بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 28 أكتوبر 2009

لمن تقرأ؟


أفق
لمن تقرأ؟
آخر تحديث:الجمعة ,02/10/2009
محمد ولد محمد سالم
في الحوارات التي تجريها وسائل الإعلام مع بعض الأدباء الشباب المبتدئين لفت انتباهي أن الكثير منهم حين يُسأل عن الأدباء الذين تأثر بهم أو قرأ لهم، يرد بأنه لم يتأثر بأي أديب، بل ولم يقرأ لأحد، فمن أين يا ترى تكونت لهذا “الأديب” الدراية والدربة اللازمتان للإبداع، أين هؤلاء الكتّاب من الأديب الكبير عباس محمود العقاد الذي جاء إلى القاهرة قادما من أسوان وهو شاب ريفي لم يأخذ من العلم سوى ما تعلمه في الكتاتيب، وقد عقد العزم على أن يثقف نفسه، فأخذ يقرأ بجهد لا يكل وعلّم نفسه اللغة الإنجليزية حتى أتقنها، وحتى صار من أبرز كتّاب ومفكري العرب في النصف الأول من القرن العشرين، وأين هم من عميد الأدب العربي طه حسين ذلك الضرير حتى كان أول من درّس الأدب والفكر اليوناني وتخصص فيهما في احدى الجامعات المصرية، وهو مجدد النقد العربي الحديث بلا منازع، وأين هم من توفيق الحكيم الذي كان يترك مقعده في كلية القانون وينصرف لمطالعة كتب الأدب، ويغوص في مكتبات باريس ملتهما ما تقع عليه عيناه من كتب لكبار الأدباء وكتاب المسرح، ورجع من ذلك بثقافة عميقة أهلته لأن يكون رائد الأدب المسرحي، والذي كتب مئات المحاولات المسرحية ومزقها قبل أن يخرج للناس أولى تجاربه مكتملة رصينة، وأين هم من نجيب محفوظ الذي كان يتبع نظاما صارما في المطالعة يجعله يقرأ مئات الصفحات يوميا من دون فتور، وحصد ذلك في إبداعا روائيا هو اليوم نبراس لكل كتاب الرواية.
قصص الأدباء مع المطالعة لا تنتهي، وفيها من مظاهر المثابرة والجد ما يستحق أن يوقف عنده، والمطلع على إبداعاتهم وما وصلوا إليه يدرك أنهم لم يصلوا إليه بالنوم والتمني، ولا بمنتديات الدردشة الالكترونية، ولم يصلوا إليه بمجرد أن كبت الواحد منهم ما يظنه شعرا أو رواية ثم طبعها ونشرها. لقد أنفقوا أجمل أيام أعمارهم في ذلك وأعطوا حرفتهم ربما أكثر مما أعطتهم، فاستحقوا بذلك ما وصلوا إليه من تجديد وسمو في تاريخ الأدب.
من سنن الإبداع أنه لا يأتي من فراغ، فتاريخ الإبداع الإنساني هو تاريخ تراكم الخبرات البشرية، يبنى اللاحق منه على السابق، فيضيف إليه أو يتجاوزه، ولذلك يحتاج كل مبتدئ في الأدب إلى أن يستوعب أسرار هذه الصنعة، ويمتلك أدواتها الفنية، ويهضم طرق الكتابة فيها، بالقراءة المستفيضة للأعلام الذين تركوا بصمات متميزة على مر العصور، وذلك قبل أن يباشر الإبداع.
dah_tah@yahoo.fr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق