحت ضوء القمر، وهدهدة الأمهات لأبنائهن قبيل النوم.
المحاضر العلمية
كان من نتائج هذا التحول الحضاري أن انتشر العلم في ربوع موريتانيا وتخصصت فيه قبائل بعينها، وابتدع الموريتانيون طريقة (المحاضر) العلمية وهي مدارس يدخلها التلميذ بعد أن يستقيم لسانه ويحصل أجزاءً من القرآن في بيت أهله، ويقوم نظام التعليم فيها على الحفظ التام للمتون، فيلزم التلميذ منذ البداية باتباع نظام تربوي صارم يقوم على الجلوس لساعات طويلة أمام لوح يكرر ما هو مكتوب فيه “ألفا ومائة مرة” حتى يحفظه من دون تلكؤ ولا تعثر ويخضع في أثناء ذلك لاختبارات دقيقة من شيخه. ويتسم المنهج المحضري بالموسوعية والتشعب بين القرآن وعلومه والحديث والفقه وعلم الكلام وعلوم اللغة والمنطق والتصوف والشعر وأيام العرب وأنسابهم، وقد يجلس الطالب أربعين سنة عند شيخه حتى يكتب له الإجازة في مروياته ومسموعاته. وقد أنتجت هذه الطريقة حفاظاً لا يبارون في علوم عصرهم، وكان لبعض هؤلاء صيت واسع وأثروا في كل البلاد التي حلوا بها وعادة ما تبدأ رحلاتهم بالحج ويجلسون للتدريس في تلك الربوع ما أقاموا فيها، ومن أقدمهم صالح الفلاني الشنقيطي (ت 1221) الذي جلس للتدريس في المسجد النبوي يعلم الناس ويجيزهم في الحديث مقدما إليهم الأسانيد العالية وقد أجاز كمال الدين المجيدري الشنقيطي (ت1204) ونوه بمعارفه وحافظته مؤكدا أنه أكبر حافظين اثنين وردا إلى الحجاز في تلك الفترة، ومنهم الشاعر محمدّ ولد محمدي العلوي الشنقيطي (ت1272) الذي حج وتوفي بأرض الحجاز وكان على صلة بإبراهيم أمير ينبع وقد خاطبه ببيتين:
يا قاصدا بطحاء مكة يرتجي
نيل الطواف ببيتها المرفوع
لا تخش من ينبوع حاجك غورة
ما دام إبراهيم في الينبوع
وتحمل لنا كتب التاريخ الكثير من العلماء الموريتانيين الذين أثروا في الثقافة الشرقية منهم المصطفى الطالب أحمد بن أطوير الجنة الواداني (1145 1265 ه) الذي أثنى كثيرا على أهل الحجاز ووصف أخلاقهم العالية وكرمهم وتوثقت صلته بعلماء المدينة المنورة وسكانها، ومحمد يحيى الولاتي الشنقيطي (ت 1330 ه) الذي درس في المدينة سنوات طويلة تحدث عنها وعن علاقته بها في كتابه عن رحلته تلك الذي يقول فيه: “وممن لقينا من الأفاضل بالمدينة المنورة السيد الأرضي علوي والشيخ الكريم سعد المخرج حسن، ودرسنا مدة إقامتنا بالحرم الشريف (موطأ) مالك رضي الله عنه و(عقود الجمان) للسيوطي و(ورقات) إمام الحرمين” وقد كان لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي دور بارز في المحفل العلمي السعودي والإسلامي عامة لعقود طويلة وذلك نظراً لعلمه الغزير ولعلاقاته المتميزة بالملك عبد العزيز آل سعود وهو صاحب الكتاب الشهير(أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن).
وحين أسس المغفور له الشيخ زايد الأول أول مدرسة حديثة في الإمارات سنة 1903 كان عمر السالك الشنقيطي المعلم الثاني فيها بعد الشيخ عبد اللطيف مبارك وكانت المدرسة تتألف من أربعة فصول لقي هذا العالم التقدير من الشيوخ وأهل العلم في أبوظبي، وكان قبل ذلك قد درس في المسجد النبوي. ونذكر هنا جهود محمد الأمين بن فأل الخير (ت1351) الذي درس في المدينة والبحرين و الأحساء ثم في الكويت واستقر به الحال في الزبير في البصرة.
حاول الاستعمار الفرنسي جاهداً أن يقطع موريتانيا عن سياقها التاريخي ومحيطها الحضاري حين جعل مركز إدارتها من مدينة (سنلوي) السنغالية، وأنشأ المدارس الفرنسية لتعليم الأطفال لغته، لكنه جوبه بمقاطعة شديدة اضطرته إلى أن يأخذ الأطفال عنوة إلى المدارس، فكانت الأسرة تنكر أن لها أبناء وتخبئهم عن عيون المستعمرين. وتعتبر التسمية بموريتانيا مظهرا من مظاهر ذلك النهج الاستعماري، وقد نجحت إلى حد ما في طمس معالم التسمية التاريخية والمعلم الثقافي(بلاد شنقيط).
في اعقاب الاستقلال (1960) لقيت الحركة الثقافية في موريتانيا دعماً كبيرا من دول خليجية كثيرة. واستقبلت مدارس هذه الدول أعداداً من الطلاب الموريتانيين، وتأسس المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية بدعم المملكة العربية السعودية، التي افتتحت أيضاً في نواكشوط فرعاً من “معهد الإمام محمد بن سعود”.
وسيبقى العمل الكبير الذي قام به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله باستقدامه لأعداد كبيرة من القضاة والأئمة والمدرسين الموريتانيين إلى جانب آلاف من رجال الشرطة عملاً رائداً في مجال التبادل الثقافي وعلامة كبيرة على الدعم السخي الذي لا تزال موريتانيا تلقاه من أشقائها في الخليج وفي كافة الوطن العربي.
نهج استعماري
حاول الاستعمار الفرنسي جاهداً أن يقطع موريتانيا عن سياقها التاريخي ومحيطها الحضاري حين جعل مركز إدارتها من مدينة (سنلوي) السنغالية، وأنشأ المدارس الفرنسية لتعليم الأطفال لغته، لكنه جوبه بمقاطعة شديدة اضطرته إلى أن يأخذ الأطفال عنوة إلى المدارس، فكانت الأسرة تنكر أن لها أبناء وتخبئهم عن عيون المستعمرين. وتعتبر التسمية بموريتانيا مظهرا من مظاهر ذلك النهج الاستعماري، وقد نجحت إلى حد ما في طمس معالم التسمية التاريخية والمعلم الثقافي(بلاد شنقيط).
جريدة الخليج - الملحق الثقافي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق