بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

اللجظة الكاشفة في "الجلسة السرية"


أفق
رؤى سردية
آخر تحديث:الأحد ,15/05/2011
محمد ولد محمد سالم
تعطي قصة “الجلسة السرية” لماجدة عبدالله الهاشمي دلالة قوية على فاعلية القص عندما ينجح صاحبه في إمساكه من اللحظة المناسبة، اللحظة التي تتكشف فيها تباعاً العناصر الدرامية في الحدث، وترتسم التداعيات النفسية الناتجة عن الصراع بين تلك العناصر الدرامية، وهي ما تسمى لدى النقاد اللحظة الكاشفة، وهي في قصة ماجدة عبدالله تلك “الجلسة السرية” اليومية التي تجلسها البطلة وحدها منزوية عن جميع من حولها لتنسكب معها ذاكرتها في تدفق يستعيد دائماً التفاصيل الدقيقة لتلك “الحادثة” التي كانت حاسمة في حياتها .
من خلال الإمساك بتلك “الجلسة” تقيم الكاتبة تقابلاً بين عناصر لحظتين زمنيتين، لحظة حاضرة هي الجلسة، ولحظة ماضية هي الحادثة، فتفلح الكاتبة في استخراج أبعاد التجربة النفسية للبطلة بالتواشج مع استذكار مجريات ما حدث في ذلك اليوم البعيد، وتبدو المشاهد القديمة وكأنها حدثت الآن بهذه الذاكرة التي لا تنسى أدق التفاصيل والأحاسيس . تعود البطلة إلى لحظات انتظارها في المدرسة لأخيها الذي تأخر عن موعد مجيئه ليصحبها إلى البيت، فتضطر إلى قطع الطريق وحدها في سكون الظهيرة، وما صاحب دربها إلى البيت من شكوك وتوترات وظهور ذلك الفتى القوي يسير بسيارته خلفها ودعوته لها إلى الركوب، ثم نزوله إليها بعد أن ترك زميله يراقب الطريق، وهروبها منه في تلك الأزقة الضيقة بين الحيطان العالية التي صدّت صوتها دون أن يسمعه أحد، ثم ذلك الموقف الحاسم حين أمسك بها وأراد أن يعتدي عليها، وتلك القوة التي اندفعت في جسمها لتتلقّف حجراً حاداً وتضربه به عدة مرات على وجهه فيخر صريعاً، لتواصل طريقها إلى أهلها من دون أن يعرف أحد أن لها علاقة بموت ذلك الشاب .
تشكل قصة “الجلسة السرية” رؤية جديدة لطبيعة وقدرة الفتاة العربية تغاير تماماً تلك الرؤية التي ترسمها لها القصص بكونها “ضحية ضعيفة” لا تملك أية شجاعة على الدفاع، فهنا ترسم ماجدة عبدالله صورة فتاة امتلكت القوة والشجاعة في اللحظة المناسبة للدفاع عن شرفها ونجحت، وهو ما يعطي أملاً لكل فتاة ويعيد إليها الثقة في قدراتها الذاتية . ومع أن القارئ قد لا يتفق مع الكاتبة حين جعلت تلك الذكرى تسيطر بشكل دائم على حياة البطلة وتدمرها لشعورها بالذنب - كان يمكن ألا تشعر بالذنب لأنها دافعت عن نفسها - إلا أن ذلك لا يقلل من الرؤية الكلية وصحة وواقعية الصورة التي رسمتها للفتاة .
لقد ملكت ماجدة الهاشمي رؤية كلية نابعة من إيمانها ببنات جنسها، وأحاطت بكل جوانب اللحظة النفسية والحدثية، وحتى الإطار الزماني والمكاني كان لعبا لديها دوراً قوياً في توتير الحدث وتعميقه، ما جعل اللغة تنسكب حارة رقراقة ترصد كل عقد اللحظة وتوتراتها، ويدل كل ذلك على أن العامل الحاسم في العمل السردي هو امتلاك الكاتب رؤية متكاملة واضحة ومعبرة بصدق عن حقيقة التجربة الإنسانية، فمع تلك الرؤية تتداعى كل عناصر الفن الأخرى لرسم القصة رسماً بديعاً.
dah_tah@yahoo.fr


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق