محمد ولد محمد سالم
... سبحان الله ولاحول ولا قوة إلا بالله...لعل صلاة الصبح قد قضيت ولم أنتبه للأذان.
- هه... هه... ها.ها.
... حسبي الله ونعم الوكيل هذا صوت امرأة لا محالة.
- هه...ها ها ها.
- يا سبحان الله, إنه يأتي من جهة الحمام أو لعله من خلفه من خيمة أهل الحسن. لا تستطيع الشياطين أن تلعب بي وأنا قاهرتها...أنا قاتلة ابن زعيمكم أيها المردة...هل تتوقون إلى جولة جديدة. مازال ثأر سليمان في أعناقكم وسأنتقم له منكم يوما وربما الآن لو تقدمتم...أنا الأقوى...أنا أم العيد...ها أنذي اقترب... لكن هذا الصوت صوت فتاة إنسية. إنه هناك خلف الحمام. يا الله. هنالك خيال أبيض يتحرك.
- هيه... من هناك؟
... يا إلهي, إنهما شخصان...إني أرى خيال رجل يتحرك جهة الشرق وذالك الخيال الأسود الذي يسرع غربا لا شك أنه خيال صاحبة الصوت الذي سمعته... يا إلهي إنها تلوذ بخيمة أهل الحسن وتختفي خلف الخيمة. أتكون تلك إحدى بنات خديجة!...كم أنا غبية...السالمة كم ظلمتك واتهمتك بالحقد والغيرة من خديجة وبناتها, كنت منزعجة وما زلت أذركر ما دار بيننا:
- ياأم العيد كيف تبقين على هذه الفاجرة وبناتها في أرضك.
- السالمة. اتق الله فيها. إنها مسلمة.
- أنت لا تعرفينها هي فعلا فاجرة تفتح خيمتها للغرباء.
- أخشى أن تكوني تغارين منها ومن بناتها.
- هذا هو دأبك دائما يا أم العيد غافلة عن كل شيء وإذا ما أردت أن أنبهك إلى ما فيه مصلحتك تتهمينني. مع أنك أول من سيتضرر من السمعة السيئة لتلك المرأة لأنها تعيش على أرضك وليس من فاصل بين خيمتها وحجرات منزلك.
...آه...السالمة لقد كنت على حق... وهاهو خيال الدراعة البيضاء يختفي داخل السيارة لتتحرك مخلفة سحابة أتصورها سوداء داكنة تغطي سماءنا...نفثة مسمومة من أخر الليل تتسلل إلى النفوس حين تسحب تلك الضحكة المكتومة الهواء البارد... لعلها تلك الفتاة الغرة الزهرة تسرق النومة البريئة لقريتنا... ولكن القمرالأمين يراقبك من بعيد وحين تتمدد ين على الرمل فإن الرمل سيدون ذالك... وبالطبع لن يدون أوهام الصبية صفية ولن تمتلكوا أرضا هنا...يعرف الرمل أنفاس أصحابه ولن تتخلى الصحراء عن ذاكرتها المليئة بالآثارالغائرة. ولن يمحوها افتيات صبية ثرثارة على صويحباتها...حتى ولو صدقنها كما هو حال سميتي أم العيد الصغيرة ابنة العزة حين جاءتني أسيفة مندهشة:
- النينة لماذا لا تكون لك دار كبيرة وجميلة.
- وأين رأيت دارا كبيرة.
- تقول صفية إن أهلها لديهم داركبيرة في نواكشوط وإنهم سيبنون واحدة أخرى هنا.
- أين سيبنونها.
- هناك في مكان خيمتهم... لم لم تشتر أنت دارا كبيرة مثل دارهم . هل تستطيع سيارة كبيرة أن تحمل دارا مثلها،عليك أن تجلبي لنا دارا لقد قال لي أمي إنك تستطيعين أن تفعلي كل ما تريدين.
- يا صغيرتي, صفية كذابة وليس عند أهلها سوى تلك الخيمة ولن يبنوا أي شئ هنا.
- لكنها قالت لنا ذالك, اسألي الفتيات في المدرسة.
- هذا كذب ولا تحدثي به أحدا. لا تسمعه منك لا العزة ولا حليمة. أفهمت؟
- نعم فهمت... لكنك لم تعطني الحلوى بعد.
- سأعطيها لك. ولكن إياك تحدثي أحدا بذالك وإلا منعت عنك الحلوى في المرات القادمة.
- لن أحدث به أحدا.
... خديجة أيكون هذا جزاء الأرض التي آوتك. أم أن الصبية صفية غرها تحلق صويحباتها حولها فطفقت تهيم في الوهم. لا تنسي أن تعلميها أن أوتادي عميقة في جوف الأرض وأن التيه على الصبايا وهن يتحسسن الجسد الصغير الناعم وتحسد عيونهن الفستان الحريري تنبعث منه رائحة عطر ينسيهن زفت قطعة القطران الوحيدة المربوطة بالخيط على أجيادهن, لن يبني ذالك الازدهاء سوى وهم في خيال صبية صغيرة. وقد زجرت الصغيرة أم العيد أن تحمل لها الحقيبة وهن عائدات من المدرسة فلا يليق ذالك بسمية أم العيد... لم يكن صندوقي يخلو من قنينة عطر ويعرف كل السائقين عني حبي له ويجتهدون في اختيارهداياهم لي منه وكان شيخي بوشامة ينبهرحين أهديه عطرا جميلا... ليس هذا مهما ولكن القمر سيحفظ صورة تلك الفتاة وهي تلوذ بالخيمة وقد تعود الشياطين لسابق عهدها معنا حين كانت تحاول طردي من هنا. أنا الحارسة الأمينة وسأقطع الطريق عليهم كما فعلتها من قبل, لكن ماذا سأقول لحليمة بعد اليوم وهي تلح على أن أطردهن:
- أماه اطردي هذه المرأة وبناتها من أرضنا.
- ولماذا أطردها.
- أماه هذه امرأة فاجرة...تتفتح خيمتها للغرباء.
- اخرسي... ولا تعودي لمثل هذا.
- أماه... لو رأيت ما تفعله أو سمعت عما فعلته في الماضي لما ترددت لحظة في طردها من أرضنا. لقد جاءت هنا هربا من العار الذي لحقها بسبب الحمل الأثم الذي حملت به ابنتها العالية.
- أنت مجنونة وتسمعين إشاعات نسوة حاسدات.
- أنا لا أسمع إشاعات أحد، هذه حقيقة الجميع يعرفها أنت وحدك التي لا تريدين معرفتها. لكني أنا لن أصبرعلى تلك الفاجرة وسأطردها من أرضنا.
- اخسإي ولا تعودي إلى هذا وإلا كسرت عنقك.
- لن أعود إليه ولوشئت فاكتبي لها الأرض باسمها ودعيها هي وبناتها يفعلن ما يشأن.
... يا لحليمة لقد كانت تراودني على فعل لم أكن أملك أن, لم تفهم أني أنا حارسة الطريق الأمينة والعهد بيني وبين القرية أن أفعل ما فعلته. هكذا قهرت الشياطين وقد قال لي شيخي الشيخ بوشامة حين حرزني:
- أما أنت فلا خوف عليك من الشياطين ما دامت القدر تفور وظل السقيفة ممتد ومادام في الشكوة شربة باردة لمسافر.لا خوف عليك بل هم من يخافونك. أنت بإذن الله قاهرتهم.
ذالك عهدي مع شيخي ومع القرية. لكن, إياك أن تفرحي بأن الظل سيظل ممدودا لك ... لن يكتب الظلام في ديوانه اسم ابنتي ولن أترك ضحكتها المكتومة تشق صمت القرية من أخر الليل. وكذالك كل بنات قريتنا لن يفعلنها، أنا الحارسة الأمينة لغفوة قريتي ولن أطلق يدك فيها ولست نادمة على أني آويتك أول مرة حين قدمت, وأنت حائرة وبادرتني قائلة:
- السلام عليكم ورحمة الله.
- وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
- نريد زريقا* وكأس شاي.
- تفضلوا بالجلوس وسيأتيكم على الفور.
- تبدو قريتكم هذه جميلة.
- إلى أين تتجهون.
- أوه, نسيت... أحمد أعط هذه المرأة المباركة شيئا من خبزانواكشوط...ماذا قلت.
- سالتك أين وجهتكم.
- لا وجهة لي بالتحديد. لدي بنات يلححن علي كثيرا للخروج من زمت الخريف في انواكشوط. وقد خرجت أبحث لهن عن مكان مناسب.
- من حقهن ذالك فلا يستطيع المرأ في هذا الموسم الصبرعلى الأرواح والضجيج في المدينة. لكن أين تذهبون عادة.
- هذه أول مرة نخرج فيها. لا تعرف بناتي غير انواكشوط. وأنا محتارة إذا أوغلت بهن في البادية أن يمرضن.
- هذا صحيح، ولا تبعديهن عن جنب الشارع. ليلا يستوحشن البادية.
- تبدو قريتكم هذه جميلة.
- أرى أنها ستكون مناسبة لبناتك فهي تجمع بين البادية والمدينة.
- أرى ذالك.
- وسأساعدك أنا بمنحك مكانا للنزول مدة ما تريدين.
- أراك امرأة مباركة ولن أعدوك.
هذا هوالعهد يا سالمة... لن أفرط في وصية شيخي ولن أجد على ذالك إلا خيرا. عادت أم العيد إلى فراشها وقد قدرت أنه ما يزال في الليل بقية وأن مسعودا ربما لم يؤذن بعد لصلاة الصبح فلتغف إذن قليلا ريثما تسمع النداء...لكن خيال الفتاة لم يفارقها وقد عاد صدى ضحكاتها إلى أذنيها ولم تستطع النوم بقية ليلتها واستقبلت ذالك اليوم كئيبة كآبة لم تعرف لها مثلا ولم تجد لها تفسيرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق