أفق
حتى لا يضيع وقت الأديب
آخر تحديث:الثلاثاء ,15/06/2010
محمد ولد محمد سالم
يحدثك صديق كاتب أن له على “الفيس بوك” مئات الأصدقاء، وأنه على اتصال دائم بهؤلاء الأصدقاء يقرأ تعليقاتهم ويرد عليها ويزور صفحاتهم فيقرأ ما فيها من تعليقات وردود، فتفكر في أنه لا محالة سيكون له بريد إلكتروني يتلقى عليه رسائل من أصدقاء آخرين لا يستطيع إلا أن يرد عليهم، وقد يكون مشاركاً في منتدى واحد أو عدة منتديات تفاعلية أخرى ذات طابع عام أو متخصص في ميدان يهمه، ولا بد بعد ذلك أن لهذا الصديق زملاء وأصدقاء وأقارب تدعوه دواعي الحياة الكثيرة إلى التواصل معهم وتخصيص جزء من وقته لهم، وربما يكون من الذين تحلو لهم جلسة القهوة ويواظبون عليها، فكم بقي لهذا الصديق من الوقت إذا طرحنا وقت النوم والعمل؟ بالحساب البسيط: لا شيء! بل ربما سيستلف من وقت نومه وعمله، فمتى سيجد هذا الصديق الوقت للتأمل والإنتاج؟ ومتى سيجد الوقت للقراءة المثمرة المحفزة على الإبداع؟
يبدو أن مواقع التفاعل الاجتماعي التي تستقطب اليوم عدداً متزايداً من الأدباء يجدون فيها طريقاً للتواصل مع قرائهم ومعرفة آرائهم في ما يكتبونه، ويسمعون منهم إطراء لكتاباتهم، أصبحت تملك على هؤلاء الأدباء وقتهم، وتجعلهم يغرقون في سيل من التعليقات التي تظهر أمامهم فيجدون أنفسهم مضطرين إلى قراءتها والرد عليها حفاظاً على الصداقة ومجاملة لعزيز لا يمكن تجاهل ما يكتبه، مهما كانت ضحالته، وهنا يخطئ الكثير من هؤلاء الأدباء في تقدير دورهم الثقافي فيظنون أنه محصور في مجرد التعاطي مع معجبين، في حين أن أهم ما ينبغي على الكاتب أن يخاطب به الناس هو ما ينتجه من أدب، وما يصدره من روايات أو دواوين أو قصص أو مسرحيات أو دراسات أو غير ذلك، ليس مهماً أن يتلقى الواحد على صفحته آلاف التعليقات، ولا أن تصله مئات الرسائل الإلكترونية، بل المهم هو أن يصرف جل اهتمامه لإنتاجه فيجوده ويطوره، وأن يعطي الحيز الأكبر من ذلك الاهتمام للمطالعة الواعية الهادفة التي توسع مداركه وترسخ معارفه.
إن المواقع التفاعلية مفيدة ومهمة في ربط الصلة بالأصدقاء والقراء وفي الترويج للكاتب، لكن الوقت المخصص لها ينبغي أن يكون مقتطعاً من وقت الأنشطة الاجتماعية في الحياة الواقعية وليس من وقت التنمية الذاتية والإنتاج الإبداعي للأديب، لأنها إن لم تكن كذلك ستكون مدمرة لهذا الأديب قاضية على عطائه، فلا يعني وهج الصداقة وصخب التفاعل بالضرورة قيمة إبداعية بل في كثير من الأحيان تكون له دواع أخرى، وسيضمحل هذا الوهج باضمحلال تلك الدواعي، أما الإبداع فهو باق مستمر قبل ذلك وبعده، وهو ما يتركه المرء للأجيال اللاحقة، وما يسهم به مساهمة حقيقية في تنمية وبناء وطنه وتعزيز هويته.
dah_tah@yahoo.fr
الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق