من الشارقة إلى سيبيو
رحلة إماراتية في طبيعة خضراء
آخر تحديث:السبت ,18/06/2011
محمد ولد محمد سالم
1/1
عندما خرجنا من بوخارست إلى سيبيو التي ستعرض فيها فرقة مسرح الشارقة الوطني مسرحية “الحجر الأسود” لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، قيل لنا إن الرحلة ستكون شاقة لأن الطريق يمر عبر شعاب جبلية ضيقة صعوداً وهبوطاً، وتأخذ الحافلة خلاله وقتا طويلا يقارب خمس ساعات رغم أن المسافة لا تتعدى ثلاثمئة كيلومتر، وهيأنا أنفسنا لمشاق الرحلة، لكن ما حدث كان مختلفا تماما، فرغم وعورة الطريق إلا أنه كان للرحلة متعة خاصة، جعلت المجموعة لا تحس بمشقتها وتصل إلى سيبيو في غير ملل ولا تعب، وتكرر ذلك من سيبيو إلى براشوف ثم من براشوف إلى بوخارست في طريق العودة، ذلك أنها مع مشاهد الطبيعة الخضراء المتنوعة بين السهول والجبال، وجمال الأبنية الهرمية ذات السقوف القرميدية القانية وسط تلك الطبيعة الخضراء، والجو المعتدل والمطر الذي يغسل الأرض من حين لآخر، كانت رحلة مع فنانين مسرحيين، والرحلة مع المسرحيين لا تعادلها رحلة مع أي صنف آخر من أصناف الناس، ففيها مرح وضحك ومزاح كثير، وفيها اكتشاف لمواهب متنوعة لأولئك الشبان المفعمين بالحياة والحيوية .
أحمد الجسمي رئيس الوفد أرادها أن تكون رحلة ممتعة للجميع، ولم يجد عناء في العودة إلى طبعه كممثل قادر على جلب النكتة والضحكة وتنشيط المجموعة من فترة لأخرى حتى لا تستسلم للملل والكآبة، فكان يمازح الكبير والصغير وينتقل إلى مؤخرة الحافلة لتحريك الجوقة الغنائية، أويستدعي أحد الشبان لتقديم مشاركته عبر مكرفون الحافلة، فكان والداً وصديقاً وأخاً ومنعشاً للجميع .
الدكتور محمد يوسف، الفنان التشكيلي والممثل، والرجل الوقور متعدد المواهب، لم ينس أن التمثيل هو القدرة على أداء كل الأدوار، ولبس القناع المناسب لكل المواقف، فكان يغني مع المغنين ويؤدي الرقصات الشعبية التقليدية في الإمارات، ويقلد ويبث النكتة، ويشاكس ليبعث الضحكة، ولم لا وقد كان القدماء يرون أن العبث مندوب في السفر .
الرحلة اتخذت طابعاً الأجواء الشعبية الإماراتية من خلال الإيقاع الجميل لطبول مجموعة “أبناء درجلك”، والأغاني الشعبية المصاحبة لها، أولئك الشبان الذي يشكلون فرقة إيقاعية متميزة، وغنية بألوان الإيقاعات الجميلة التي يحفظونها عن ظهر قلب ويؤدونها في انسجام تام، وقد أصبح أولئك الإخوة ظاهرة فريدة في المسرح الإماراتي تستحق الوقوف عندها، فقد أدخلوا إليه كما قال لي - علي درجلك - الطبل والغناء الشعبي حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ منه، وأعادوا للطبل وأغاني المالد والنهام والمواويل حضورها وقيمتها بعد أن كادت تندثر أمام غزو الآلات الموسيقية والإيقاع الغربي، وهم يصنعون لكل أغنية إيقاعاً خاصاً عماده الطبل ويتدربون عليه باستمرار .
من المواهب الجميلة التي ظهرت أيضاً في هذه الرحلة الموهبة الغنائية الجميلة للممثلين الفتيين محمد الزرعوني، وحسن درويش فقد أنعشا أجواء السفرة بصوتيهما النديين وما قدماه من الأغاني الشعبية الإماراتية، كما كان للأدوار الكوميدية للممثل المخضرم حميد سمبيج دور في تنشيط الجو، وكذلك الفنان محمد غباشي في موهبته في اللعب بالكلمات وتحوير معانيها إلى موضوعات مضحكة، أما موهبة فن التصوير الفوتوغرافي فقد انفرد بها الممثل محمد حسين الذي وثقت كاميرته بحرفية فنان كل المشاهد والمواقف على طول الطريق .
فن تقليد الأصوات كان أحد المواهب التي برع فيها الممثل أحمد ناصر الزعابي الذي مثّل دور “منادي” المعز الذي يعلن المراسيم، وقد بعثت قدراته في محاكاة أصوات الرجال والنساء والصغار والكبار الكثير من الضحك في أرجاء الحافلة، وجاراه في الموهبة نفسها الممثل القدير رائد دلاتي الذي أدى دور أبي طاهر الجنابي، وبرع الدلاتي في محاكاة المتكلمين بمختلف الدارجات العربية في المشرق والمغرب بطريقة ساخرة، ولم يقتصر دوره على ذلك، بل أشاع بصوته العذب جوا من الطرب من خلال أغنيات لفيروز وبعض المطربين الشاميين، فكنا غير بعيدين من أجواء الشام والعين تسرح في تلك الخضرة اليانعة .
“الحكواتي” الذي عرفته المجتمعات العربية قديما في المقاهي والمجالس الشعبية، والذي كان الشكل المسرحي الأكثر حضورا فيها، حيث يجلس رجل في حلقة ويضع بين يديه كتاب ألف ليلة وليلة أو مقامات بديع الزمان الهمذاني أو كتب الشطار والمحتالين، أو كتب سير العظماء والأبطال ويبدأ بسرد تلك الحكايات بتفاعل تمثيلي صوتي وحركي مع مختلف تقلبات وحلقات القصة، هذا الدور لعبه الممثل أحمد يوسف الملقب ب”الحكواتي”، والذي لعب دور أحد قادة أبي طاهر الجنابي “الحجر الأسود”، ويقود أحمد يوسف فرقة “الحكواتي” التي تقدم مسرحيات في مختلف مدن الإمارات، وقد قدم خلال الرحلة بعضا من حكاياته تلك بأسلوب كوميدي تفاعل معه أعضاء الفريق .
العنصر النسائي لم يغب عن تلك الاحتفالية المتنقلة، فقد كانت في الرحلة كل من الدكتورة وهيبة راشد مسؤولة ملابس الفرقة، والممثلتين أشواق وإلهام محمد، وأعطى حضورهن توازناً اجتماعياً لجو الرحلة، وقد كن مخلصات للكرم الذي تعرف به المرأة العربية، فكان لا يمر وقت إلا وإحداهن توزع الشوكلاته أوالحلوى أو الفاكهة أوالعصير .
الحدث الأطرف خلال الرحلة في الحافلة كان “إذاعة إف إم ضيوف الشرف رومانيا” التي اخترعها الفنان عبدالله زيد، وهو ممثل مسرحي حاصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان أيام الشارقة ،2011 وكان يستخدم في إذاعته المكروفون الداخلي للحافلة والمسمّعات المبثوثة على طولها، وكشف من خلالها موهبة إعلامية متميزة ذات قدرات لغوية وحضور بديهة، وقدرة على التفاعل المسلّي مع مستمعيه، وكان يبث النكات والإهداءات الغنائية التي يخزنها في هاتفه المحمول، ويخترع الأخبار وينقل المشاهدات الخارجية، كأنه مذيع يقدم المعلومة ويرفّه عن سامعيه، وهيمنت إذاعته على معظم وقت الرحلة .
استطاع عبدالله زيد ببراعته أن ينتزع الضحكة والتصفيق الحار من الجميع، حتى من محمد عبدالله العلي ذلك الرجل الرزين الهادئ، الإعلامي المخضرم والمسرحي عضو مجلس إدارة فرقة مسرح الشارقة الوطني، الذي كشفت الرحلة عن قدراته الكتابية، خاصة في مجال كتابة المذكرات، حيث يحتفظ بمدونة ذكريات يسميها “الكتاب الأسود” تيمناً بالحجر الأسود، ولأنها أيضاً تشبه الصندوق الأسود للطائرات فقد دوّن فيها كل شيء حول مسرحية “الحجر الأسود” منذ بداية الإعداد لعرضها في مهرجان الشارقة، وحتى نهاية الرحلة إلى سيبيو، فكان يرصد الأحداث وأحوال الممثلين والطاقم الفني والإداري وغيرها بأسلوب فصيح جميل، فيه رونق البيان، وقد قرأ علينا بعض المواقف الطريفة من تلك المذكرات .
بكلمة واحدة فقد كانت رحلة الحافلة رحلة ذات مذاق شعبي إماراتي وعربي، في أعماق الطبيعة الخلابة لأراضي رومانيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق