بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 22 يوليو 2010

تحت مسمى الحرية الثقافية


أفق
تحت مسمى الحرية الثقافية
آخر تحديث:الأربعاء ,14/07/2010
محمد ولد محمد سالم
يستضيف مهرجان فني كبير في إحدى الدول العربية مطرباً غربياً معروفاً بدعواته اللا أخلاقية، وتظهر إحدى الممثلات العربيات في أحد المشاهد بصورة غير لائقة وتقول إن ذلك مجرد فن، فضلاً عن كم هائل من الروايات التي تتخذ من وصف العلاقة الحميمة بين الجنسين مركز اهتمامها وتقف عند كل صغيرة وكبيرة بشكل مقرف ويدعو للسخط .
كل تلك الظواهر تبرز اليوم تحت مسمى الحرية الثقافية، والحق في إبداء الرأي، فمن حق الكاتب والفنان أن يعبر عن رأيه وأن يطرح كل ما يريده من أفكار أياً كان تطرف تلك الأفكار، ومن واجب الآخرين أن يراعوا حقه ذلك ويعترفوا له به، وألا يقفوا في وجهه إن هو عبر عنه، ويجد هذا الموقف نصيراً من قطاع معتبر من المنظرين ودعاة حقوق الإنسان في الوطن العربي، ظاهراً وباطناً .
إن مثل هذه المواقف تبعث على التساؤل عن مفهوم الثقافة العربية التي يتبناها هؤلاء، ومفهوم الهوية العربية الذي ينطلقون منه، وما هي خصوصية تلك الهوية بالمقارنة مع الهويات الأخرى؟ فهل لا تزال الأخلاق مكوناً رئيسياً من مكونات تلك الهوية؟
اهتدى العرب الجاهليون برغم أميّتهم إلى أخلاق عظيمة، وعرفوا قيمتها في توازن الفرد وانسجامه الذاتي وفي استقرار المجتمع واستتباب علاقات التعاون والوحدة بين أبنائه، فكان احترام الصغير للكبير ورأفة الكبير بالصغير، وكان الكرم والعفة والحِلْم وإباء الضيم ونجدة المظلوم وصون العرض وحفظ السمعة من أن تشاب بشائبة مشينة، وغير ذلك مما تحفل به دواوين الشعر الجاهلي .
وقد تكرست تلك الثقافة الأخلاقية وتعمقت في العصور العربية اللاحقة عندما زكاها الإسلام وأتمها .
وفي العصر الحديث نصادف ذلك الكم الهائل من الكتب والمعالجات التي تنطلق من تلك المكونات الثقافية، باعتبارها جوهر كيان الإنسان العربي وهي أخص ما يميزه عن غيره من الأجناس البشرية، نجد صدى ذلك في ما كتبه محمد عبده وشكيب أرسلان وسلامة موسى، وفي ثلاثية نجيب محفوظ، كما نجد الجابري في تنظيراته حول العقل العربي يخصص جانباً منها ل “العقل الأخلاقي” باعتباره أحد مكونات العقل العربي، ولا يزال بيت أمير الشعراء أحمد شوقي يرنّ في أذان الناس إلى اليوم:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فهل تلك الدعوات دلالة على امحاء الأخلاق كمكون ذاتي وثقافي للهوية العربية؟ وما شكل تلك الهوية في المستقبل إذا قُبِلتْ تلك الدعوات المنحرفة التي ترتفع من حين لآخر وكثر المدافعون عنها؟، لعله من الأجدر للعرب إذ ذاك أن يحرقوا أشعارهم وتاريخهم، وربما أن يخرجوا من أرضهم إلى أرض جديدة وثقافة جديدة وهوية جديدة .
dah_tah@yahoo .fr
الخليج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق