أفق
الرواية والتاريخ
آخر تحديث:السبت ,16/07/2011
محمد ولد محمد سالم
لا تنفصل الرواية عن التاريخ، لأنها بناء لنموذج من الحياة الاجتماعية لا ينشأ من فراغ وإنما يستخلصه صاحبه من الماضي، سواء أكان ذلك الماضي هو التاريخ أم المجتمع الذي يعيش فيه هذا الكاتب أم حتى ماضيه هو نفسه، فالتاريخ هنا حاضر بصيغ متعددة، عام أو اجتماعي أو شخصي، لكن التاريخ بمفهومه الاصطلاحي بوصفه أحداثاً تاريخية ماضية معروفة ومسطرة في كتب التاريخ بتفاصيلها، يضع الكاتب أمام إشكالية حين يعود ليصنع منه مادته الروائية، فهل يتبع أحداث التاريخ الحقيقية ويصوغ روايته بأمانة لتلك الأحداث، أم أنه يتصرف فيها ويغيّر ليصوغ رؤيته هو وروايته، مقتبساً من تلك الأحداث، غير منجرف وراء تفاصيلها الكثيرة التي قد لا تخدم رؤيته؟
توفر الأحداث التاريخية الكبيرة للروائي بنية روائية متماسكة يستريح إليها، وتوفر عليه تعب التخيل وصناعة حكاية من نسج ذهنه، فلا يحتاج معها إلا إلى تصرف بسيط في المادة، وربما في جانب بناء الشخصية ونسج الروابط بين مختلف الأبطال فقط، ولهذا يفضل الكثير من الروائيين العودة إلى تلك الأحداث والبناء عليها، وقد أصبحت هذه ظاهرة متواترة في الروايات العربية الحديثة .
في رواية “عزازيل” ليوسف زيدان الفائزة بالبوكر العربية عام ،2009 يجد القارئ نفسه أمام أحداث تاريخية كثيرة تُروى على لسان الراهب “هيبا”، يوثق فيها أحداث الصراع الكنسي الذي وقع في مصر في القرن الخامس الميلادي، وتقدم الرواية تفاصيل كثيرة لذلك الصراع، ونقاشات مطولة حول الخلافات بين المذاهب ورؤى كل فريق، ما يبتعد أحياناً عن محور حياة الشخصية الرئيسة “هيبا”، ويصيب الرواية في أجزاء منها بالرتابة، رغم أنها رواية جيدة وتحمل في النهاية رؤية روائية متماسكة - مهما يكن موقفنا منها- لكن قارئها سوف يتجاوز الكثير من الأحداث الجانبية، والصفحات التي لا يرى فيها كبير فائدة لكي يصل إلى نهايتها .
أما في رواية “واحة الغروب” لبهاء طاهر التي فازت بالجائزة نفسها في دورتها الأولى ،2008 فنجد اتكاء على حادثة تاريخية هي تفجير ضابط حامية مصرية لمعبد أثري في واحة “سيوه” في الغرب المصري، لكن بهاء طاهر إذ ينطلق من تلك الحكاية التاريخية يهتم ببناء الأحداث حول شخصية الضابط، ويصبح عمله الأساسي هو التخيل، فيتخيل شخصية ذلك الضابط ونفسيته ومحيطه الاجتماعي وعلاقاته، ليقدم في النهاية بنية روائية هي تجربة اجتماعية ونفسية لشخصية البطل والشخصيات الأخرى المساهمة معه في الأحداث، ويعمل تعميق تلك التجربة بعيداً عن الانجراف وراء أحداث تاريخية أو مفاهيم عقائدية، أو فلسفية قد لا تغني كبير غناء في مهمة الروائي التي هي التجربة الاجتماعية والنفسية للإنسان، وهو يخوض الصراع اليومي مع معوقات الحياة ومنغصاتها، الإنسان وهو يحلم ويأمل ويكدح، فينجح ويخفق ويتعذب، فيقدم الروائي خلاصة لتلك التجارب تعمق فهمنا لحياتنا وذواتنا وتعطينا أدوات جديدة وآمالاً في أن نعيش غداً أفضل، وتلك هي مهمة الروائي الأساسية، وهي الفرق الجوهري بينه وبين عمل المؤرخ الذي يهتم بحقيقة ما حدث وتسجيله بأمانة اعتماداً على شواهد التاريخ ووثائقه، دون تدخل من خياله ।
محمد ولد محمد سالم
الخليج:http://www.alkhaleej.ae/portal/960e5737-c358-457b-96dc-ce25e8ad0c92.aspx
الرواية والتاريخ
آخر تحديث:السبت ,16/07/2011
محمد ولد محمد سالم
لا تنفصل الرواية عن التاريخ، لأنها بناء لنموذج من الحياة الاجتماعية لا ينشأ من فراغ وإنما يستخلصه صاحبه من الماضي، سواء أكان ذلك الماضي هو التاريخ أم المجتمع الذي يعيش فيه هذا الكاتب أم حتى ماضيه هو نفسه، فالتاريخ هنا حاضر بصيغ متعددة، عام أو اجتماعي أو شخصي، لكن التاريخ بمفهومه الاصطلاحي بوصفه أحداثاً تاريخية ماضية معروفة ومسطرة في كتب التاريخ بتفاصيلها، يضع الكاتب أمام إشكالية حين يعود ليصنع منه مادته الروائية، فهل يتبع أحداث التاريخ الحقيقية ويصوغ روايته بأمانة لتلك الأحداث، أم أنه يتصرف فيها ويغيّر ليصوغ رؤيته هو وروايته، مقتبساً من تلك الأحداث، غير منجرف وراء تفاصيلها الكثيرة التي قد لا تخدم رؤيته؟
توفر الأحداث التاريخية الكبيرة للروائي بنية روائية متماسكة يستريح إليها، وتوفر عليه تعب التخيل وصناعة حكاية من نسج ذهنه، فلا يحتاج معها إلا إلى تصرف بسيط في المادة، وربما في جانب بناء الشخصية ونسج الروابط بين مختلف الأبطال فقط، ولهذا يفضل الكثير من الروائيين العودة إلى تلك الأحداث والبناء عليها، وقد أصبحت هذه ظاهرة متواترة في الروايات العربية الحديثة .
في رواية “عزازيل” ليوسف زيدان الفائزة بالبوكر العربية عام ،2009 يجد القارئ نفسه أمام أحداث تاريخية كثيرة تُروى على لسان الراهب “هيبا”، يوثق فيها أحداث الصراع الكنسي الذي وقع في مصر في القرن الخامس الميلادي، وتقدم الرواية تفاصيل كثيرة لذلك الصراع، ونقاشات مطولة حول الخلافات بين المذاهب ورؤى كل فريق، ما يبتعد أحياناً عن محور حياة الشخصية الرئيسة “هيبا”، ويصيب الرواية في أجزاء منها بالرتابة، رغم أنها رواية جيدة وتحمل في النهاية رؤية روائية متماسكة - مهما يكن موقفنا منها- لكن قارئها سوف يتجاوز الكثير من الأحداث الجانبية، والصفحات التي لا يرى فيها كبير فائدة لكي يصل إلى نهايتها .
أما في رواية “واحة الغروب” لبهاء طاهر التي فازت بالجائزة نفسها في دورتها الأولى ،2008 فنجد اتكاء على حادثة تاريخية هي تفجير ضابط حامية مصرية لمعبد أثري في واحة “سيوه” في الغرب المصري، لكن بهاء طاهر إذ ينطلق من تلك الحكاية التاريخية يهتم ببناء الأحداث حول شخصية الضابط، ويصبح عمله الأساسي هو التخيل، فيتخيل شخصية ذلك الضابط ونفسيته ومحيطه الاجتماعي وعلاقاته، ليقدم في النهاية بنية روائية هي تجربة اجتماعية ونفسية لشخصية البطل والشخصيات الأخرى المساهمة معه في الأحداث، ويعمل تعميق تلك التجربة بعيداً عن الانجراف وراء أحداث تاريخية أو مفاهيم عقائدية، أو فلسفية قد لا تغني كبير غناء في مهمة الروائي التي هي التجربة الاجتماعية والنفسية للإنسان، وهو يخوض الصراع اليومي مع معوقات الحياة ومنغصاتها، الإنسان وهو يحلم ويأمل ويكدح، فينجح ويخفق ويتعذب، فيقدم الروائي خلاصة لتلك التجارب تعمق فهمنا لحياتنا وذواتنا وتعطينا أدوات جديدة وآمالاً في أن نعيش غداً أفضل، وتلك هي مهمة الروائي الأساسية، وهي الفرق الجوهري بينه وبين عمل المؤرخ الذي يهتم بحقيقة ما حدث وتسجيله بأمانة اعتماداً على شواهد التاريخ ووثائقه، دون تدخل من خياله ।
محمد ولد محمد سالم
الخليج:http://www.alkhaleej.ae/portal/960e5737-c358-457b-96dc-ce25e8ad0c92.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق