أفق
ثقافة الترابط والمحبة
آخر تحديث:الأربعاء ,13/07/2011
محمد ولد محمد سالم
في رواية، شيكاغو، للكاتب علاء الأسواني، يعاني الدكتور رأفت ثابت عالم الأنسجة الذي يعيش في أمريكا أزمة مستعصية، فقد انحدرت ابنته الوحيدة في عالم الفساد وتركت البيت لتعيش في أحياء بائسة وسط عالم من الإدمان والجريمة، ولا يمتلك، وهو أبوها، أي حق في صدها عما تفعله، وحين يطلب منها العودة تهدده بالشرطة، فيعود يمضغ حسرته وآلامه، غير قادر على أن يستوعب كيف أن قانوناً يحرمه من حقه في تربية ابنته وتوجيهها التوجيه الصحيح، ويمنعه من إعادتها لتعيش في كنفه آمنة .
لقد نشأ في ثقافة تعطي أهمية كبرى لقيم الترابط والتواصل الاجتماعي، وأولوية الآباء في تربية أبنائهم وإيوائهم وحقهم في الدفاع عنهم ضد كل ما يمكن أن يفسدهم، نشأ في ثقافة أن يرحم الكبير الصغير ويرأف به ويعلمه الصحيح من الخطأ، وأن يوقر الصغير الكبير ويحترمه، ثقافة تؤسس للمحبة المبنية على العطاء السمح الذي لا يرجو مقابلاً ولا ينتظر مكافأة، والذي يرثه الأبناء عن آبائهم ويأتونه طواعية وبسعادة تجعلهم يحسون بأنهم هنا من أجل الآخرين وأن الآخرين أيضاً وجدوا من أجلهم .
يفاجأ رأفت بعد عقود من العيش في أمريكا، والعمل فيها أنه أمام ثقافة تدخل في أخص خصائص حياته، لتحول بينه وبين أعز شيء لديه في الدنيا وهو ابنته الوحيدة، ثقافة تقول للأب والأم أنجِبا وربيا وكبّرا، ثم اجلسا بعيدا لا حق لكما في الحب والسعادة والاحترام من أبنائكما، مفهوم للحياة محوره الفرد قيمةً مطلقةً، مقطوعاً عن كل ما حوله، مكوراً في دهاليز ذاته، ومعزولاً عن الآخر، عن نسيجه الاجتماعي، ذلك النسيج الذي لم يعد له وجود في واقع الحياة هناك، فماذا سيفعل رأفت المسكين غير أن يموت كمدا ويلعن اليوم الذي رمى به إلى ذلك المجتمع، ويصاب بالمرض كجميع الأمريكيين والغربيين الذين يعانون من أمراض القلق والخوف والوحدة والاكتئاب والجنون، والتي كثيرا ما توصلهم إلى الانتحار، وهي كلها أمراض ناشئة عن تلك الفردانية القاسية التي بنى عليها الغرب رؤيته للحياة .
من البدهي أن الفرد ينبغي أن يحترم كهوية إنسانية وتحترم اختياراته، وحريته في التصرف، وأن لا تطغى قيم الأسرة أو الجماعة وأولوياتها على أولوياته هو، لكن تلك الحرية تبقى مرهونة باحترامه هو لذاته الإنسانية، فلا يتصرف بما يضيعها أو يقضي عليها، فليس أحد حرا في أن ينتحر مثلا، كما هو رهين باحترامه للقيم الاجتماعية والثقافية للجماعة وتفاعله الإيجابي معها، لأنه بذلك الاحترام ينشأ الترابط والتعاضد والمحبة، ويعيش الإنسان بإحساس بالانتماء والأمان وبأن هناك من يهتم به، ومن هو مستعد لخدمته من دون مقابل، وتلك الأحاسيس هي التي تعصمه من الأمراض السالفة الذكر ।
محمد ولد محمد سالم
dअह_तह@याहू.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/960e5737-c358-457b-96dc-ce25e8ad0c92.aspx
ثقافة الترابط والمحبة
آخر تحديث:الأربعاء ,13/07/2011
محمد ولد محمد سالم
في رواية، شيكاغو، للكاتب علاء الأسواني، يعاني الدكتور رأفت ثابت عالم الأنسجة الذي يعيش في أمريكا أزمة مستعصية، فقد انحدرت ابنته الوحيدة في عالم الفساد وتركت البيت لتعيش في أحياء بائسة وسط عالم من الإدمان والجريمة، ولا يمتلك، وهو أبوها، أي حق في صدها عما تفعله، وحين يطلب منها العودة تهدده بالشرطة، فيعود يمضغ حسرته وآلامه، غير قادر على أن يستوعب كيف أن قانوناً يحرمه من حقه في تربية ابنته وتوجيهها التوجيه الصحيح، ويمنعه من إعادتها لتعيش في كنفه آمنة .
لقد نشأ في ثقافة تعطي أهمية كبرى لقيم الترابط والتواصل الاجتماعي، وأولوية الآباء في تربية أبنائهم وإيوائهم وحقهم في الدفاع عنهم ضد كل ما يمكن أن يفسدهم، نشأ في ثقافة أن يرحم الكبير الصغير ويرأف به ويعلمه الصحيح من الخطأ، وأن يوقر الصغير الكبير ويحترمه، ثقافة تؤسس للمحبة المبنية على العطاء السمح الذي لا يرجو مقابلاً ولا ينتظر مكافأة، والذي يرثه الأبناء عن آبائهم ويأتونه طواعية وبسعادة تجعلهم يحسون بأنهم هنا من أجل الآخرين وأن الآخرين أيضاً وجدوا من أجلهم .
يفاجأ رأفت بعد عقود من العيش في أمريكا، والعمل فيها أنه أمام ثقافة تدخل في أخص خصائص حياته، لتحول بينه وبين أعز شيء لديه في الدنيا وهو ابنته الوحيدة، ثقافة تقول للأب والأم أنجِبا وربيا وكبّرا، ثم اجلسا بعيدا لا حق لكما في الحب والسعادة والاحترام من أبنائكما، مفهوم للحياة محوره الفرد قيمةً مطلقةً، مقطوعاً عن كل ما حوله، مكوراً في دهاليز ذاته، ومعزولاً عن الآخر، عن نسيجه الاجتماعي، ذلك النسيج الذي لم يعد له وجود في واقع الحياة هناك، فماذا سيفعل رأفت المسكين غير أن يموت كمدا ويلعن اليوم الذي رمى به إلى ذلك المجتمع، ويصاب بالمرض كجميع الأمريكيين والغربيين الذين يعانون من أمراض القلق والخوف والوحدة والاكتئاب والجنون، والتي كثيرا ما توصلهم إلى الانتحار، وهي كلها أمراض ناشئة عن تلك الفردانية القاسية التي بنى عليها الغرب رؤيته للحياة .
من البدهي أن الفرد ينبغي أن يحترم كهوية إنسانية وتحترم اختياراته، وحريته في التصرف، وأن لا تطغى قيم الأسرة أو الجماعة وأولوياتها على أولوياته هو، لكن تلك الحرية تبقى مرهونة باحترامه هو لذاته الإنسانية، فلا يتصرف بما يضيعها أو يقضي عليها، فليس أحد حرا في أن ينتحر مثلا، كما هو رهين باحترامه للقيم الاجتماعية والثقافية للجماعة وتفاعله الإيجابي معها، لأنه بذلك الاحترام ينشأ الترابط والتعاضد والمحبة، ويعيش الإنسان بإحساس بالانتماء والأمان وبأن هناك من يهتم به، ومن هو مستعد لخدمته من دون مقابل، وتلك الأحاسيس هي التي تعصمه من الأمراض السالفة الذكر ।
محمد ولد محمد سالم
dअह_तह@याहू.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/960e5737-c358-457b-96dc-ce25e8ad0c92.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق