بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 21 يوليو 2011

التأديب باللغة والشعر

أفق
التأديب باللغة والشعر
آخر تحديث:الخميس ,21/07/2011
كانت كلمة “أدب” في الأصل ذات مدلول أخلاقي صرف، تعني “حُسن الخلق”، لكنه في عصر الدولة الإسلامية وبعد أن اختلط العرب بغيرهم من الأمم، ودخلت العُجْمة إلى لسان العرب، احتاج الناس في تأديب أبنائهم إلى تعليمهم أيضاً اللغة والشعر حتى يشبوا فصحاء، وحتى لا تغلب العجمة على ألسنتهم، ومن هنا انتقلت الكلمة إلى المعنى الذي صارت عليه لاحقاً، وصار ذلك ركناً ركيناً من أركان تربية الأطفال، يستوي فيه أبناء الجميع، وقد اتخذ الخلفاء مؤدبين يؤدبون أبناءهم على اللغة والفصاحة وإتقان علوم اللغة والنحو، وحكايات فصاحة عبد الملك بن مروان وأولاده في عهد بني أمية، وفصاحة المنصور والمهدي والرشيد وأبنائهم في عصر بني العباس، وأخذهم بالتشدد في ذلك كثيرة، ومليئة بها كتب الأدب والأخبار .
وبلغ من ذلك أن صار من شروط كل من يستعمله الخليفة في عمل أو يصطفيه لصحبة أن يكون فصيحاً أديباً، ولم تستثن من ذلك الجواري والمغنيات، فقد روي أن الخليفة الواثق بن المعتصم بن هارون الرشيد كان شاعراً حسن الشعر له رواية ودراية في الشعر والنحو، وكانت له جارية حسنة الصوت حسنة الأدب اتفق أن غنت في مجلسه يوماً من شعر العرجي قوله:
أظلوم إن مصابكم رجلاً أهدى السلام تحيةً ظلمُ
فلحنها أحد جلسائه في نصب “رجلاً”، وقال هي “رجلٌ” بالرفع على أنه خبر ل”إن”، فقالت لقد أخذتها عن شيخي أبي عثمان المازني هكذا بالنصب - وأبو عثمان هو شيخ النحاة في البصرة في زمانه - فأمر الواثق أن يؤتى إليه بأبي عثمان، فلما حضر بين يديه سأله في ذلك، فقال هي بالنصب لأنها مفعول المصدر “مصابكم” بمعنى إصابتكم، وأما خبر إن فهو “ظلم”، فأعجب الواثق بجوابه وإتقانه وحسن تأديبه للجارية، وأجازه ألف دينار .
مثل هذه القصص كثيرة، وجديرة بالوقوف عندها لتأمل ما كان عليه أولئك القوم من حرص على أن تظل لغتهم نقية صافية جميلة، وألا تغلب عليها لغات الأمم الأخرى فتمحوها، وحين يقارن المرء اليوم ذلك الاهتمام منهم مع قلة وسائلهم التربوية والمادية، وبعد الشقة بين كثير من أقطارهم وبين حواضر العلم، حين يقارنه مع واقع الحياة اليوم في الوطن العربي وما توفره من وسائل ضافية ومناهج كثيرة لتعليم الأبناء يحار في ما وصل إليه الحال من تردي أحوال اللغة العربية اليوم في المدارس وتأخر مناهجها عن المناهج العالمية في تعليم اللغات، وقلة اهتمام الساسة والعامة بذلك، وسرعتهم في التسابق إلى المدارس التي تدرس اللغات الأجنبية وفتح الباب لها لتأخذ مساحة أكبر بكثير من مكانة اللغة العربية، وكأن الجميع قد نفضوا أيديهم منها ولم تعد تلزمهم في شيء، رغماً من ضجيج في أرجاء الوطن العربي حول الهوية وضرورة الحفاظ عليها وتعزيز مقوماتها، وأي هوية يمكن أن تقوم قائمتها من دون لغة أهلها، وأي أمة يمكن أن تحفظ خصوصيتها من دون حفظ لغتها؟
محمد ولد محمد سالم
dah_tah@yahoo.fr
الرابط: http://www.alkhaleej.ae/portal/960e5737-c358-457b-96dc-ce25e8ad0c92.aspx

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق