بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 30 يونيو 2012

غارودي يكشف زيف حرية الرأي الغربية

مواقفه درس للمتساقطين في أحضان الصهيونية العالمية
آخر تحديث:الاثنين ,25/06/2012


محمد ولد محمد سالم

أخيراً ترجل روجيه غارودي عن صهوة تاريخ حافل بالتجوال الفكري الحر، والالتزام الإنساني العميق، وبعد 99 عاماً وفي 13 يونيو/حزيران الجاري غادر إلى مثواه الأخير، وفي حلقه غصة من زيف حرية الرأي وقيم الحضارة الغربية التي تملأ دعاويها أسماع الدنيا، في الوقت الذي تتحطم فيه تلك الدعاوى على صخرة مواجهة المسكوت عنه في الفكر الغربي، ومحاولة النبش في حقائق الصهيونية العالمية .
حين نشر روجيه غارودي سنة 1996 كتاب “الأساطير المؤسسة للسياسة “الإسرائيلية”” لم يكن يبحث عن سمعة ولا جائزة ولا حظوة لدى أي كان، فقد كان ذلك الأستاذ الجامعي الثمانيني يومها يحظى بشهرة فائقة وتشهد كتبه الكثيرة إقبالاً واسعاً، ويحتفظ في بيته بأرفع الأوسمة الفرنسية عن دوره المشهود في مقاومة النازية وحكومة فيشي العميلة، لكنّ كل تلك الحظوة لم تكن لتدفعه وهو المفكر الإنساني الحر إلى خيانة ضميره والسكوت على جريمة إنسانية تحقق منها بالأدلة العلمية، وأدرك فساد دعوى مرتكبيها وبطلان حججهم، ولم يردعه أيضاً ما كان يعرف أنه ينتظره من هجوم وإرهاب فكري وتهميش، فمضى يتبع نداء ضميره وقيمه الإنسانية التي لا تقبل بالظلم والعنصرية والإبادة الجماعية للبشر، فدان الجرائم “الإسرائيلية” في فلسطين وطعن في الدعاوى التي تقدم لتبرير تلك الجرائم، وانصب جهده على مراجعة مقولات “الشعب المختار” و”الحق التاريخي” والأرقام المبالغ فيها عن “المحرقة النازية” التي غدت حقيقة مقدسة تستعطف بها “إسرائيل” الغرب، وتبرر بها احتلالها للأرض العربية وإبادتها للشعب الفلسطيني الذي يقف في وجه “الحق الإلهي” المزعوم ل”الإسرائيليين” في أرض “الميعاد”، وأراد بتلك المراجعة أن يبين بطلان تلك الدعاوى الصهيونية، ويبين حق الفلسطينيين في العيش كرماء على أرضهم وأن يرفع عنهم الظلم .
من العجيب أن ما أدركه ابن موظف الحسابات الفرنسي وفيلسوف الماركسية السابق، وسعى لدحضه بدافع من الضمير الإنساني المحض، والانحياز الفطري للمظلومين، قد أنكره أو تجاهله ثلة من المثقفين من أبناء الأرض وإخوة الدم العربي، بدافع هذه المرة من الحظوة لدى الغرب والبحث عن اعتراف ومكاسب هناك، ونتذكر الرسالة الشهيرة التي وقع عليها مثقفون عرب والتي تدين مؤتمر المؤرخين المراجعين “للمحرقة” الذي كان سيعقد في بيروت في نهاية مارس/آذار ،2001 وطالب فيها أولئك المثقفون الحكومة اللبنانية بمنع عقد ذلك المؤتمر بحجة أنه “معادٍ للسامية”، وتناسوا أن المبالغة الصهيونية بشأن المحرقة واستغلالها المفرط في الدعاية هو ما سهّل لهم احتلال فلسطين وإبادة الفلسطينيين وتشريدهم، وذلك أبشع أنواع العداوة للسامية، أليس العرب من أبناء سامٍ؟ لكن ضمائرهم تلك الثلة من المثقفين كانت مغطاة بالطمع في جوائز الغونكور ونوبل وغيرها، وبالتطلع للاعتراف الغربي بهم كمثقفين متحضرين يُدعوْن إلى المؤتمرات العالمية وتترجم كتبهم إلى اللغات الأوروبية والعبرية، وكانوا مستعدين للانسلاخ من كل شيء من أجل ذلك، ومن المؤسف أن التنكر للحق الفلسطيني والارتماء في أحضان “إسرائيل” أصبح اليوم طريقاً سهلاً للباحثين عن الحظوة لدى الغرب، وقبل أيام حظيت المخرجة التونسية نادية الفاني بزيارة ل”تل أبيب” للمشاركة في ندوة هناك تقديراً لها على عدائها للعرب والإسلام و”تسامحها” مع “إسرائيل” والصهيونية، وكانت أفلامها المجدفة قد لقيت رواجاً كبيراً في الغرب وحصلت على جوائز عدة، كذلك شأن الكاتب الفرانكفوني الجزائري بوعلام صنصال صاحب رواية قرية “الألماني أو مذكرات الأخوين شيلر” الصادرة سنة 2008 التي تحكي قصة علاقة ضابط سابق في الجيش النازي بقادة جبهة التحرير الوطني في الجزائر، وتهدف إلى النيل من سمعة الثورة الجزائرية العظيمة بربطها بالنازية، وقد احتفى اللوبي الصهيوني في الغرب بالرواية فحصلت سنة 2011 على “جائزة السلام” من جمعية أصحاب المكتبات في ألمانيا، وترجمت إلى العبرية واحتفت بها الصحف “الإسرائيلية” ودعي صنصال إلى “إسرائيل” في مايو/أيار الماضي للمشاركة في مؤتمر أدبي عالمي ترعاه الحكومة “الإسرائيلية” .
الفرق بين غارودي وبين أولئك الطالبين للسمعة الغربية والمنفعة المادية، هو أن غارودي واجه الصهيونية وهو في قمة مجده وأوج رواجه، وكان يمكنه وهو الخارج لتوه من الحزب الشيوعي الفرنسي أن يرتمي في أحضان الصهيونية، فيزداد سمعة على سمعة، ورواجاً على رواج، لكنه لم يكن طالب ماديات، بل كان طالب حق، ومناصرا بتلقائية للخير وعدوا للشر، ومسيرته الفكرية والسياسية تؤكد ذلك بشكل واضح، فقد كانت البداية من مسقط رأسه مرسيليا على شاطئ المتوسط التي بذرت فيه بذرة التعاطف الإنساني مع الضعفاء والمقهورين، وغرست في نفسه الإيمان بمبادئ العدل والمساواة حين كان يرى عمال السخرة المستجلبين من أقاليم ما وراء البحار للعمل في مصانع الإمبراطورية وهم يئنون تحت وطأة الأعمال الشاقة والسخرة لخدمة فرنسا الاستعمارية، وتأصلت تلك المبادئ أثناء الحرب العالمية الثانية حين احتُلت فرنسا فعارض بشدة الاحتلال النازي وحكومة فيشي العميلة له، واعتقل بسبب ذلك في الجزائر حيث كان يدرس، ومما أثر فيه بالغ التأثير وشد انتباهه للقيم الرفيعة للحضارة العربية الإسلامية أن المجندين المسلمين في إحدى فرق الجيش الفرنسي العميل للنازية رفضوا إطلاق النار عليه هو ومجموعة من المعتقلين بحجة أنهم أسارى وأن تقاليد المسلمين تمنعهم من قتل الأسير .
على ضوء تلك المبادئ تقلب غارودي بين النظريات الفلسفية والأطروحات السياسية بحثاً عن سند فكري لفطرته الإنسانية، وربما يكون ذلك هو الدافع وراء توجهه إلى دراسة الفلسفة التي حصل فيها على الإجازة في الفلسفة من جامعة مرسيليا سنة ،1937 والدكتوراه من جامعة السربون عن أطروحته حول النظرية المادية في المعرفة في سنة ،1953 وأصبح أستاذاً في الجامعة، وأثناء ذلك تنقل بين البروتستانتية التي اعتنقها وهو فتى ووجد فيها انفتاحاً إنسانياً يملأ عواطفه المراهقة، والشيوعية التي تنظلق من وجهة نظر شمولية تدين الظلم والقهر وكل أشكال التمييز، لكن الدوافع التي جعلته ينخرط في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي ويتبنى النظرية الماركسية ويصبح فيلسوفها المنظر، هي نفسها التي ستجعله يعترض على ممارسة الشيوعية وينتقد السياسة السوفييتية الستالينية حين انحرفت إلى الظلم وكبت الحريات ما جعله يفصل من عضوية هذا الحزب سنة ،1970 ومن الناحية الفكرية سيتجه في تلك الفترة إلى تطعيم المادية الماركسية بالروحانية الكاثولوكية للتخفيف من جفاء الفكر المادي، الذي لا يعترف إلا بالشيئية ولا يرى في المعرفة والأفكار سوى إفراز للحياة المادية للإنسان، ولا تعترف بما وراء ذلك، وقد طور نظرته تلك إلى مسعى لإقامة حوار حضاري بين الأفكار والأديان دشنه بكتابه “من أجل حوار الحضارات” 1976 الذي دان فيه التعالي الغربي على الآخر واستهزاءه بالديانات والثقافات الأخرى، ونظرة هذا الغرب للآخرين على أنهم متخلفون، وأن فكرهم وحضارتهم لا تمت للإنسانية بصلة، وابتداء من هذا الكتاب سيكثف غارودي بحوثه المتعلقة بالأديان، وخاصة الإسلام والمسيحية واليهودية، التي انتهى فيها إلى الإشادة بالإسلام انطلاقاً من نظرته التسامحية وقدرته على استيعاب الحضارات الأخرى والانفتاح عليها وتقبلها، وهو، حسب غارودي ما يثبته تاريخ الإسلام، وتعززه أطروحاته الفكرية، وفي هذا السياق وضع غارودي، كتابه “مبشرات الإسلام” ،1981 ثم أتبعه بكتبه الكثيرة عن الإسلام ومنها “الإسلام دين المستقبل”، و”المسجد مرآة الإسلام” و”الإسلام وأزمة الغرب”، و”فلسطين مهد الرسالات السماوية” .
لم يكن إذاً نقد روجيه غارودي للصهيونية ومراجعته لمسلمات الغرب حولها طفرة فكرية، ولا موقفا شاذا أو انقلاباً على مسيرته الفكرية، بل كانت تكل مؤشرات هذه المسيرة المشبعة بالإنساني والعقلاني المؤسسة تأسيساً علمياً وفكرياً راسخاً تقوده إلى ذلك الموقف، وتدعوه وهو صاحب الضمير الحي والالتزام الأخلاقي إلى أن يكتب “الأساطير المؤسسة للسياسة “الإسرائيلية””، ويتقبل راضياً حكم فرنسا الصهيونية بإدانته بمعاداة السامية وحظر كتبه والتعتيم الإعلامي عليه، مطمئناً لشعور عميق بأنه أخلص لضميره، وللحق والإنسانية، وفي ذلك درس لثلة المثقفين العرب المتساقطين في صحون الصهيونية العالمية أولاً، وللإنسانية ثانياً، وسيأتي اليوم الذي تهزم فيه الصهيونية، وتعترف فيه فرنسا بأنها أخطأت في حق أحد أعظم مفكريها في القرن العشرين

الخليج
http://www.alkhaleej.ae/portal/d454cfa4-2d0c-42c3-b7cd-10bfab0a855b.aspx

صورة المدينة في الرواية

أفق
آخر تحديث:الأحد ,24/06/2012
محمد ولد محمد سالم

يضع الدكتور نبيل سليمان في كتابه “أسرار التخييل الروائي” فصلاً عن “كنائية المدينة في الرواية العربية” يستعرض فيه تمثلات المدينة في عدد من الروايات العربية، ودلالات تلك التمثلات، ويركز بوجه خاص على الروايات التي لا تعين اسم مدينة بعينها، ويسمى هذه الاستراتيجية استراتيجية (اللا تعيين) ويتوقف فيها عند كُتَّاب كثر مثل بهاء طاهر في رواية “حب في المنفى” التي تدور في مدينة أوروبية غير معينة، ويرى الدكتور نبيل أن بهاء طاهر من واقع عمله في جنيف في سويسرا أراد أن يقدم صورة لوضع المثقف العربي الذي تلفظه سلطات بلاده إلى المنفى ليعيش حياة عدمية في مدن غربية، ولارتباط الموضوع بحياة بهاء طاهر الذاتية وحياة أصدقائه، لذلك سعى إلى الكناية عن المدينة ولم يصرح بها، لكي يسمح له ذلك بدرجة من الحرية يمكن معها أن يقول ما يريده، والاستراتيجية نفسها يتبعها غازي القصيبي في رواية “العصفورية” حيث يطرح فيها نقداً للحكومات العربية وللأنظمة الدكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، ويكني عن المدن بعربستان ،48 وعربستان ،49 وعربستان 50 وغيرها، وفي رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) يرسم مؤنس الرزاز ملامح لمدينة خرافية يسميها مدينة “الضاد”، وهي مدينة مفتتة الملامح غير واضحة المعالم، تحمل ضبابية ولا يمكن أن نحدد لها جغرافياً قارة، ويرى سليمان أن الرزاز أراد أن يقدم صورة رمزية لحال التشظي والتمزق التي تعيشها المدن العربية والإنسان العربي في داخلها .
مهما كانت التمثلات التي يمكن أن يستنتجها الدكتور نبيل سليمان أو غيره للمدينة العربية في الرواية، فإن صورة المدينة في الرواية العربية ترتبط بقضية كبرى، هي صورة الواقع في الرواية، أو بعبارة أخرى الحدود بين المتخيل والواقع في السرد الروائي العربي، ما حدود الخيال؟ وما حدود الواقع؟ وأين ينبغي أن يتوقف أحدهما ليبدأ الآخر؟ وهي إشكالية دار فيها كثير من المعالجات النقدية المتعلقة بالرواية، ويمكن أن نشير فقط إلى أنه ليس هناك قوانين تحدد للكاتب علامات التوقف عند أي حد من الطرفين (الواقع والخيال) والعامل الأساس في وضع أية حدود هو رؤية الكاتب أو المنظور الروائي الذي يسعى إلى بناء الأحداث منه، وما يريد أن يقوله من خلاله، فهو الذي يفرض عليه خياراته بين الاتجاهين، فمادة الواقع كمادة الخيال خامتان أوليان يعجن منهما المبدع منتجه بمقادير تزيد وتنقص بحساب ما يمكن أن تدلا عليه في السياق الذي يضعهما فيه>
من هذا المنظور فإن المهم في المدينة في الرواية ليس اسمها ولا ملامحها ولا التصريح بها أو التكنية عنها، بل المهم هو ما صورة تلك المدينة في سياق الرواية؟ وما تدعم به توجهات الكاتب في رسم الشخصيات والأحداث؟ ففي رواية “دروز بلغراد” لربيع جابر ليس المهم أن تكون الصورة التي قدمها لبيروت هي الصورة الحقيقية لبيروت في منتصف القرن التاسع عشر، بل المهم هو أن هذه الصورة خدمت وجهة نظر الكاتب وفضاء الحدث ومجال تحرك الشخصيات .
dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/9d213d70-b115-4cf2-b9be-94bf8d2ff612.aspx

بين الكلمة والصورة

أفق
آخر تحديث:الأربعاء ,27/06/2012
محمد ولد محمد سالم

منذ أن ظهر الاستعمار في بلاد العرب كان يتبلور نوع من الخطاب الأدبي تبدت ملامحه في رفض الاستعمار وإدانته والتصدي له، والاعتزاز بالأرض وناسها المنغرسين فيها، والوقوف في وجه كل مسعى يريد أن يشوه ملامح الوطن وقيمه الحضارية، وقد عرف هذا الاتجاه ذروته واكتماله مع مجموعة من شعراء الأرض المحتلة، أطلق عليهم النقاد “شعراء المقاومة”، ثم لم يلبث هذا اللون من الأدب أن تطور ليصبح كل أدب يقاوم الظلم والدكتاتورية، وعرفت نماذج منه في المشرق والمغرب في العقود الماضية .
واليوم يبدو هذا الاتجاه شبه معدوم أو خافت الصوت لا يكاد يسمعه أحد، رغم انفجار وسائل الاتصال، وسرعة انتشار المعلومة، فلا يكاد يصل إلى سمع المتلقي العربي صوت شعراء المقاومة - إن كان لا يزال هناك شعراء مقاومة-، والمفارقة هي أن أسباب هذا الشعر تضاعفت في السنوات الأخيرة، واستشرى الظلم والجور، بل القتل والإبادة بشكل لافت في بعض أرجاء الوطن العربي، فأين هم شعراء المقاومة أصحاب الكلمة الحرة الحارقة القادرة على التأثير في الجماهير، الكلمة التي تفعل مفعول البندقية بما تحركه من عزائم وترفعه من معنويات وإصرار في وجه الظالم؟ هل يئس الشعراء من الواقع فانصرفوا عنه أو استبدلوا المظاهرات وأشكال المقاومة الأخرى بالكلمة؟
قد تبدو صورة حية لمئات الآلاف من الجماهير المحتشدة بصخبها وشعاراتها، وصورة لدمار هائل ودخان يتصاعد من أرجاء حي شعبي، وتتناثر على شوارعه أشلاء القتلى، ويلوذ سكانه بجدران المباني بحثاً عن طريق للفرار من الرصاص والصواريخ، يتم عرضها على شاشة التلفزيون أو في اليوتيوب، أقدر على التأثير من الأدب، وأشد وقعاً من تلك القصائد المنمقة، وهو ما يجعل المتلقي ينصرف إلى تلك الأشكال التعبيرية غير الأدبية، لأنها تصل إليه بأدق تفاصيلها بشكل مباشر وصادم، وتمتلك عليه حواسه ووجدانه بشكل لا يستطيع معه التفكير في غيرها، ولهذا يبدو أن حلول تلك الأشكال التعبيرية محل الكلمة على الأقل في الوقت الراهن أمر لا مفر منه، وهو ينذر باستقالة الشعراء ونزولهم عن عروشهم .
لكنّ هناك فرقاً جوهرياً بين تأثير الصورة وتأثير الكلمة، وهو أن الصورة جامدة وذات بعد تأويلي واحد، لا تتجاوزه، وهي تخاطب العين التي يمكن أن تتعود على الأشياء وتقبل بالتعايش معها، بينما الكلمة تأتي في سياق جملة تحتمل أوجهاً تأويلية عدة، وهي تخاطب السمع والبصر والعقل والوجدان، وهي متقلبة عبر الزمن، وعبر سياق الأحداث، ولا حصر لتأويلاتها، ومن هنا فهي تظل دوماً صادمة ومحفزة، يسمعها المتلقي للمرة الألف كأنها المرة الأولى فتنتفض حواسه وتثور نفسه، لذلك فإن الشعر لا يمكنه أن يستقيل أو يقال، أو ينزوي عن ملعبه الأول، وهو ملعب المقاومة ضد القبح والظلم والقهر، فلا بد أن يعلو صوته بمقاومتها، لا بد أن يقول لها “لا” عالية مدوية في جهات الأرض الأربع .
Dah_tah@yahoo.fr

الخليج:
http://www.alkhaleej.ae/portal/85ca86c5-d607-4b3c-820c-24a7e0eed58a.aspx






الثلاثاء، 24 أبريل 2012

الأدب والمحظور من القول

أفق
 آخر تحديث:الخميس ,05/04/2012

محمد ولد محمد سالم

يعتبر كتاب “كليلة ودمنة” الذي وضع نصه الأصلي حكيم الهند بيدبا وترجم إلى الفارسية القديمة ثم نقله إلى العربية عبدالله بن المقفع أحد أهم إبداعات البشرية في فنون القول، ذلك لأن الحكيم بيدبا الذي كان يعيش في مجتمع يسوده الظلم والجبروت ويتسلط فيه القوي على الضعيف، ويحكمه سلاطين جائرون، أراد أن يقدم آراءه في العدل والأخلاق والحكمة بطريقة يصل بها إلى الناس ويبلغ بها رسالته من دون أن يجعل أولئك الظالمين يحسون بأنه يدينهم، وأن يضع في أيديهم دليلاً يمكنهم به أن يتسلطوا عليه فيعاقبوه، فلجأ إلى سرد أفكاره على ألسنة الحيوانات، وكانت تلك حيلة بديعة سلم بها من ملاحقة الظالمين، وبلغ فيها مقصوده في تثقيف الأمة وتوعيتها بقيم الحق والعدل، وقد وصفت مقدمة “كليلة ودمنة” تلك الطريقة التي اتبعها بيدبا بأنها “حيلة” من حيل الأدباء: “فلم تَزَلِ العلماءُ من كل أمة ولسان يَلتَمِسونَ أن يُعقَلَ عنهم ويحتالونَ لذلك بصُنوفِ الحِيَلِ ويَبتَغونَ إخراجَ ما عندَهُمْ مِنَ العِلَلِ في إظهارِ ما لديهِمْ مِنَ العُلومِ والحِكَمِ، حتى كانَ من تلك العِلَلِ وضعُ هذا الكتابِ على أفواهِ البَهائِمِ والطير” .
ومنذ أن ابتدع الإنسان فن القول الأدبي للتعبير عن تجاربه في الحياة فهو يواجه خطر الوقوع في المحظور، حين يتجاوز الحدود التي يضعها المجتمع في طريقه، فيضطر إلى مصارعتها، ويخيل لمن يستعرض الأدب القديم أن الشعراء إنما لجأوا إلى المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية ومختلف أساليب البلاغة هروباً من سلطة الواقع، واحتيالاً عليها، بمستوى ثان من القول يرتفع عن المباشرة حتى لا يؤخذ عليهم دليل إدانة يؤدي بهم إلى الزنزانة أو المقصلة، لكن هذا الهروب والتعالي على الواقع هداهم إلى ضروب من الجمال الأدبي الأخاذ .
كثيرة هي محاذير الحياة التي تكبل حرية الإنسان في القول، بدءاً بحياته هو ثم حياة الناس من حوله وصولاً إلى قضايا الأخلاق والمجتمع والفكر والمعتقد والسياسة والسلطة، ومع ذلك فإن وجود تلك المحاذير كان دائماً دافعاً إلى الكتابة الرفيعة وإلى صناعة الأدب الراقي الذي يرتفع عن السفاسف، ويفتح للمخيلة آفاقاً رحبة، وقد اهتدى الأدباء إلى طرائق كان أشهرها أنسنة عالم الحيوان، واختراع مجتمع مواز للمجتمع البشري تكون الشخصيات اللاعبة فيه حيوانات تقوم بينها من العلاقات ما يشبه ما يوجد في واقع البشر، وتفكر مثلما يفكرون، وفي المجتمعات المعاصرة التي اكتسب الأديب فيها الحرية أصبح من السهل عليه أن يتجاوز تلك الحدود من دون عناء، وبشكل مباشر لا مواربة فيه، ولا رمزَ، لكن انفتاح الحدود ربما يكون فخاً أدبياً، حيث يفقد معه الأديب عنصر التحدي الذي يحفز خياله للبحث عن تشكيلات تصويرية، وسلاسل إيقاعية وأنساق رمزية بديعة لقول ما لا يمكن قوله، فيسقط في المباشرة ويظل عند مستوى الصفر من القول .

Dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/717580d8-743e-447d-a500-9d86148dacec.aspx

شكرا غونتر غراس

موقف شجاع          آخر تحديث:الأحد ,08/04/2012


محمد ولد محمد سالم

شكراً لغونتر غراس على شجاعته وإن أتت متأخرة بعقود عن وقتها، فقد كان هناك دائماً مبرر لرفض “إسرائيل” وجرائمها منذ تأسست تلك الدولة على بحور من دماء أهلنا الفلسطينيين الذين اغتصبت أرضهم وشردتهم، منذ النكبة كان هناك دائماً ما يبرر لأي غربي حر شجاع أن يصدع بالحق في وجه البطش الذي تجاوز الرقم القياسي في تاريخ الجرائم الإنسانية، لكنهم، وخاصة الألمان، كانوا مشغولين بالتكفير عن تاريخ هتلر، وتلاحقهم لعنته، ومحاكمات نظامه، فلم يستطيعوا أن يجهروا بآرائهم في جرائم “إسرائيل” التي لا يمكن إخفاؤها، واليوم وقد ابتعد الغرب بعقود طويلة عن التاريخ النازي، وأصبحت أجسادهم بمنجاة من محاكماته، فإنه سيكون من النبل أن يصدقوا مع أنفسهم وينسجموا مع ما يدّعون الإيمان به من عدل وحرية وحق إنساني، ويعلنوا صراحة إدانتهم ل”إسرائيل”، وقد فعلها الروائي والشاعر الألماني الحاصل على “نوبل 1999” يوم الأربعاء الماضي حين نشر نصاً أدبياً يدين فيه “إسرائيل” ويصف امتلاكها للأسلحة النووية بأنه يهدد السلام العالمي، وأطلق خلالها عبارة يجدر أن تكون عنواناً لمرحلة مقبلة، حيث قال: “لن أظل صامتاً لأنني سئمت من النفاق الغربي” .
يستدعي موقف غراس إلى الذهن مواقف بعض الشعراء والأدباء العرب الذين حَلُموا بنوبل، وبجوائز غربية أخرى كثيرة، فسوّقوا لثقافة الحوار والسلام مع “إسرائيل”، وانتسبوا إلى منتديات للحوار تضم يهوداً “إسرائيليين”، واستُغِلوا من حيث شعروا أو لم يشعروا ضد قضية أمتهم الكبرى، قضية فلسطين، حتى إن من بينهم من حاول أن يلتف على تاريخه النضالي العربي، ومواقفه ضد “إسرائيل”، فسعى إلى إسقاط أدبه القديم، ووصلنا إلى مرحلة كاد أن يكون فيها “المثقف” “الإسرائيلي” المتشبث بعنصريته ودمويته صديقاً للمثقف العربي المنخدع، ومحاوراً له من أجل السلام، ونسي هذا المثقف العربي أن “الحوار” مع “إسرائيل” (لو كان مقبولاً) فإنه يبقى شأناً سياسياً وليس ثقافياً، فليس المثقف معنياً بما يحدث في الواقع السياسي اليومي إلا بالقدر الذي يؤكد مبادئه ويحفظ هويته وأسس ثقافته، إذ هو حارس الهوية والأمة ومبادئها العليا، وحارس لقيم العدل والمساواة والحق، وعليه أن يبقى كذلك مهما تغيرت اللعبة السياسية أو تبدلت أدواتها .
لقد كانت غلطةً كبيرة من شعراء وأدباء عرب مرموقين أسالت لعابهم تلك الجوائز التي تخصص لهم من طرف منظمات ومنتديات أدبية غربية تشجيعاً لهم على “الحوار”، ونسوا أو تناسوا أن ذلك لم يكن سوى إسناد ثقافي “إسرائيلي” وغربي للحوار السياسي الذي فرض على العرب بعد أن سُلبوا كل وسائل الدفاع عن أنفسهم .
ليت إعلان غونتر غراس يوقظ ضمائر أولئك المثقفين العرب، ويعيدهم إلى رشدهم، فيكفوا عن الترويج للسلام مع “إسرائيل”، ويعرفوا أن الصدق مع الذات هو أهم حِلْية ينبغي أن يتحلى بها المثقف، هذا إذا لم تكن ثورات الربيع العربي قد أيقظت ضمائرهم ونبهتهم إلى عبثية الطريق الذي كانوا يسلكونه .

dah_tah@yahoo.fr
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/c2b06ad3-2057-4f2e-a63a-d6dc46cb6f70.aspx

"دروز بلغراد" وإشكالية التاريخي والروائي

في مديح الحكي


"دروز بلغراد" وإشكالية التاريخي والروائي                           آخر تحديث:الاثنين ,16/04/2012

الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
ما يميز عمل ربيع جابر في رواية (دروز بلغراد . . حكاية حنا يعقوب) التي حصل بها على الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الخامسة 2012 هو تصويره لطابع الحياة السائد في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، ووقوفه على التفاصيل الدقيقة في تلك الحياة، ومستوياتها المختلفة خصوصا حياة السجناء والجنود وضباط الجيش العثماني، وأوضاع الأقاليم الأوروبية التابعة للدولة العثمانية، وما تشهده من اضطرابات، فقد أتى الكاتب على كل تلك التفاصيل وهو يتتبع حياة أبطال روايته بين لبنان وبلاد البلقان .
حين ننظر في قائمة المصادر والمراجع التي ذيَّل بها جابر روايته -على غير عادة الروائيين -فإننا سندرك الجهد الذي بذله هذا الكاتب الدؤوب في تأليف روايته، فقد رجع إلى العديد من المؤلفات والوثائق المتعلقة بتلك الحقبة التاريخية عامة وبالواقعة التي بنى عليها روايته خاصة، وهي واقعة نفي مجموعة من الدروز بعد حرب أهلية طاحنة، حيث يخلص جابر للنهج الذي اختطه لنفسه وهو العودة إلى التاريخ لرسم عالمه الروائي مركزاً على حقب وحوادث مفصلية في تاريخ لبنان، مستعيداً إياها في تداعياتها على الناس العاديين الذين لم يكن لهم دور في صناعة حوادثها، ولكنهم تأثروا بتداعياتها، وطحنتهم رحاها .
يكتب ربيع جابر التاريخ الاجتماعي، تاريخ الناس في تقاطعه وتوازيه مع تاريخ الخاصة الذين يصنعون التاريخ ويوجهون دفته، ويحلل التجارب النفسية للبسطاء، في تفاصيلها الدقيقة المشكلة من غلالة من الألم والحزن، ومع ذلك فهم يترصدون كل لحظة أمل أو فرح شاردة فيقتنصونها ويعيشونها بكل جوارحهم .
في “دروز بلغراد” يمثل حنا يعقوب ورفقاؤه من السجناء الدروز أولئك البسطاء، ويستند السرد على حادثة نفي 550 درزياً عقاباً لهم على ما فعلوه بالمسيحيين خلال أحداث فتنة وقعت في عام ،1860 ومن سوء حظ ذلك الشاب المسيحي المسالم المسمى حنا يعقوب الذي يبيع البيض أنه كان يتجول بسلته في الميناء في تلك الساعة التي سينقل فيها أولئك الدروز إلى السفينة التي ستأخذهم من بيروت إلى بلغراد، فالتقطه الجنود العثمانيون بأمر من ضابطهم ليكملوا به عدد السجناء الدروز قبل أن يحضر القنصل الفرنسي الذي سيعدهم، ولن يقبل ترحيلهم ما لم يكن عددهم كاملاً، وكان الضابط قد أطلق سراح أحد أبناء الشيخ غفار الخمسة بعد أن رشاه غفار بكل ما يملك من ذهب، وهكذا يجد حنا نفسه في الأغلال مرغما على أن يقبل أن اسمه سليمان بن الشيخ غفار، وأنه درزي مسجون بين عشرات الدروز المرحلين، وتبدأ تفاصيل حياة السجن التي سيعيشها على مدى اثنتي عشرة سنة متنقلا مع تلك المجموعة بين سجون بلغراد والهرسك وكوسوفو وبرشتينا والجبل الأسود، في رحلة عذاب مزقهم فيها ظلام السجون والبرد والجوع والمرض والعمل الشاق فتساقطوا أفراداً وجماعات حتى قضت هجمات البلغاريين على حصون الأتراك على آخرهم ولم ينج سوى حنا، الذي هرب لكنه يقع من جديد في أيدي الأتراك ويسجن سنوات أخرى، ثم يهرب من جديد بعد أن احترق الحصن الذي سجن فيه، وهام على وجهه في مقدونيا لتنقذه قافلة حج أوهم أهلها أنه مسلم حاج، وحين وصلوا إلى دمشق انفصل عنهم وركب مع القوافل المتجهة إلى بيروت ليجد زوجته هيلانة وابنته بربارة في انتظاره .
مما يحسب لربيع جابر في روايته هذه أنه تجاوز التشتت الحكائي الذي ساد روايته السابقة “أميركا” التي وصلت به إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في عام ،2009 فقد أثقل تلك الرواية بتعدد الحكايات التي لا تؤدي دورا مهما في صلب الحكاية الأصلية، أما هذه الرواية فقد تمكن بنسبة كبيرة من السيطرة على مسار حكائي واحد من البداية إلى النهاية، وهي ميزة من أهم ميزات الكتابة الجيدة، كما تحسب له رشاقة اللغة وسلاسة التعبير والالتزام بالفصحى في الحوار .
نجح الكاتب في رسم التحول النفسي الذي حدث للشخصيات، حيث تقبل حنا في النهاية وبسبب واقع الحال أنه هو سليمان، وتقبل إخوة سليمان أن حنا هو أخوهم وعاملوه على ذلك الأساس، وأنقذوه مرات من الموت المحقق، كما رسم أشكال التضامن بين مجموعة السجناء في مواجهة المصير الأسود، لكن السرد بشكل خطي حسب التسلسل الزمني للأحداث من البداية إلى النهاية أدى إلى انشغال الكاتب بسرد الوقائع الخارجية وتتبع تفاصيلها على حساب العوالم الداخلية للشخصيات التي لم تلق الاهتمام الكافي، حتى الشخصية الرئيسة حنا ظل الكاتب مشغولاً برسم تفاصيل حاضره، ولم يلتفت إلى عالمه الداخلي إلا في لحظات خاطفة يتذكر فيها زوجته وابنته، ويتساءل عن ما إذا كان سيعيش ليراهما مرة ثانية، وكذلك هيلانة التي فقدت فجأة زوجها وهي ابنة سبعة عشر ربيعا وتحمل في يدها بنتا رضيعة، فبقيت نهبا للفزع والوحدة والجوع، هي نموذج لشخصية تمتلك كل مقومات التداعي الحر، والهذيان والتخيل والكوابيس والحلم، ورغم ذلك لم نشهد لها أي حضور نفسي أو تخيلي يذكر، والإخوة الدروز الأربعة ظلوا أيضا على مظاهرهم الخارجية ولم يدخل الكاتب إلى أعماقهم، ولا شك أن لا شعورهم ظل يعمل في صمت، وهم يعانون في المنفى عقابا لهم على ما جنت أيديهم، وكان يمكن للكاتب أن يفعل ذلك لأن السجن والغربة والوحدة كلها دواع لاستجلاء الكوامن النفسية للشخصية، وللحوار مع الذات، وانفتاح الوعي الداخلي على مصراعيه، والتذكار والتخيل، وتلك تقنيات مهمة عدت فتوحا في الكتابة الروائية منذ أن كتب الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871- 1922) روايته “البحث عن الزمن المفقود”، وكان ذلك بعد مسيرة طويلة من تاريخ السرد (الخطي) التسلسلي للأحداث استنفدت فيها طاقته وأصبح من الضروري تجاوزه بتقنيات سردية جديدة .
كان يمكن لكاتب مثابر مثل ربيع جابر أن يستفيد من تلك التقنيات السردية في “دروز بلغراد” ليكسر خطية الزمن المملة، ويقرب القارئ من شخصياته، ويعرفه بعمق على تجارب السجن والغربة والوحدة، وربما يعيد انشغاله ببناء اللحظة التاريخية بتفاصيلها السياسية والحربية والاجتماعية والاقتصادية، يعيد إلى السطح النقاش حول حدود التاريخي والروائي في الرواية، فهل الكاتب ملزم ببناء تفصيل كامل للأحداث وإعطاء صورة متكاملة عنها أم أنه ينبغي أن يستفيد من الوقائع التاريخية لبناء عالمه الروائي الذي هو عالم التجارب الإنسانية في خصوصيتها وتفردها وتقاطعها وتوازيها مع أحداث التاريخ، على أن تلك الملاحظة لا تغض من قيمة هذا العمل الروائي الذي بذل صاحبه جهداً رائعاً في صقله وتفصيله بأسلوب جميل، ولغة فصيحة قريبة، فكان جديراً بالجائزة التي حصل عليها .
الخليج : http://www.alkhaleej.ae/portal/3ca9cb3a-7220-4b6f-a5eb-13fc61534fa2.aspx

الجمعة، 9 مارس 2012

العنصر الثقافي في الثورة التونسية

محمد ولد محمد سالم
من حسنات نظام الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة أنه ركز على تكوين العنصر البشري تركيزاً قل نظيره في الوطن العربي، حتى بعد أن أكدت نظريات التنمية في أواخر القرن العشرين مركزية العنصر البشري المثقف في التنمية، واشتراط نجاحها بوجود الكفاءة البشرية المؤهلة، كان بورقيبة يعي هذه الحقيقة ويعي أن تونس بمواردها الشحيحة ينبغي أن يكون العنصر البشري أكبر مورد لها، وهكذا وضع أسس نظام تعليمي قادر على تخريج الكفاءات البشرية المطلوبة، ولم ينصرم القرن الماضي حتى انتشر الخبراء التونسيون في البلدان العربية وأوروبا، وأصبحوا من أكثر الخبراء العرب والأفارقة حضورا في المنظمات الدولية .

ومع إقبال عصر تقنية المعلومات كانت تونس جاهزة لتلقي موجة الإنترنت ودخول العصر بخطى ثابتة، وقد أظهرت مؤتمرات المعلوماتية التي أقيمت فيها في السنوات الماضية هذا التوسع السريع في استخدام المعلوماتية، حتى وصلت نسبة استخدام الإنترنت إلى 25% من السكان، وهي نسبة كبيرة بالنظر إلى الوضع في البلدان العربية الأخرى، ومع قاعدة بشرية شابة متعلمة انخرط المجتمع التونسي في الشبكات الاجتماعية وأصبح التواصل عبرها وبث المعلومة وسيلة فعالة في ظل القبضة الأمنية والانسداد الإعلامي والسياسي الذي شهدته البلاد منذ عقود، وشهدنا خلال السنوات الماضية عبر الشبكات الاجتماعية وعبر شاشات الهواتف المحمولة هذا الصراع القوي بين قوانين صارمة ضيقة الأفق تريد تكميم الحرية وقتل الوعي، وبين وسائل تواصل عابرة للفضاء لا يمكن أن تحد بحدود، ولا تستطيع أية قوانين مهما كانت قوتها أن تفرض سيطرتها عليها .

انفتح الفضاء أمام الشعب وتسربت ثقافة الحرية، ونقل إليهم هذا الفضاء المفتوح مآثرها في الجانب الآخر من العالم، وأصبحت قوانين الكبت والقبضة الأمنية شيئا لا معنى له، وإطارا متجاوزا لا يحتاج إلا إلى شرارة بسيطة لتحرقه، وكانت الشرارة .

وبعد أن فاض النهر جارفا يقتلع سدود الكبت والظلم كان وجود تلك الفئات الشابة المثقفة الواعية بأهدافها وحدود تصرفاتها عنصرا حاسما في هذه الثورة، كانوا يعون الفرق بين النظام المتهالك ورموزه وبين الدولة وأسسها ومكتسباتها التي ينبغي الحفاظ عليها، فهناك دولة ومؤسسات وطنية لا يجوز المساس بها لأنها ملك للشعب وليست للنظام، وهكذا لم نشهد عنفاً وتدميراً وتفجيراً وقتلاً، كذلك الذي يصاحب عادة الثورات الشعبية التي تفتقر إلى ثقافة وطنية واعية، وتتحرك كردة فعل عنيفة على الظلم، كانت ثورة التونسيين واعية مثقفة، تواصل بالإنترنت والرسائل النصية وتحديد لمكان التجمع، ومسيرات سلمية ورفع للافتات المُدِينة للنظام، عصيان مدني جميل وهادئ رغم الدماء التي أسالها أمن ابن علي، وحتى حين انتهز بعض المنحرفين فرصة سقوط النظام فنهبوا بعض المحالَ التجارية أو المؤسسات الخاصة، كان الرد سريعا حيث نظم الشعب دوريات حراسة في الأحياء قضت على تلك العمليات تماماً .

ذلك درس في الثورة حين ترتبط بثقافة واعية تزيح الظلم وتحفظ مكتسبات الوطن، يعلمه الشعب التونسي للعالم، وسيسطره التاريخ كبداية لنوع جديد من الثورات، فشكرا لهذا الشعب العربي الأبي .
جريدة الخليج