سيرة روائية” الصفة التي اختارها الكاتب السوداني أمير تاج السر لكتابه الجديد “قلم زينب” الصادر عن وزارة الثقافة في قطر، الذي يتعرض فيه بطريقة روائية لفترة من فترات عمله طبيباً في بلده السودان، ويوحي ذلك الوصف بأن الأحداث التي يرويها كلها واقعية، لكن طريقة رواية الأحداث ورسم الشخصيات تعطي انطباعاً بأن للخيال أيضاً دوراً في تلك السيرة، فهناك اشتغال على نمذجة الشخصيات، كما أن الكاتب لم يهتم بحياته الشخصية إلا في تماسها مع أحداث القصة التي يرويها لنا .
تتلخص حكاية “قلم زينب”، في أن الكاتب كان في بداية مشواره العملي قد افتتح عيادة صغيرة في حي شعبي فقير، وذلك لتساعده على مصروفاته التي لا يفي بها الراتب الحكومي، وهو يومئذ خريج يتدرب في مستشفى حكومي في أم درمان، وفي أيامه الأولى لافتتاح العيادة زاره شخص اسمه علي إدريس، ومن تلك الزيارة تبدأ ورطة الكاتب الطبيب، حيث يختفي علي إدريس لكنه يبدأ في حياكة سلسلة من الخدع يحتال بها على الطبيب وعلى أناس قريبين منه بدعوى أنه صديق حميم له، ويبدأ الطبيب في دوامة البحث عن ذلك الشخص مستعيناً بالشرطة، وبأحد أصدقائه العسكريين، وتمر أشهر لا تتوقف فيها المقالب، ثم يعثر الكاتب على علي إدريس ذاته في المستشفى الذي أدخل إليه للعلاج، هو ومجموعة من السجناء، وحين يبلغ عنه يكتشف أنه يقضي عقوبة سجن منذ خمس سنوات، أي قبل سلسلة الحوادث التي تعرض لها الكاتب بسنوات، ولا يجد دليلاً على أنه كان يخرج من السجن لتدبير خدعه .
متعة السرد في “قلم زينب” تأتي من التقنية التي اتبعها الكاتب في حكايته للأحداث، فهو يجمع تقنية الرواية البوليسية حيث البحث المستمر الذي يقوم رجل الشرطة أو يجريه الكاتب بمساعدة العسكري، والمفاجآت الكثيرة التي تحصل له أثناء ذلك، كاحتيال علي إدريس على قريبه ليأخذ منه مالاً بدعوى أن الطبيب يريده، واحتياله على الأسرة التي تقصد الحج، وسرقته لمولد الكهرباء للعيادة وغيرها كثير، ما يحفز ذهن القارئ ويشوقه للمتابعة، وأما التقنية الأخرى فهي استدعاء الكاتب عن قصد أو عن غير قصد لتقاليد الطرائف والنوادر العربية، ونموذج الشخصية المخادعة والشخصية المغفلة في تلك النوادر التي نصادفها كثيراً، فكأننا أمام شخصية عيسى بن هشام في مقامات بديع الزمان الهمذاني وهو يتجول في سوق بغداد يقتنص المغفلين ليحتال عليهم فيسلبهم ما عندهم، ويختفي .
يمكن أن نطلق على أسلوب أمير تاج السر في هذا الكتاب “أسلوب المقالب”، لكنه ليس المقالب التي تقدم لمجرد الضحك والهزء، فالكتاب يكشف الأحداث من خلال التي تجري في ذلك الحي الشعبي الفقير في أعماق المجتمع السوداني في أواخر القرن الماضي، وما يسود فيه من تناقضات وفساد، وفيه اشتغال محترف على نماذج إنسانية يرغم القارئ على التعاطف معها والإحساس بإنسانيتها رغم مظهرها المنفر ।
الخليج: http://www.alkhaleej.ae/portal/7cf07ca5-d351-4987-bec3-135759a694fd.aspx
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق