بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 30 يونيو 2011

خيط أمل


أفق
خيط أمل
آخر تحديث:الأحد ,26/06/2011
محمد ولد محمد سالم
يمتلك الروائي السعودي عبده خال قدرة كبيرة على إحكام النص الروائي، فهو ينطلق في سرده من حكاية واحدة يؤسس عليها كل تفاصيل روايته، بعكس بعض الكتّاب الذين تتداخل لديهم الحكايات ويضيع القارئ في تشعبات كل حكاية على حدة، فيفقد البوصلة المؤدية إلى نهاية واحدة مقنعة، بينما يظل خال يقود قارئه نحو تلك النهاية بكثير من الإقناع وبغوص عميق في تفاصيل الحياة الاجتماعية للشخصية، ما يجعله يبني معماراً متماسكاً .
في رواية “فسوق” التي أصدرها عام ،2005 يتناول حكاية اختفاء فتاة من قبرها بعد ساعات من دفنها، فقد وجد قبرها في اليوم التالي على دفنها مفتوحاً، ويرصد الكاتب من خلال بحث ذلك اللغز الغامض تفاصيل حياة أهل الفتاة وسكان الحي الذي كانت تعيش فيه، وعلاقاتهم وأسرارهم ومعتقداتهم وخرافاتهم وغير ذلك، وما نسجوه من حكايات حول تلك الفتاة بعد اختفائها وقناعتهم بأنها هربت مع عشيق لها، وفي رصد الكاتب لكل ذلك يرسم صورة سوداوية للمجتمع، وممارساته ضد المرأة وضد الضعفاء والمنبوذين، وحجم الظلم الذي يعيشه الكثير من أفراده، حتى يبدو عالماً قاتماً ليست فيه فرجة ضوء تعطي للقارئ أملاً ولو ضئيلاً في تغير الحال والانتقال إلى حياة أفضل، وتؤكد الرواية تلك الرؤية الموغلة في السلبية لحياة المجتمع، فقد اكتشف الشرطي المحقق في القضية أن حارس المقبرة هو الذي سرق الجثة وحنطها ووضعها في غرفة خلفية حباً لصاحبتها، وحين ينصب الشرطي كميناً للإمساك بالحارس متلبساً بجرمه فإن الجماهير الغاضبة من سرقة الجثة تهجم على المكان وتسحق الشرطي البريء والحارس المجرم معاً .
وفي روايته “ترمي بشرر” الصادرة 2009 والتي فاز بها بجائزة البوكر العربية 2010 يواصل خال النظرة نفسها، فأبناء الحي الفقير على الشاطئ ينجذبون إلى القصر المنيف الذي شيّده حديثاً ذلك التاجر الكبير بجوار حيهم، ويدخلونه تباعاً بحثاً عن العمل والمال، لكنهم يجدون أنفسهم أسرى في ذلك القصر الكبير لا يستطيعون الخروج، ويتعرضون إلى كل أنواع القهر والمذلة، ويرغمون على ممارسة أبشع أنواع الرذائل، ولا يخرجون إلا موتى أو بعاهات أو متنكرين إلى الأبد، فالأفق مسدود في وجوههم ولا أمل لأي منهم في العودة إلى حياة بريئة آمنة، لأن يد ذلك الشر قادرة على أن تطالهم أينما كانوا .
مثل هذا النوع من الروايات رغم متانته وتماسكه الفني وغوصه العميق في المجتمع وتفاصيل حياته إلا أن سوداويته الطاغية وما يخيطه من جلابيب الحزن أمام عين القارئ والبشاعة التي يصور بها المجتمع تفقده الكثير من جمالياته، لأنه وسط الألم والحزن لا بد من بصيص أمل، وسط الظلم والقهر لا بد من نبراس من الخير يتعلق به الإنسان حتى لا يسقط في هاوية اليأس، وذلك هو شأن الرواية العظيمة والكتّاب العظام أن يبقوا على خيط أمل ممدود لعبور محتمل .
Dah_tah@yahoo.fr



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق