أفق
صناعة الصورة الثقافية
آخر تحديث:الثلاثاء ,08/06/2010
محمد ولد محمد سالم
أوردت “الخليج” في عددها ليوم أمس تقريراً عن اجتماع الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب في القاهرة لمناقشة عريضة المقترحات والمشاريع الثقافية التي ستعرض على القمة الثقافية العربية المقبلة، وكان من المقترحات التي طرحت في هذا الاجتماع “ضرورة العمل على تصحيح الصورة المشوهة للعرب في الغرب بعد أحداث 11 من سبتمبر، والعمل على تفعيل حوار الثقافات والحوار مع الآخر مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية العربية”، وهذا مطلب يتردد على كل المنابر الثقافية والإعلامية العربية وهو مطلب على كل حال مشروع ومرغوب لأن الصورة المشوهة لا تخدم التواصل ولا تترك للأمم مساحة مشتركة للحوار، وتنذر دائما بالخلاف والنزاع، لكن المشكلة هي في إيجاد بداية الخيط في هذه العملية، فمن أين يبدأ العرب حين يريدون أن يغيروا يصححوا صورتهم الثقافية؟
ظلت الثقافة الاستعمارية الفرنسية تصور الجزائري على أنه ذلك “الرجل القذر ذو الجلباب الوسخ الذي يدس تحته خنجراً يتربص به أبناء فرنسا المتمدنين”، لكن ذلك لم يمنع الجزائر من أن تناضل وتقاوم حتى تنتزع استقلالها من فرنسا، وتنتزع منها الاعتراف بثقافتها، فتكرم الكثير من الأدباء الجزائريين الذين دافعوا بكتاباتهم الفرانكفونية عن الجزائر وثورة الجزائر من أمثال محمد ديب ومولود فرعون وكاتب ياسين وغيرهم .
واليوم ليست الصين ولا اليابان بحاجة إلى أن تصححا صورتيها لدى الغرب، رغم الحروب التي كانت بين أمريكا واليابان ورغم الخلاف العقائدي والسياسي بين الصين المحافظة على ثقافاتها وتقاليدها البعيدة الغور في التاريخ والمتمسكة إلى حد الإيمان بالشيوعية عدو الرأسمالية الأوروبية اللدود، لا تحتاج الصين إلى هذا ولا تحس أن صورتها مشوهة لدى الغرب أو هي لا تقيم اعتبارا لجمال أو قبح صورتها الثقافية لدى الآخر، ما دامت مصالحها مصانة وهيبتها لا يمكن لأحد أن يخدشها .
إن الصورة الحضارية لأية أمة أو شعب أيا كانت قبيحة أو جميلة رهينة بعوامل القوة الحضارية والقدرة على الفعل والتأثير، وقد كان اليهود في أوروبا رمزاً للذل والحقد والخديعة، ولكن حين انتصر الحلفاء بزعامة أمريكا على هتلر، وبتدبير من اللوبي الصهيوني المسيطر في أمريكا، سادت ثقافة الإيمان بالهولوكوست كرمز لهذا النصر، وكل محاولة لتشويهه أو تعديل تلك الصورة هي نوع من الردة التي يدان صاحبها بجريمة معاداة السامية، وتظل تلك اللعنة تطارده إلى قبره، ولم تستطع ستون سنة من ممارسة العنصرية والقتل والتهجير والإذلال للعرب الفلسطينيين أن تغير تلك الصورة . . صورة اليهودي المسالم في أذهان الغرب .
ليست الصورة الثقافية لأية أمة شيئاً يمكن أن يغير بقصيدة أو رواية أو كتاب أو فن مهما كان انتشار تلك الفنون ووصولها إلى الآخر، لكنها شيء يفرضه واقع الاحترام لتلك الأمة، ذلك الاحترام الذي يأتي من القوة الذاتية لها، وحضورها في ساحة الفعل الدولي .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج:
الرابط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق