أفق
جزر الثقافة العربية
آخر تحديث:الاثنين ,24/05/2010
محمد ولد محمد سالم
يستغرب المطلع على تاريخ الثقافة العربية في مطلع القرن العشرين كيف كان مثقفو وأدباء تلك الحقبة على اتصال وثيق، وكيف كانت الأفكار سيّارة بينهم، يبنون نفس النهج الفكري والمذهب الأدبي على بعد الشقة بينهم، رغم انعدام المواصلات والاتصالات إلا من رسائل البريد التي تأخذ وقتاً، ومع ذلك كانت بينهم حوارات ونقاشات مثمرة، ظهرت في تلك الفترة في مجلاتهم وكتبهم، فهذا هو ميخائيل نعيمة يصدر من نيويورك سنة 1927 كتابه النقدي “الغربال”، يتناول فيه بالتزكية كتاب الديوان الذي ألفّه في مصر سنة 1921 العقاد والمازني، وفي المقابل كان العقاد هو من كتب مقدمة “الغربال” الذي صيغت “عباراته في نيويورك تحت سماء القارة الأمريكية ثم تكتب مقدمته في أسوان تحت سماء القارة الإفريقية” كما جاء في المقدمة .
ومن نماذج هذا التواصل أن جبران كان ينشر من أمريكا مقالاته الأدبية وأقاصيصه في مجلات مصرية منها “الهلال” و”الزهور”، وكان له سجال نقدي مع بعض كتاب مصر، فقد انتقد لطفي المنفلوطي قصة جبران “وردة الهاني” في جريدة المؤيد ،1921 فرد عليه جبران في جريدة “المهاجر”، ومن نماذج هذا الاتصال أن الشابي كان يقرأ من تونس المجلات والكتب المصرية ويراسل زكي أبي شادي رئيس تحرير مجلة أبولو الذي كان معجباً بأشعار وآراء الشابي ونشر بعضا من إنتاجه في مجلته .
وفي منتصف القرن العشرين كان هذا التواصل ما يزال حيا، فنرى روّاد حركة الشعر الحر في العراق يكتبون أشعارهم وآراءهم النقدية في مجلات بيروتية كانت تشهد آنذاك حواراً نقدياً وفكرياً بين كتاب من مختلف بلدان الوطن العربي .
ومع ثورة الاتصال وانتشار وسائل سريعة لنقل المعلومة وانفتاح كل زاوية من زوايا الوطن العربي على العالم، نجد أن التواصل الثقافي والحوار الفكري والأدبي بين المثقفين في مختلف هذه الأقطار ظل يتقلص حتى وصل إلى حال يمكن الحكم عليه فيها أنه معدوم، وهي حالة محيرة لأنها تخالف منطق الواقع المفتوح، كما كان التواصل قديما محيرا لأنه يخالف منطق واقع مغلق .
ربما لا نجد عناء في الإجابة عن الإشكالية بأن تشعب الثقافة وانتشار الصحف والمجلات ودور النشر في كل قطر، يجعل المثقف مشغولا بالحركة المحلية منهمكا في متابعتها والتفاعل معها، مما لا يدع له فرصة للاطلاع على ما هو خارج عنها .
لكن ألم يكن من اللازم وجود مؤسسة ثقافية جامعة تلم شتات هذه “الجزر” الثقافية وتمد قنوات كل منها لتصب جميعاً في نهر واحد . . ألا ينبغي أن توجد أكاديمية للثقافة العربية أو الأدب العربي، تطلع على أهم ما يجري في كل ساحة وتصفي ما هو مميز منه وتبرزه ليطلع عليه الآخرون؟
إن مثل هذه المؤسسة ضرورة من ضرورات الحياة العربية اليوم، إن أردنا أن نتحدث عن “ثقافة عربية واحدة”، وإلا فإن مثل هذا الحديث لن يعود له معنى في المستقبل .
dah_tah@yahoo.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق