بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

خلل في الذوق


أفق
خلل في الذوق
آخر تحديث:السبت ,24/10/2009
محمد ولد محمد سالم
“أحيانا أرى الكتابة مجرد وهم كبير يعيشه الكاتب كي يقفز فوق الفراغ أو الجنون، فكم هو مخجل ومثير للدوخة العدد الذي يباع من نسخ إصدار إبداعي في بلد الثلاثين مليوناً، إننا نمارس حرفة لا حاجة للمجتمع بها” “الهاوية هي ما نحياه: مجتمع في آخر سلم الحضارة، غير منتج إلا للصخب، ومستهلك لكل شيء إلا الكتاب، منذور للتآكل والموت. الهاوية ليست السقطة الأخيرة، بل هي الطريق الممتدة باتجاه السقوط”.
هذه الآراء وردت مؤخرا في حديث للكاتب المغربي حسن البقالي مع إحدى الصحف العربية الدولية، والبقالي واحد من أعمدة الكتابة القصصية في المغرب، فقد أصدر مجموعات قصصية عدة منها “أجراس لزمن البرتقال” و”المقامر” و”الإقامة في العلبة”، ونال جوائز أدبية عدة، وإذا كان كاتب ناجح وذو مسيرة طويلة مع الكتابة يشكو من معاناته هو وأمثاله في مجتمع مثل المغرب يمكن وصفه بأنه من أكثر المجتمعات العربية وعياً وانفتاحاً على الثقافات المعاصرة، إذا كان هذا هو حال البقالي وزملائه في الحرفة فكيف هو حال إخوانهم في بلدان عربية أقل وعياً وثقافة؟.. لا شك أن المعاناة هناك أكبر والسقوط أسرع، فالكتاب الأدبي هو آخر ما تفكر فيه المجتمعات العربية إن فكرت في شيء.
كثيرا ما كان الكتّاب العرب يشكون من عنت حرفتهم وقلة مردودها، وقد وقر في أذهان الناس ملازمتها للفقر والإقلال، فكان يكنى عن وصف الفقير بالقول:''فلان أدركته حرفة الأدب”، لكن شأن القدماء مع الأدباء أخف من شأن المعاصرين، فلإن لم يكن الأديب ينتظر مردود نشر كتبه، فإنه كان ينتظر أعطيات معاشات الأمراء والسلاطين وإجازاتهم، وتلك كانت كثيرة وسخية يُغدَق بها على الشعراء والأدباء لتكفيهم عن احتراف المهن الأخرى فينصرفون لشحذ أخيلتهم وتصيد معانيهم وتمحيص أشعارهم، ولهذا كان لديهم الوقت الكافي للإبداع وقد أجادوا، ويذكر جرجي زيدان في كتابه ''تاريخ آداب اللغة العربية أن بني أمية جعلوا للشعراء رواتب معلومة تجرى عليهم من بيت المال، وقصص إجازات الملوك للشعراء وخلع الحلل عليهم كثيرة ويكفي أن نتصفح سيرة أحد الأدباء القدماء فنجد أنها مملوءة بتلك القصص من لدن النابغة إلى جرير وأبي تمام وأبي الطيب والجاحظ وسهل بن هارون، وهلم جرا، فكان لهم في ذلك غنى.
لكن الوضع تغير مع أحفادهم في العصر الحديث الذي لم يعد مقبولا فيه أن يكتب الأدب للتكسب وصار ذلك معرة، واستقل الأدب لبث الوعي والجمال والمتعة في أرواح المتلقين، وتسلم دوره المتقدم في ريادة النهضة، وأصبح مردود مبيعات الكتب يكفي صاحبه الوقوف على باب الملوك وذوي السلطان والجاه، لكن النكسات المتتالية التي مني بها المجتمع وانكفاء وتيرة التقدم واستشراء الجهل والفساد تراجع بالأدب إلى الدائرة الخلفية وألقى بمبدعيه بعيداً في مجاهل النسيان والإهمال. وزاد الأمر سوءا سيادة ثقافة الصورة بما تقدمه من جاهز لا يحتاج إلى عناء القراءة على عكس الأدب الذي يحتاج لذلك، فأصبحت إدارة زر التلفزيون أو تصفح مجلات أو تدوير الفيديو أو الانترنت أيسر بكثير من قراءة كتاب في الأدب.
تلك أزمة حقيقية تضع الأديب أمام خيار أن يمتهن الجزارة كما فعل سلفه “أبوالحسن الجزار” أو أن يقف من جديد على باب ذوي الجاه إن كانوا سيعطونه وهما أمران أحلاهما مر، وهي على كل حال تدل على وجود خلل عميق في أذواق المتلقين العرب وهو ما لا يبشر بخير.
الخليج- ثقافة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق