بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 23 يونيو 2011

كالنخلة تغوص عميقا لترتفع عاليا


أفق
كالنخلة تغوص عميقاً لترتفع عالياً
آخر تحديث:الجمعة ,17/06/2011
محمد ولد محمد سالم
تعيدنا بعض المشاريع الفنية والأدبية المغرقة في محاكاة النزعات الغربية الحديثة إلى السؤال القديم الجديد وهو: أين نضع الخصوصية الذاتية والاجتماعية والحضارية في العملية الإبداعية؟، وما حدود حضور البيئة بمظاهرها المادية والمعنوية والنفسية كلها في الفن والأدب؟، ذلك أن تلك المشاريع وإن كانت تفلح في محاكاة تيارات راجت في بيئاتها الغربية وتعكس أنساقها الفنية بقوة، إلا أنها تبدو مبتورة عن واقعها، وكأنها سجينة أقفاص زجاجية لا ينفذ إليها منها الواقع نفسه الذي تنتج له، ولا تتأثر به، فتبقى جامدة محاصرة في برج عدم انتمائها، واستعصائها على أدوات النظر والتأويل للمتلقين الذين تتوجه بخطابها إليهم، فلا يجد أصحابها سوى الهرب إلى الآخر لعلهم يعثرون على المتلقي المثالي الذي يبحثون عنه أو البقاء في شرنقة الذات وتكرار أسطوانة الهروب التي يكررونها دائماً، والتي تنجيهم من النقد وهي “أنا أكتب لذاتي” أو “أنا أرسم لنفسي وحدها” أو”أنا أبدع لنفسي فقط”، وبذلك يظن هؤلاء أنهم يجدون مناصاً من المحاسبة الفنية، إذ لا لوم على من يخاطب نفسه في شكل وأدوات الخطاب الذي يبعث به إليها، ولا حساب عليه في ذلك، لكن هذا الادعاء كثيراً ما يدحضه الواقع حين يطبع أحد هؤلاء كتاباً على أنه ديوان أو رواية مجموعة قصصية ويوزعه، أو حين يقيم آخر معرضاً فنياً لرسومه أو منحوتاته، لأنه بذلك الفعل ينتقل من خطاب الذات إلى خطاب المجتمع، وهنا يحتاج إلى أن يكتب أو يرسم بأدوات مشتركة متعارف عليها، أدوات يشترك هو ومتلقيه في معرفة دلالتها، ويملكان القدرة على مقاربة انزياحاتها، وتتبع مساراتها ضمن كل تشكيل فني جديد .
تبدو العملية هنا في الخطاب الفني والأدبي أشبه بما يحدث في أنساق اللغة، فاللغة يشترك متحدثوها في فهم مفرداتها وأنساقها النحوية، ويتيح لهم ذلك تفكيك دلالة الجمل التي يتداولونها بينهم، مع أن إمكانات صياغة تلك الجمل لا حصر لها، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بنسق الجملة التي ستوجه إليه، لكنه بمعرفته السابقة بالمفردة واختزال ذهنه للأنساق النحوية، يستطيع أن يقارب دلالة تلك الجملة أياً كان تركيبها، وهنا يأتي دور البيئة برموزها الاجتماعية والمكانية والثقافية في صناعة الإبداع، فبالانطلاق من تلك الرموز المشتركة وصياغتها في تشكيل جديد ذي نسق متكامل يكون الأديب أو الفنان قد ارتقى في سلم الإبداع، وصناعة التميز الذي هو شرط ضروري من شروط الإبداع، لا يمكن أن يوجد من دونه، وهو بالطبع ينافي التقليد .
هاهنا تبدو عملية الإبداع كالنخلة التي كلما غاص جذرها في باطن الأرض ارتفع جذعها في عنان السماء، فكلما غاص الإبداع في أعماق بيئته وتجذر فيها فإنه يرتفع نحو العالمية ويرتقي في سماء الإبداع، ولا يجد المرء عناءً كبيراً في تقديم الأمثلة على ذلك، فما من أديب كبير أوتشكيلي مبدع على مر العصور إلا ويحقق إبداعه تلك الموازنة الدقيقة .
mailto:Dah_tah@yahoo.fr


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق