حجزت مقعدها في الأدب الإماراتي
القصة القصيرة تجاوزت مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإبداع
آخر تحديث:السبت ,17/10/2009
محمد ولد محمد سالم
1/1
أصدرت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع كتابا بعنوان “مبدعون من الإمارات القصة القصيرة” وهو مدونة للقصة القصيرة ضمت 126 نصا لواحد وسبعين قاصا من الإمارات، وتوزعت القصص على حقب زمنية مختلفة فكان منها القديم والحديث وما بينهما، كما تفاوت الكتّاب بين الجيل القديم والمتوسط والجيل الحالي، وتنوعت اتجاهاتهم الفكرية وخياراتهم الفنية، ويسمح كل ذلك بتقديم رؤية تقريبية لواقع واتجاهات القصة القصيرة في الإمارات على مدى يقارب 40 سنة من عمرها حيث بدأت بواكير هذا اللون الأدبي في الظهور منذ عام 1970 وتولى الريادة فيه مجموعة من الكتاب استظلوا بمعطف نيكولاي غوغول وحملوا على أكتافهم مهمة ترسيخ هذا الجنس في نسيج الثقافة الإماراتية بعدما كان محمود تيمور ويحيى حقي ويوسف إدريس قد رسخوه في الثقافة العربية، وجعلوه أسلوبا من أساليب القول الجميل فيها، وسيكون عقد الثمانينات عقد الازدهار الحقيقي لهذا الفن في الإمارات بما توافر فيه من نتاج كبير، وبالاهتمام المتزايد الذي أصبح المتأدبون يولونه له، وهو الاهتمام الذي مازال متواصلا إلى اليوم.
يمكن بنظرة عجلى تصنيف الاتجاهات الفنية في كتاب “مبدعون من الإمارات - القصة القصيرة” إلى أربع اتجاهات:
أولا: الاتجاه الواقعي: هذا الاتجاه يعتمد الوصف والتسلسل الزمني في تقديم الأحداث ويطابق بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي ويمثل لهذا الاتجاه بقصة أسماء الزرعوني “دهشة المطارات” حيث تلتقط الكاتبة حكاية الرجل يهرب بطفليه من بلد أمهما إلى بلده بعد أن فشل زواجهما ولم يأمن بقاءهما بعيدا عنه، وتحكي القاصة وقائع إجراءات سفر الرجل بولديه في المطار بتسلسل واضح، وفي الاتجاه نفسه ترصد أسماء الكتبي في “دود وأمي” قصص الحيوانات وعلاقة المجتمع الشرقي بها، وتلتقط في “سناكر” بتسلسل سردي متدفق يوميات شاب يستخدم جهاز سناكر ليتنصت على أحاديث العاشقين التليفونية، ورغم أنها استخدمت التداعي لجعل ذلك الشاب يلوم نفسه على ما يقوم به ويستغفر منه وليعبر عن رؤيته لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات من نزاهة وعفة، إلا أن ذلك لم يخرج بالكاتبة عن إطار السرد التقليدي التسلسي، بل شكل وظيفة إضاءة الحدث، وعلى غرارها تتناول حسنة الحوسني في قصة “إلى هذه الدرجة من الإعياء” موضوع الحب المراهق وإغواء الفتاة البريئة. وبالسردية نفسها يخرج إبراهيم مبارك في قصته “ضجر طائر الليل” من السياق الاجتماعي إلى قضية وطنية يتخذ فيها من الصقر الهائج المحلق في قاعة الفندق رمزا للوطن الذي حاصرته أطماع كثيرة وأنماط من حياة فاسدة دخيلة، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تتلاشى فيه تلك الحياة ليعود الوطن حرا طليقا في فضائه الأصيل الواسع. ويقدم “عصفور الثلج” تداعيات حزينة لشاب مهاجر في أرض الثلج البعيدة. ويبلغ هذا الاتجاه ذروته مع ابتسام المعلا في “قرار” وبتقنية سردية تقليدية عالية مزجت بين التفاصيل الدقيقة والحركات الدالة والحوارات المشحونة مع استخدام التأثير النفسي للزمان والمكان لصياغة نص محكم حول أزمة كيف تسد الطريق في مجتمع شرقي محافظ أمام الشاب العائد من الغرب بزوجته الأوروبية فيضطر تحت ضغط الواقع إلى طلاقها حفاظا على مكانته في المجتمع. وبالتقنية السردية العالية نفسها ترصد الكاتبة أيضا في “فصول العري” شعور الزوجة الشابة المخلصة وهي تحاول أن تقاوم إغراء والدتها لها بترك زوجها الذي أعيق فأصبح مقعدا لا يقدر على شيء. والنماذج في هذا الباب كثيرة، بل يمكن القول باطمئنان إن هذا الاتجاه هو الغالب على الكتاب.
ثانيا: اتجاه التداعي الحر: يكسر هذا الاتجاه منطق الزمن ويترك للوعي الداخلي حريته في التداعي، ونجد ذلك في الحب المراهق البريء في “خمس دقائق” حيث تتداعى الذكريات إلى ذلك الشاب وهو جالس في قهوة ينتظر حبيبته التي لن تأتي، وفي “هياج” تستقصي أمينة بوشهاب بتقنية سردية عالية التداعيات النفسية لزوجة حائرة في غموض زوجها وما يشاع عنه من أن له زوجة ثانية، وعجزها هي عن مواجهته بذلك خشية أن تفقد العز الذي وضعها فيه، بعدما أخذها من حي الصيادين الفقير. وفي “مساء يحلو فيه الموت” تنقل باسمة يونس بتقنية سردية جميلة تتوسل بالحلم والذكرى والغرائبية تداعيات فتاة على وشك وضع جنين حملته من عشيقها، وفي لحظة بوح أليمة أمام قبر أمها القتيلة يعترف لها أبوها بأنها هي نفسها كانت بنت لحظة من تلك اللحظات الرومانسية القاتلة، فتتألم وتتمنى لو أن ذلك الجنين يكون سقطا ويموت في بطنها قبل أن يأتي إلى الدنيا حاملا تعاسته معه، وفي السياق نفسه يقدم خالد الجابري في “ولامست كفي النجوم” تداعيات شخصية الصديق ويعاين مأساة صديقه الذي أحاله حادث سيارة السباق التي كان يركبها إلى فاقد للعقل ورجع مخبولا يلاعب الصبيان في الطرقات. وفي الاتجاه نفسه يسير سلطان الزعابي في “بوق دمر أحلامي” وصالح كرامة في “سهرة مع الأرق”، ولا يمكن في هذا الاتجاه إغفال عمل مريم المري “كلما تسلقت السماء” حيث رسمت بشكل رمزي بعيد عن التقريرية أحلام وهواجس صبي وحيد لأبوين منشغلين عنه، وقد وجد نفسه حبيس جدران البيت الجديد الجميل ذي الأسوار العالية التي تحجب عنه العالم الخارجي فلا يجد أصدقاء يأنس بهم، فيتحول إلى الوهم ليستحضر خيال صبية جميلة يلعب معها في الحديقة في عز الظهيرة. أما فاطمة المزروعي في قصة “فن الاختباء” فقد بلغت قمة الإتقان لصنعة السرد القصصي من خلال المزج بين تداعيات الذكريات وآلام الواقع، المزج بين ذكريات لعبة الاختباء الطفولي البريء وتضييع الولد والبنت بعضهما لبعض وواقع تضييع الحبيب لحبيبته بعدما صار رجلا وآن أن يأخذها إليه، وقد استخدمت الكاتبة كل تقنيات السرد من وصف ومونولوج وحوار وحلم وغير ذلك مع اكتناز وشاعرية في اللغة ووضوح وإحكام في الحبكة.
ثالثا: الاتجاه التجربي: لا تقدم الأحداث من منظور واضح والشخصيات باهتة غير قارة الملامح والمنظور القصصي مفتوح على قراءات متعددة: وأول ما يحضرفي هذا السياق هو قصة المرحوم جمعة الفيروز “مسافة أنت العشق الأولى” التي تصف حالة حب غامرة تنسكب على تاريخ من المعاناة واليأس والخوف فتمحوه لتترك “في الجوف قرين عرس يتأهب .. أعلى وأحلى وأشهى وأجمل”، وكذلك قصته “خطاب” التي ينقل فيها عبر مرايا متعددة حالات موت تحيل العالم إلى صورة واحدة مكررة عنوانها التعاسة والخراب الذي يتربص بكل شيء. وفي الوجهة نفسها لكن بشيء من المزج بالسرد التقليدي يقدم حارب الظاهري قصة “الرجل” الذي يختفي فيتمرد أهله على تراثه، ويلعنونه ثم يظهر فجأة ليلومهم على أنه لم يكن يريد سوى صلاحهم وتهيئتهم لخوض مصاعب الحياة. وعلى هذا المنوال تقدم “أيقونة الحلم” لسارة الجروان بسردية عالية تداعيات حب غامضة وصورة محبوب ضبابي هو الأيقونة التي تحافظ بها مريضة في العناية المركزة على رمق الحياة، وعبر تقنية تجريبية بديعة تدخل عائشة الكعبي في قصة “غرفة القياس” إلى أذهان أنواع النساء المختلفة اللواتي يدخلن إلى تلك الغرفة ليجربن مطابقة الأثواب التي اخترنها لقياسهن، وتسرد في ذلك تداعيات تفكيرهن والتي تتمحور كلها حول الرؤية التي سيراهن بهن الرجال حين يرتدين تلك الأثواب، فكأن الغرفة هي المحفز للقص، أوهي البؤرة المحورية في الحكاية. ويقدم عبد العزيز جاسم في “مدية الضوء المواتي” مرايا متعددة للبوح الذاتي (اختلاج أو سرطنة، اكتناف قاس، سورة البحلقة، عثار أعمى للذبيح، مدخرات اللعنة) حين تغيم الدنيا في وجه الإنسان ولا يبقى له سوى ذاته يغوص فيها يستكنه هواجسها وأحلامها المكبوتة. وفي السياق ذاته التجريبي يتخذ سلطان العميمي في “ركض بعيدا” من قصة الرجل مع ظله الذي ينفصل عنه حين يكون وحده ويعود إليه وهو مع الناس رمزا لحوار الذات حين يتفرد الإنسان بأفكاره وهواجسه المخيفة والغريبة في بعض الأحيان تلك الهواجس والأفكار المحيرة التي لا يستطيع الإنسان التخلص منها إلا بالموت.
رابعا: اتجاه السيرة الذاتية: حيث الشخصية هي محور الأحداث والرابط بينها، ففيما يشبه السيرة الذاتية تتناول ظبية خميس روتين مشوار نهاية دوام امرأة عربية وحيدة في لندن تلتقط في طريق عودتها للبيت مشاهد الطريق ومضايقات الفضوليين، والأحداث الصغيرة في المترو. وفي “أول خطوة في الحلم” نجد أثرا للسيرة الذاتية حيث تقدم نجيبة الرفاعي ثبتا لمتاعب اليوم الأول في مشوار معلمة كانت تظن أنها تحمل رسالة وتريد تحقيقها فيفاجئها واقع اللامبالاة والفساد الأخلاقي في المدرسة التي نقلت إليها.
تلك مجرد نماذج أوردناها لإعطاء صورة أولية عن هذه المدونة القيمة التي تشكل ثبتا ومادة أوليه لقراءات أكثر تأن وتعمق، والثابت في كل هذا هو أن ذلك الكم والتنوع يؤكدان أن القصة القصيرة حجزت مقعدها في المنصة الأمامية من أجناس القول الأدبية في الإمارات، وأنها تجاوزت مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإبداع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق