تخل مرفوض
آخر تحديث:الجمعة ,14/05/2010
محمد ولد محمد سالم
لا شيء يقتل الكاتب مثل تركه للكتابة، ومن المؤسف أن هذه الظاهرة أصبحت منتشرة بشكل كبير في أيامنا هذه، فلا يكاد يظهر قلم مبدع وكاتب جاد حتى يختفي بأسرع من ظهوره، فيحرم نفسه من خدمة ثقافته ويحرم أمته من التمتع بقلمه الجميل وتجربته الأصيلة .
كان عبدالرحمن شكري (1886- 1958) شاعرًا فذاً وناقداً بصيراً، فإلى جانب ثقافته العربية الأصيلة، ومعرفته العميقة بتاريخ الشعر العربي رفدته معرفته بالإنجليزية واطلاعه على الأدب الإنجليزي بعناصر شعرية جديدة ورؤى نقدية ثاقبة، لكن انسحابه السريع من الساحة الأدبية بعد الخصومة التي نشأت بينه وبين إبراهيم عبدالقادر المازني، أمات سمعته وترك الساحة لزميليه في حركة الديوان المازني وعباس محمود العقاد، رغم أنهما باعترافهما كانا تلميذين له في مذهبهما الأدبي .
وقبل شكري بقرون كان أبو ذؤيب الهذلي ت27 هجرية، شاعراً فذاً عاش في الجاهلية والإسلام، لكنه لم يشتهر شهرة غيره من الشعراء المخضرمين مثل لبيد بن ربيعة العامري أو كعب بن زهير المزني أو حسان بن ثابت الأنصاري، رغم أنه كان شاعراً مجيداً تشهد له بذلك عينيته . حيث بلغ فيها من جمال التصوير وقوة السبك وعمق التجربة وصادق الحكمة مبلغاً لم يبلغه أحد من جيله، ومع ذلك لم يشتهر شهرتهم لقلة شعره وانزوائه عن الناس في باديته .
ومن هنا فإن أكبر جناية يجنيها الأديب أو الكاتب على نفسه أو أدبه، أن يتخلّى عن الكتابة، فيحكم على نفسه بالموت وهو حي، وهذا للأسف هو حال كثير من الكتّاب في الوطن العربي، يبدأ الواحد منهم بداية قوية، ثم لا يلبث أن يترك الكتابة وينشغل بأعمال أخرى، قد تكون وظائف إدارية خارج نطاق الكتابة يمنحها كل وقته، وفي بعض الحالات وبمجرد أن يحصل هذا الكاتب على وظيفة مرموقة نجده يهجر الكتابة، وكأنما كان يسعى من ورائها إلى مثل ذلك المنصب، أليس في هذا السلوك نوع من الخيانة لتلك المهنة الجميلة؟
صحيح أن بعض المهام والمسؤوليات قد لا تترك لصاحبها وقتاً كافياً للكتابة، وصحيح أن الكاتب المسرحي الكبير توفيق الحكيم عانى كما يروي في سيرته الذاتية من مشاغل وظيفته حين كان نائباً في المحاكم، فقد كانت تبعده عن الكتابة وتشغل الكثير من وقته، ولم يهنأ له بال حتى استقال من تلك الوظيفة لينذر نفسه للكتابة نهائياً، وقد عانى الروائي الفذ نجيب محفوظ من الوضع نفسه حيث استحوذت ملفات دائرة الأوقاف التي كان يعمل فيها ساعات طويلة من يومه، وأخذت عليه جلّ وقته حتى تقاعد منها .
فواجب على كل أديب أو كاتب يقرأ سير هؤلاء ويحرص على قلمه، أن يكون مصباحاً ينير للسالكين عتمة الطريق وأن يضحي في سبيل بقاء تلك الشعلة متقدة حتى النهاية، وهو واجب يتأكد في ظرفنا الحاضر خدمة للثقافة العربية وأدبها من أن تستبد بهما أقلام صغيرة ومواهب ضعيفة، لهذا نقول لأصحاب الأقلام البديعة الأحياء الذين تخلّوا عن الكتابة أو ينوون التخلي عنها، إن استقالتهم مرفوضة .
dah_tah@yahoo.fr
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق