أفق
إنهم يفسدون العربية
آخر تحديث:السبت ,19/06/2010
محمد ولد محمد سالم
ماذا يمكن أن يقول القارئ الذي يقرأ كتاباً أو مقالاً مترجماً إلى العربية متعلقاً بموضوع من ميدان هو من صميم اهتماماته أو تخصصه ثم لا يفهم شيئاً من تلك الترجمة؟ هل يتهم نفسه بالجهل والغباء أم يتهم المترجم بعدم الدقة أم الكاتب بالغموض؟ لكن هذا القارئ في الغالب قرأ كتباً كثيرة ومقالات في الموضوع نفسه وفهمها، وقد يكون الكتاب المترجم ذائع الصيت ولكاتب مشهورة أراؤه، فلا يبقى إلا أن يلقي باللّوم على المترجم، وهو لوم في محله فأغلب ما ينشر اليوم من ترجمات عربية للإنتاج الأجنبي، على الأقل في ميادين العلوم الإنسانية، يفتقر إلى الدقة ويكتنف عباراته وجمله غموض كبير يجعله مستغلقاً على القارئ العربي، ما يعني أن الكثير ممن يمتهنون الترجمة ليسوا محترفين وفي أغلب الأحيان ليسوا على دراية بمعظم الميادين التي يترجمون فيها، خصوصاً الميادين الفكرية والأدبية .
لقد كان من نتائج البرامج المتخصصة في تعليم الترجمة وتسهيلها، وانتشار الأجهزة الإلكترونية ومواقع الإنترنت التي تقدم خدمة الترجمة من لغة إلى أخرى أو إلى عدة لغات، أن أصبح من السهل على كل شخص أن يكتب نصاً بلغته ويضغط على سهم الاختبار ليختار اللغة التي يريد الترجمة إليها ثم يضغط على زر الإرسال ليظهر النص على شاشته مترجماً بتلك اللغة، ولا شك إن هذه الخدمات أتاحت للكثيرين فرصة عظيمة للتواصل مع من يريدون من أبناء اللغات الأخرى، حتى ولو كانت معرفتهم بلغات مخاطبيهم ضئيلة لا تتعدى فك الخط، وقد أصبحت برامج الترجمة الإلكترونية رائجة لدى موظفي الشركات الخصوصية وسكرتاريي الإدارات المختلفة يستعينون بها في مراسلاتهم الخاصة وفي اختيار كلمات أحاديث المجاملات كالسلام والترحيب والدعوة وغيرها، ولم يقتصر دور الترجمة الإلكترونية على مجرد التواصل بين الناس، ولكنها أصبحت تقدم خدمات للمتخصصين في شتى الميادين، وقد شجعت هذه الوفرة الكثيرين من أدعياء التخصص في الترجمة على استخدام تلك البرامج لترجمة الكتب والمقالات ثم ينشرون ما ترجموه على أنه ترجمة جيدة ومتخصصة، ويوقعون القراء في متاهات لا أول لها ولا آخر .
ومن سمات تلك الترجمات عدم الدقة في اختيار الكلمة وفساد التركيب النحوي وغموض المعنى، وإذا كانت الترجمة في الأصل من أجل خدمة اللغة التي يترجم إليها، فإن مثل هذه الترجمة مدمرة للّغة العربية مشيعة للفساد فيها .
إن اللغة تجربة إنسانية خاصة ذات عوالق اجتماعية ونفسية، وهي تعبير عن مشاعر وأفكار فيها الظاهر والمضمر، ودلالتها رهينة بسياقات عديدة متغيرة، ولا بد للمترجم الذي يتصدى لها أن يكون قادراً على أن يفهم بعمق تلك التجربة في كلتا اللغتين اللتين يترجم بينهما، وفوق ذلك يحتاج المترجم المتخصص إلى الإلمام بالميدان الذي يتناوله النص المرادة ترجمته والاطلاع على المصطلحات والتعبيرات الرائجة فيه، كذلك وبالنظر إلى تلك التجربة فمن الطبيعي أن تعجز برامج الترجمة التلقائية مهما كانت فاعليتها عن تقديم ترجمة محترفة وصادقة من لغة إلى أخرى، وسيبقى دورها هو مجرد المساعد للمترجم .
إن من المؤسف ألا تجد على طول وعرض الوطن العربي الذي تمنع فيه الكتب لأتفه الأسباب من يمنع كتاباً مترجماً لفساد لغته وغموض أفكاره، أليس الأمن اللغوي جزءاً من الأمن القومي العربي؟ فلماذا لا توضع معايير لترجمة احترافية ويدعى المترجمون لاحترامها؟
الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق