بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 1 يونيو 2015

"شوق الدرويش" علاقة حب باهتة وأسئلة مستعصية


تقدم رواية "شوق الدرويش" للكاتب السوداني حمور زيادة التي دخلت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2015 حكاية الشاب السوداني بخيت منديل مع الفتاة المصرية من أصول يونانية ثيودورا أثناء حكم المهدية في السودان.
بخيت زنجي اختطفه النخاسون صغيرا وباعوه عبدا لأوروبي مقيم في الخرطوم، وبعد سنوات يجد حريته وتضطره المجاعة إلى اللحاق بجيش المهدي الذي غزا مصر، وهناك يقع في الأسر والعبودية مرة أخرى، لكنه لا يلبث أن يتحرر ويعود إلى السودان، ليتعرف على ثيودورا أو حواء كما صار اسمها بعد الأسر، وهي راهبة شابة جاءت إلى السودان لتعمل مدرّسة في إحدى مدارس التنصير في الخرطوم أيام الحكم العثماني المصري أواخر القرن التاسع عشر، ولما استولى جيش المهدي على الخرطوم سنة 1885 أسرت ثيودورا، وأخذت إلى أم درمان، ووقعت في نصيب أحد الأعيان من أنصار المهدي، سلبه جمالها الفاتن وأرادها لمتعته، لكنّها لم تمنّعت عليه، فتركها لخدمة زوجته، حتى توفيت زوجته فأصبحت هي مدبرة المنزل، وأثناء ذلك تعرفت على بخيت، وكان أفطس الأنف أجعد الشعر خشن الملامح، يعمل بالأجر في مختلف الأعمال اليدوية، فكانت تلقاه في السوق وتجالسه عند بسطة أحد أصدقائه، وقد أعجبتْ به، وأُغْرِم بها.
لكنّ ثيودورا تاقت إلى مصر وتدبرت حيلة للهرب، إلا أن مهربيها خانوها، وسلموها إلى رجال سيدها، وحملت إلى منزله وضرتب حتى ماتت، وفقد بخيت صوابه حين علم بموتها، وأصبح مخبولا يمشي في الشوارع سكران، وقد أمسك به جنود المهدي على تلك الحالة، فأخذوه إلى السجن، ليؤدي عقوبة تعزيرية، لكنّ الإهمال واللامبالات السائدة في السجن جعلته يقضّي فيه سبع سنوات شهد فيها أنواع العذاب والإهانة ما وضعه على شفا الموت مرات عديدة، ثم خرج أثناء الفوضى التي أصابت الخرطوم بعد استيلاء الجيوش المصرية البريطانية عليها، وبعد خروجه يبدأ بخيت في قتل الرجال الذين قتلوا ثيودورا واحدا واحدا، ويقع في الأسر وقد قتل منهم ستة وبقي واحد، لم يتمكن من الوصول إليه.
يمتاز حمور زيادة بأسلوب سلس متدفق، أصيل العبارة بعيد عن التكلف والتعقيد، وفي مجال السرد، فهو حكّاء راسخ لا ترهقه التفاصيل الدقيقة، ولا تغيب عنه شواهد الأماكن وملامح البشر وعلائم الزمان، وتلك كلها ميزات جيدة لكاتب محترف، وقد استطاع عبر روايته أن يرسم بدقة ملامح السودان في فترة عصيبة من فتراتها، شهدت فيها اضطرابات ومجاعات وعنف دموي مُبيد، وكل ذلك يجعل روايته من أوفر الروايات المترشحة لهذه الجائزة حظا، ومن أجدرها بها، لكنّ الرواية لا تخلو من عدة مشاكل، فعلى مستوى البناء الفني، نجد أن الكاتب قد أكثر من عملية الاسترجاع (الفلاش باك) مما يسبب تشويشا يجعل القارئ في بعض الأحيان لا يتبين هل هو أمام لحظة حاضرة أم لحظة ماضية، فتصعب عليه إعادة بناء الأحداث، ففي الفصل 5 يبدأ الفصل باسترجاع لحياة السجن، ثم فجأة يقفز إلى أحداث حياة بخيت الحاضرة أثناء عمله في السُّخْرَة، ودون أن نجد ما يوضح ذلك الانتقال، وكأن حوادث السخرة تلك وقعت أثناء السجن، وربما تكون هيمنة الراوي العليم على كل مفاصل السرد، وغياب صوت الشخصية هو ما سبب ذلك، لأن الاسترجاع في الغالب يكون عن طريق ضمير المتكلم، والصوت الداخلي للشخصية، وهي تستعرض في ذهنها ماضي حياتها، ويحتاج تعدد الأزمنة إلى تعدد الأصوات، وتعدد تقنيات السرد، لكي تكون لدى الكاتب مرونة في التنقل، فعن طريق الذاكرة مثلا تستطيع الشخصية أن تقفز من الحدث الحاضر إلى أحداث ماضية، لكنّ الرواي العليم الذي يروى عن الشخصيات لا يستطيع ذلك،.
من المشكلات الفنية أيضا اشتمال الرواية على حكاية طويلة امتدت على عشرات الصفحات هي حكاية للدرويش الحسن الجريفاوي، وهو شخصية ثانوية لا يرد له دور في الأحداث الفعلية إلا في اللحظات الأخيرة عندما أمسك هو ورجاله ببخيت واقتادوه مكبلا بالأغلال إلى المسلمية ليشنق فيها، وذلك بعد أن قتل بخيت سيده التاجر إبراهيم ود الشواك، فتلك الحكاية الطويلة عن حياة الجريفاوي وعبادته ودروشته، ثم نهضته في الجهاد لا علاقة لها بمتن رواية بخيت وثيودورا، ويمكن حذفها دون أن تترك أي خلل في الرواية، والعجيب أن تسمية العنوان "شوق الدرويش" مستوحى من حكاية الجريفاوي لأن بخيت لم يتدروش، ودخوله الجندية لفترة قصيرة كان فرارا من المجاعة.
على مستوى المنظور الفكري إذا تجاوزنا حيلة التشويق التي وضعنا فيها الكاتب في البداية، والتي لم يلبث أن حلها حين عرفنا أن بخيت قتل غرماءه، إذا تجاوزنا ذلك فإن الرواية تبدو عادية خالية من أية دهشة، أو منظور فكري واضح، وهي في الأصل قائمة على علاقة حب غير منطقية بين عبد - قبيح كما تصفه الرواية – وفتاة بيضاء بارعة الجمال، تمنّعت على سيدها الثري وابنه، ولم يكن بخيت منديل نصرانيا فيكون ميلها إليه وسط أمة من المسلمين مبررا، ولم تكن تريده أن يهرّبها ويخلصها من عبوديتها فيكون ذلك معقولا، ولم يكن واقعا في العبودية حين التقته فيكون ميلها إليه من باب الاشتراك في الهم، وكان بيت سيدها مليئا بالعبيد الذين قد يكونون أحسن منه طلعة، وحتى إن سلمنا بامكانية علاقة الحب تلك فإننا نجد أنها ظلت باهتة متوقفة في نقطة واحدة، ولم تتحرك إلا عندما أراد بخيت الانتقام لثيودورا، فحبهما لم تعانده قوة تقف في وجهه، وتصارعه وتعطيهما فرصة الكفاح من أجله، وبالتالي بعده الإنساني العميق، وليس أدل على ذلك من كون ثيودورا لم تمت من أجل الحب، بل ماتت وهي تحاول الهرب إلى مصر، وبخيت لم يقتل الرجال الستة لأنهم ظلموه ووقفوا في وجه حبه، بل لأن حظهم السيء جعلهم يشاركون في قتل ثيودورا، وهذا يسلب فعل بخيت بعده الإنساني ويحوله إلى مجرد عملية انتقام دامية.

إذا عدنا إلى الفترة السياسية التي اختارها حمور زيادة لروايته، وهي فترة روائية خصبة على عدة مستويات، فهناك صراع سياسي عسكري بين أطراف متعددة للصراع، هي الأتراك والإنجليز والمصريون وحركة المهدي، وهناك صراع إيماني بين الدروشة وحياة الإنسان العادي، وصراع ديني بين المسيحية والإسلام ، وهناك صراع من أجل لقمة العيش في زمن اجتاحت فيه السودان مجاعة مرعبة، وقد حاول زيادة رصد كل ذلك، ونجح في جوانب كثيرة منه، لكن اتخاذه لتلك الصراعات كلها كخلفية لحدث الحب بين بخيت وثيودورا قلل من التركيز على تلك الصراعات، ومن دورها في الأحداث، وجعل رؤية الكاتب لها مشوشة، فهو يقدم صورة ناصعة للدرويش حسن الجريفاوي، في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى ضابط الاستعمار الإنجليزي غوردون باشا الذي كان حاكما للخرطوم وقتله جيش المهدي على أنه "حاول نشر الأمل في مدينة (الخرطوم) يخنقها اليأس"، هذا التذبذب حاصل أيضا في حياة ثيودورا نفسها، فهي جاءت لتُنَصّر أبناء السودان، فأمسك بها رجال المهدي وأرغموها على الإسلام، فسعيها لم يكن برئيا في البداية لكي تثير تعاطف القارئ في ما آلت إليه في النهاية، والأمثلة على هذا الاضطراب والتذبذب كثيرة في الرواية، وربما كان تركيز الكاتب على علاقة الحب الباهتة وسيلة للخروج من تلك الأسئلة المستعصية التي رمى بنفسه فيها من غير أن يكون قد عرف كيف سيخرج منها.

محمد ولد محمد سالم
مجلة الرافد 213 ، مايو 2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق