المثقف العربي في الصميم من حركة التغيير
آخر تحديث:الأربعاء ,09/11/2011
الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
أصبح الحراك الاجتماعي والحديث عنه مناسبة جيدة للوم المثقف العربي والشكوى من دوره السلبي وغيابه عن الإسهام في التحولات التي اجتاحت مناطق عدة من الأقطار العربية، بل عدائه لها في بعض الأحيان، وعقدت حول ذلك ندوات كثيرة شخصت أسباب تلك السلبية وأرجعتها تارة إلى نظرة الاستعلاء التي ينظر بها المثقف إلى الجماهير، فهم في نظره “رعاع” و”دهماء” و”جهّال” لا يصدر عنهم رأي سديد ولا موقف سليم، وتارة إلى تعلق هذا المثقف بالسلطة وارتمائه في أحضانها وتزلفه لها، ما جعله مدافعاً مستميتاً عنها، ومنظراً حاذقاً لاستمرار سيطرتها، وبوقاً مرتفعاً بالدعاء لها، وطوراً لا تسعف هذا المثقف القدرة الصحيحة على التحليل المنطقي والعلمي للواقع فيخطئ في تقديره لما يحدث ويدفعه ذلك لاتخاذ موقف سلبي، وفي أحيان أخرى يكون الخوف هو دافع المثقف إلى تلك السلبية واللامبالاة ।
وسط تلك التحليلات والتفسيرات لم نعثر على رأي يقر بأن للمثقفين دوراً في التغييرات الجارية، ويعترف لهم بحسنة ولو طفيفة في هذه التحولات والتحركات، فهل صحيح أن المثقف العربي متعال وسلبي وخائف إلى هذه الدرجة البائسة التي حرمته من أن يسهم ولو بنقير في ما حدث؟
يذكر محمد حسنين هيكل في أحد كتبه التي تؤرخ للثورة المصرية أن بعض قادة تلك الثورة كانوا قراء جيدين لكتب العقاد وطه حسين وروايات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء والمفكرين مما أسهم في صنع أفكارهم التغييرية وتحفيز هممهم للثورة، ويحفل تاريخ الثورة الفرنسية بأسماء كثيرة لمثقفين كانت كتاباتهم عاملاً حاسماً في تهيئة المناخ لتلك الثورة بما بثته من أفكار تغييرية حركت ووسعت مدارك الناس وحركت الجماهير للإطاحة بالحكم المستبد، وعلى رأس أولئك المثقفين يأتي فولتير (1694-1778) الذي كان داعية صريحا إلى التغيير ونبذ الاستبداد، ومونتسكيو (،1689 1755) الذي كتب “روح القوانين”، وجان جاك روسو (ت 1778) صاحب كتاب “العقد الاجتماعي” وفرانسوا كيناي (ت 1778) الذي كتب “المخطط الاقتصادي”، وغيرهم ممن هيأوا الأوضاع للتغيير السريع والعميق في فرنسا .
أين ذهبت قصائد شاعر مثل أمل دنقل ودعوته الشهيرة “لا تصالح” التي يقرأها طلاب المدارس في أغلب البلدان العربية وقصائد نزار قباني الجماهيرية التي تحولت إلى أغان لأشهر الفنانين العرب وانتشرت لدى الجماهير، وقصائد أجيال عديدة من الشعراء العرب الذين جاؤوا بعدهم والذين ما زال الكثير منهم يحمل راية تغيير الواقع، أين ذهبت كتب مفكرين حللوا الخطاب العربي المعاصر ونظروا لحركة الواقع وطرحوا أفكارهم في التغيير من أمثال محمد عابد الجابري، وهشام جعيط، وحسن حنفي، وحسين مروة واللائحة تطول، وأين ما تمور به الصحف والمجلات في كل يوم من أطروحات وآراء حول التغيير والاستبداد، والعدل والمساواة وحرية الرأي، أليس كل ذلك هو نتاج أقلام مثقفين أصحاب رأي حر شجاع .
ليست الثورة أو التغيير طفرة ولا ظاهرة منبتة عن الواقع تحدث فجأة ومن بدون مقدمات، وإنما هي الذروة في حركة طويلة المدى تسهم في صياغتها عوامل كثيرة وأعمال دؤوبة لأناس نذروا أنفسهم لذلك التغيير، وليست التغييرات في الوطن العربي حالة شاذة عن هذه الحقيقة التاريخية، فهي نتاج لكل تلك الأطروحات وللعمل السياسي الدؤوب لأجيال من السياسيين العرب الأحرار، مع ما استجد من تأثيرات العولمة والثورة الإلكترونية، ما فتّح وعي الجماهير على آراء النخبة المثقفة وحفزهم لاتخاذ زمام المبادرة .
لن يكون دور المثقف في أي تحول سياسي أو اجتماعي دور القائد الميداني الذي يحمل الراية وينزل للشارع، وإن كان ذلك مباحا له ومحمودا منه إن هو فعله، لكن دوره الأكبر هو بما يبثه من أفكار إصلاحية، ورأي حر ينشد العدل والمساواة وحقوق الإنسان وينبذ الظلم والجور، وما يسند به حركة الجماهير من مواقف توجيهية وآراء تحريضية، فهو ليس واجهة إعلامية ولا صورة توضع على الشاشة لاستقطاب الأتباع، لكنه صاحب الرأي المتأني الذي يستقر في الفكر وينغرس في الأنفس مجرداً عن صاحبه وعن اللحظة التاريخية إلى حالة إنسانية وقناعة فكرية لا تتزحزح، وربما لهذا الدور الخفي البعيد عن الأضواء اختلط على البعض الأمر فحسب أن المثقف العربي لم يقدم شيئاً ولم يسهم فيها، في الوقت الذي هو في الصميم منها ومنكوٍ بنارها ।
الخليج
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق